ملخص
شهد الساحل الشرقي لتونس وعدد من المدن في تونس الكبرى أمطاراً غزيرة وسيولاً جارفة، خلفت 5 قتلى وأضراراً مادية كبيرة، بينما أعاد هذا الوضع إلى السطح سؤال التغيرات المناخية التي تعرفها منطقة المتوسط، ومدى جاهزية الدولة التونسية لمواجهتها.
واجه إقليم تونس الكبرى ونابل وزغوان، الذي يضم نحو 33 في المئة من مجموع السكان، ظروفاً مناخية صعبة خلال هذا الأسبوع تمثلت في أمطار غزيرة وسيول وفيضانات وارتفاع لمنسوب المياه.
وخلفت الفيضانات وفاة 5 أشخاص في المكنين من محافظة المنستير، كما عزلت المياه عدداً من المدن والأحياء السكنية، وتعطلت الدروس في 15 محافظة، علاوة على شلل شبه تام لحركة النقل العمومي ليومين كاملين.
وفاقم غياب قنوات تصريف مياه الأمطار من وضع عدد من الأحياء السكنية والعشوائيات التي يزدحم فيها آلاف السكان دون مرافق أساسية، ما جعلها فريسة لكل فيضانات تشهدها البلاد، وهو ما يعكس فشل السياسات العمرانية لدولة ما بعد الاستقلال إلى اليوم. وأعادت هذه السيول والفيضانات المفاجئة الأسئلة حول التغيرات المناخية الماثلة، ومدى جاهزية الدولة بمختلف مؤسساتها لمواجهتها.
الأعاصير وارتفاع حرارة المتوسط
شملت التغيرات المناخية مختلف الدول المتوسطية، وبحسب خبراء المناخ، فإن تونس ستواجه ظواهر مناخية متطرفة خلال السنوات المقبلة، بالنظر إلى ما خزنه البحر الأبيض المتوسط من حرارة مرتفعة باتت فاعلاً أساسياً في تشكل الأعاصير والأمطار الطوفانية.
ويؤكد أستاذ المناخ والناشط في المجال البيئي حمدي حشاد، في تصريح لـ"اندبندنت عربية"، أن "البحر الأبيض المتوسط يشهد تغيرات مناخية متطرفة، نتيجة ارتفاع درجة حرارته صيفاً، وستسجل تونس في المستقبل تساقطات مطرية مشابهة، قد تفوق المعدلات العادية وفي وقت وجيز".
ويضيف حشاد أنه "من حسن حظ تونس أن هذه السنة تُعد سنة مطيرة، مقارنة بالسنوات السابقة"، محذراً من تعرض البلاد إلى مزيد من التغيرات المناخية في أشكال قصوى.
ويشار إلى أن "البحر الأبيض المتوسط يسخن بنسبة 20 في المئة أسرع من المعدل العالمي"، وبحسب المتخصص في المناخ، يؤدي ارتفاع درجة حرارة البحر إلى "ضخ كميات كبيرة من بخار الماء في الجو، ما يوفر الطاقة اللازمة لتطور العواصف بشكل متسارع، وهو ما يزيد من شدتها وخطورتها، وبالتالي أصبح المتوسط فضاءً خصباً لتكون عواصف قوية وعنيفة شبيهة بالأعاصير المدارية من حيث البنية والتأثير".
ويذكر أن منطقة المتوسط شهدت خلال السنوات الماضية عاصفتين مدمرتين، أبرزها العاصفة "دانيال" التي اجتاحت شرق ليبيا في سبتمبر (أيلول) 2023، وأدت إلى انهيار سدين في درنة، وتدمير أجزاء واسعة من المدينة.
ويضيف حمدي حشاد أن "التوسع العمراني العشوائي وغياب التهيئة المدروسة يحولان دون التفكير في التخزين الجوفي لمياه الأمطار في تونس التي تعاني الشح المائي".
سياسات مائية مبتكرة
في المقابل، يرى حسين الرحيلي، أستاذ التصرف في الموارد في الجامعة التونسية، في تصريح خاص، أن "تونس مدعوة إلى تغيير سياساتها المائية والبحث عن حلول بديلة للتصرف في مياه الأمطار على غرار التخزين الجوفي، عوض هدرها في البحر وفي السباخ"، لافتاً إلى أن "65 من المنشآت المائية والسدود موجودة في أقصى شمال تونس، بينما أعادت التغيرات المناخية تشكيل خارطة التساقطات المطرية، وباتت مناطق الساحل الشرقي أكثر تعرضاً للأمطار الطوفانية، وهو ما يدفع بالضرورة إلى تغيير خارطة السدود، عوض التمسك بسدود فارغة من المياه في الشمال".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ودعا الرحيلي إلى ضرورة استفادة "تونس من كل قطرة مياه من الأمطار، لأنها بقدر ما تواجه أمطاراً طوفانية ستعيش شحاً مائياً مستمراً، ويقترح التخزين الجوفي لمياه الأمطار، ووضع قنوات خاصة لتصريف مياه الأمطار في المناطق المفتوحة من أجل تغذية الطبقة الجوفية للأرض، وإعادة استخدام تلك المياه من خلال آبار سطحية للتخفيف من الضخ المتواصل للمياه من السدود".
الحلول الممكنة
بينما تعرف البلاد شحاً مائياً يدفع مؤسسات الدولة المعنية بقطاع المياه إلى تقسيط المياه على التونسيين في فترة الذروة الصيفية، وتحث على ترشيد استهلاكها، يتم هدر ملايين الأمتار المكعبة من المياه في المدن والمناطق التي لا تتوفر على سدود لتخزين تلك المياه، كما تضع الانعكاسات الكارثية للفيضانات الدولة ومؤسساتها أمام حقيقة استثماراتها في قنوات تصريف مياه الأمطار ومشاريع حماية المدن من الفيضانات.
وتعود شبكة قنوات تصريف المياه إلى سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وفق مقاييس لم تعد تتماشى مع التساقطات المطرية المتطرفة التي تشهدها تونس اليوم، كما أنها لم تعد منسجمة مع التوسع العمراني الأفقي والعمودي الذي عرفته البلاد خلال العقود الأخيرة.
ولا تمتد شبكات تصريف مياه الأمطار على كل الأحياء السكنية، كما تفتقر أغلبها أيضاً إلى شبكات الصرف الصحي، علاوة على التداخل بين الشبكتين، حيث يتم في أغلب الأحيان تصريف مياه الأمطار في قنوات مياه الصرف الصحي، ما يؤدي إلى فيضان الشبكتين وفقدان القدرة على استيعاب الكميات الكبيرة من مياه الأمطار.
وازدادت الحاجة خلال السنوات الأخيرة إلى الحلول الطبيعية لمجابهة تداعيات تغير المناخ، وسط ما تشهده المناطق الحضرية من منسوب تساقطات غزيرة تؤدي إلى حدوث فيضانات مدمرة تزداد وتيرتها مع تسارع تغير المناخ.
وأشار تقرير للجنة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) إلى أن نحو 700 مليون شخص في العالم يعيشون في مناطق زادت فيها معدلات هطول الأمطار الغزيرة، ومن المتوقع زيادة هذا العدد مع استمرار ارتفاع درجات حرارة الأرض.
"المدن الأسفنجية"
يعني مصطلح "المدن الأسفنجية" المدن والمناطق الحضرية التي تتوفر على مساحات طبيعية شاسعة كالغابات والبحيرات والمنتزهات، وتصميمات تساعد على امتصاص مياه الأمطار والسيول وتجنب الآثار الكارثية للفيضانات، والحفاظ على مياه الأمطار والاستفادة منها بشكل مستديم.
وتعتبر فكرة "المدن الأسفنجية" واحدة من الحلول المقترحة للتقليل من مخاطر الفيضانات، حيث توفر هذه المدن مساحات أكثر نفاذية للاحتفاظ الطبيعي بالمياه وترشيحها، وزيادة القدرة على استيعاب الأمطار الغزيرة، إلا أن العائق الذي يحول دون ذلك هو التوسع العمراني الكبير، وتغطية المدن بالإسفلت والطرقات، وتشييد المآوي كبيرة الحجم، ما يجعل منها "مدناً كتيمة" أي لا ينفذ منها الماء، وتمنع ترشيح مياه الأمطار عبر طبقات الأرض.
ويعود المصطلح إلى 2013، ووضعه الأستاذ "كونغجيان يو" من جامعة بكين، ويعني مدناً شبيهة بالإسفنجة التي تمتص مياه الأمطار، والتي تتم تصفيتها بواسطة التربة إلى طبقة المياه الجوفية، ثم يتم استخدامها فيما بعد من خلال الآبار والاستفادة منها من قبل سكان المدينة.
وتحتاج "المدن الإسفنجية" إلى مساحات خضراء كبيرة تسمح للمياه بالتسرب، وممرات مائية وقنوات لتصريف المياه مترابطة عبر الأحياء السكنية، بدل الخرسانة والأسفلت غير النفاذين، كما تساعد التصميمات المسامية للطرقات والأرصفة على امتصاص مياه الأمطار وتغذية الطبقة الجوفية بالمياه.
وتعيد أحواض التجميع وأنظمة احتجاز الجريان السطحي للمياه توجيه مياه الأمطار إلى المساحات الخضراء لامتصاصها بشكل طبيعي.
وتعمل المدن الإسفنجية على تحقيق نسبة هامة من الاكتفاء الذاتي من المياه النظيفة، من خلال تجديد المياه الجوفية، كما تساعد على خفض الأعباء على شبكات الصرف الصحي ومحطات معالجة المياه.
مدن ذكية ومستدامة
تتطلب استدامة المدن التونسية ثورة في البنية التحتية واستثمارات ضخمة تعود بالنفع على البيئة والمحيط والسكان، ولم يعد ترميم القنوات القديمة أو جهر الأودية والبالوعات كافياً، لأن المقاربة المستدامة الشاملة تعني مدناً جذابة وذكية وقادرة على استيعاب الظواهر المناخية من خلال حلول طبيعية تعكس قدرة العقل البشري على التكيف مع التغيرات المناخية المتطرفة.
وبدل أن تغرق مياه الأمطار الأحياء السكنية أو تهدر في البحار، يمكن إعادة تدويرها واستخدامها عبر التخزين الجوفي، وهو ما يتطلب رؤية مبتكرة وحديثة، وتنسيقاً محكماً بين مختلف مؤسسات الدولة وتهيئة "مدينة أنموذج" تكون مثالاً يحتذى لبقية الأحياء والمدن، والقطع مع سياسات تجاوزها الزمن وتعتمد فقط على تجميع المياه في السدود، بينما تشكلت خارطة جديدة لتوزيع الأمطار.
في الواقع، إن أزمة التصرف في مياه الأمطار هي في جوهرها أزمة حوكمة وسوء تنسيق بين مختلف الجهات المتداخلة، بينما تعاني المشاريع الكبرى من بيروقراطية ثقيلة وصعوبات في التمويل، علاوة على غياب التخطيط الاستشرافي الذي يتوقع الكارثة قبل حدوثها.
ووسط هذا الواقع، تتقاسم مؤسسات الدولة مسؤولية هذا التدهور وسوء الحوكمة، بينما يقترح المختص في الحوكمة المحلية، الأستاذ محمد الضيفي، بعث وكالة للتصرف في مياه الأمطار، مؤكداً أن "البلديات لا تتحمل لوحدها مسؤولية انسداد البالوعات وتسرب المياه إلى المنازل"، لافتاً إلى أن "ديوان التطهير يضطلع بدور كبير في التصرف في مياه الأمطار، بينما تتبع الأودية وزارة الفلاحة المدعوة بدورها إلى جهرها وتهيئتها لاستيعاب مياه الأمطار الطوفانية".
ويقر بـ"غياب التنسيق بين مختلف هذه المؤسسات، ما يطرح معضلة في التصرف في مياه الأمطار التي تتراكم وتلحق الضرر بالأحياء السكنية وبالمرافق الأساسية وبالبنية التحتية"، داعياً إلى تحييد الأودية والسباخ والقطع مع اعتمادها كمصبات عشوائية لفضلات مواد البناء والتعامل معها كمنظومات بيئية ثرية، ومشدداً على الدور المواطني للتونسيين من خلال المحافظة على نظافة البيئة والمحيط.
شهدت تونس على مر تاريخها المعاصر عدة فيضانات، خلفت أعداداً متفاوتة من الضحايا، ومن أبرزها فيضانات سبتمبر (أيلول) 1969 التي ذهب ضحيتها أكثر من 540 شخصاً وتضرر 300 ألف منزل، وفيضانات سنة 1973 التي أودت بحياة 100 تونسي، علاوة على خسائر مادية فادحة، كما شهدت مناطق الوسط في سنة 1990 فيضانات عارمة أدت إلى وفاة 60 شخصاً وتضرر 60 في المئة من المساحات الزراعية و14 ألف منزل.