ملخص
نفوذ توني بلير تمدد بعد مغادرته الحكم عبر "معهد التغيير العالمي" وشبكة استشارات جعلته حاضراً في كواليس القرار البريطاني والدولي، حتى بات رؤساء حكومات يتعاقبون على طلب لقائه. يقدم وثائقي جديد صورة شخصية كاشفة بلا تشذيب في مواجهة أسئلة العراق والمال والعلاقات المريبة، وضغوط الحياة العائلية، مع إصرار لا يلين على مواصلة التأثير.
في وقتٍ تُثار تساؤلات حول سلامة الحكم السياسي للسير كير ستارمر، يرى بعضهم أن العقد الذي قضاه توني بلير في السلطة كان عصراً ذهبياً من الاستقرار والازدهار وحسن الإدارة السياسية. فقد عيّن بيتر ماندلسون، لكنه عاد فأقاله مرتين.
لم يكن بلير الزعيم العمالي الأكثر نجاحاً انتخابياً في تاريخ الحزب فحسب - بثلاثة انتصارات متتالية في الانتخابات العامة، من بينها فوزه بعد عامين فقط من غزو العراق، الذي يعده كثيرون أفدح أخطائه - بل أسس لنفسه أيضاً، بعد دخول "داونينغ ستريت" في أوائل الأربعينيات من عمره، مسيرة مهنية ثانية لافتة. فـ "معهد توني بلير للتغيير العالمي" يوظف نحو ألف شخص في قرابة خمسين دولة. وبعد أن أقنعته بالمشاركة في السلسلة الوثائقية الثلاثية على "القناة الرابعة" بعنوان "قصة توني بلير"، سألته عمّا إذا كان يتمتع اليوم بالقدر نفسه من السلطة التي كان يمتلكها في رئاسة الحكومة. فأجاب: "ليس بالقوة نفسها التي كانت لدي عندما كنت رئيساً للوزراء، لكن من حيث النفوذ - نعم، إلى حد ما".
فكيف يمارس هذا النفوذ؟ فحال الوزراء السابقين، ناهيك برؤساء الحكومات السابقين، يتراوح بين من انتهت مسيرتهم بعدما تولّوا مناصب أكبر من كفاءتهم الحقيقية، وبين قادة يتمتعون ببصيرة وخبرة ومهارات سياسية راسخة لا تُقدَّر بثمن.
ينشر معهد بلير كمّاً كبيراً من الأبحاث حول قضايا تكافح الحكومات الحالية للتعامل معها، كما يقدّم بلير بنفسه المشورة لقادة في مختلف أنحاء العالم. وخلال جائحة كورونا، على سبيل المثال، أعاد المعهد توجيه كامل جهوده لمساعدة الحكومات على مواجهة هذا التحدي غير المسبوق الذي أصاب الخدمات العامة. وكما قال لي توم ماكتاغ، رئيس تحرير مجلة "نيو ستيتسمان": "كان معهد توني بلير هو الجهة التي بدت متقدمة على الحكومة. فجأة بدأت ترى رؤساء الحكومات يذهبون لمقابلته أو يدعونه إلى "داونينغ ستريت". قابلته ليز تراس، وقابله بوريس جونسون، وبالتأكيد قابله كير ستارمر قبل أن يصبح رئيساً للوزراء. هذا هو نوع النفوذ الذي نجح في بنائه لنفسه".
وأياً يكن الرأي في توني بلير، فهو بلا شك شخصية محورية في تاريخ بريطانيا. غير أن العالم الذي كان يؤمن به تَصدّع في بعض جوانبه؛ فقد كانت أولوياته تتمثل في تعزيز مشاركة بريطانيا في أوروبا، وتشجيع عولمة تُدار بالقواعد لا بالفوضى، وتبني سياسة التدخل، واتباع نهج وسطي يواجه اليسار واليمين معاً. وبعد ما يقرب من عشرين عاماً على مغادرته المنصب، لا يزال يقاتل دفاعاً عن تلك الأفكار. لكنه قال لي: "لو قلتَ لي إن نايجل فاراج سيغدو لاعباً رئيساً في السياسة البريطانية، وإن جيريمي كوربين سيقود حزب العمال، لقلت إن ذلك لن يحدث أبداً - لكنني كنت مخطئاً. فقد حدث الأمران".
وأضاف: "لقد ابتعد الناس في السنوات الأخيرة عن بعض القيم التي كنت أدافع عنها… لكنني ما زلت متمسكاً بها… فالتاريخ ليس ثابتاً، بل يتغيّر، وأعتقد أن الناس سيدركون مع الوقت أن في موقفي وجه من الصواب".
وكما يعبّر توم ماكتاغ عن ذلك بطريقة لافتة: "ثمة إحساس بأنه شخصية تراجيدية، لكن بالمعنى الإغريقي الأصلي للتراجيديا: شخصٌ يصارع قدراً مفروضاً عليه، ويحاول أن يعيد تشكيل العالم وفق رؤيته، نحو نظام عالمي ليبرالي، دولي، ديمقراطي. هذا ما كانت تمثله "بريطانيا في عهد بلير". كان من المفترض أن تكون بريطانيا منارةً لهذا العالم، لكنها انهارت لتتحول إلى شيء مختلف تماماً عما كان يتخيله، ومع ذلك لا يزال متمسكاً بفكرة أنه قادر على استشراف المستقبل".
وبراغماتيته المعهودة لا تمنعه اليوم من الانحناء لضرورات الواقع، ومنها العمل مع الرئيس الأميركي الحالي. وقناعته بأنه لا يزال يملك ما يقدّمه ليست متحفظة؛ إذ إن قبوله عضوية المجلس التنفيذي لـ"مجلس السلام" التابع لترمب خطوةٌ تنطوي على مخاطرة بسمعته.
إنه شخصية مثيرة الجدل - يتعرض لقدر من الكراهية الشديدة التي قلما يواجهها زعماء آخرون - إلى درجة أنني كنتُ مفتوناً برؤية كيف يضبط انفعالاته حين يُواجَه بهذا القدر من الاحتقار. فالصمود، بلا شك، سمة يحتاجها كل قائد، وكذلك إلى قدر من القسوة. وقد أردتُ أن أنفذ إلى ما تحت السطح لفهم ما الذي قاده إلى نجاحه الاستثنائي في الماضي - وإصراره اليوم على مواصلة ممارسة النفوذ.
واجهته بملف العراق، وبالشخصيات المريبة التي تعامل معها بعد مغادرته رئاسة الحكومة، وبرغبته في جني المال، وغيرها. وفي بعض اللحظات بدا منزعجاً بحدة من إلحاح الأسئلة وتكرارها، ومع أنه لم يفقد رباطة جأشه تماماً، فإنه انفتح على نحو غير متوقع، عاطفياً ونفسياً. وتحدث بصدقٍ مؤثر عن أحداث عائلية صادمة في مطلع شبابه؛ وبدا على وشك البكاء وهو يستعيد ليلة الانتخابات في مايو (أيار) 1997، حين حقق حلم والده بأن يصبح رئيساً للوزراء، لكنه كان يفتقد والدته الراحلة. وبعد أشهر من المحاولات، استطعنا أيضاً من إجراء مقابلة مع زوجته شيري، التي جاءت صريحة على نحو لافت، ثم أخيراً مع أبنائه. إنها صورة حميمة، بصدق ومن دون تلميع.
لا بد وأن طبيعة الحياة الأسرية داخل ما وصفته شيري بـ "حوض السمك" في "10 داونينغ ستريت" كانت غريبةً بطبيعتها، بما تحمله من هواجسها الخاصة وشعور دائم بانعدام الأمان. سألتُ عن الأجواء التي سادت وقت تصويت البرلمان على غزو العراق، فقالت: "كان يدرك تماماً أن ذلك قد يعني أنه لن يبقى رئيساً للوزراء، وأنه سيعني… اضطراباً هائلاً لعائلتنا. لذلك جلس مع أبنائنا الثلاثة الأكبر سناً… وقال إننا قد نضطر جميعاً إلى مغادرة المنزل بحلول نهاية الأسبوع إذا خسر التصويت".
أبناؤه الثلاثة الذين التقيتهم في مقابلات - إيوان وكاثرين وليو - لم يتحدثوا من قبل علناً عن والدهم، وقد بدوا على سجيتهم، خفيفي الظل، ومستغربين قليلاً. وعن أثر ثقل مسؤولياته، قال إيوان: "كنت ترى لحظات ضغطٍ بالغ، خصوصاً حين كان يتخذ قرارات مصيرية، لا سيما تلك التي تمس أرواح البشر. وكان لأبي دائماً هذه العادة… قد تتحدث إليه… ثم تراه ينسحب بذهنه فجأة ويفكر في شيء مختلف تماماً، وكنت تلاحظ أن لحظات الشرود هذه تزداد كلما ازدادت الأعباء على كاهله". أما كاثرين، فعلّقت على أنه ليس من النوع الذي يكتفي بالجلوس على مقعدٍ وثير مع كتاب جيد، قائلة: "هو لا يتوقف. أعتقد أنه اليوم أكثر انشغالاً مما كان عليه آنذاك". ولماذا؟ "لأنه لم يفرغ بعد. يريد أن يُنجز العمل الذي قرر أن ينجزه، ولذلك لن يتوقف".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
كذلك تحدثنا إلى منتقدين وإلى زملاء، وكان بعضهم صارماً على نحو لافت. أما بيتر ماندلسون، الذي تمكنتُ من إجراء مقابلة معه في اليوم السابق لسفره إلى واشنطن لتسلم منصبه آنذاك سفيراً لبريطانيا لدى الولايات المتحدة، فقد حضر وهو شارد الذهن بسبب كثرة المهام التي كان لا يزال عليه إنجازها قبل نهاية اليوم. ومع ذلك، وخلال الدقائق الخمس والخمسين التي أمضيناها معه، جمع بين الثناء على رئيسه السابق وانتقاده في آن. وقد جرت تلك المقابلة قبل عام من الآن، قبل أن يتضح مدى علاقته بجيفري إبستين.
كانت تجربة العيش لعدة أشهر في "عالم بلير" تجربةً آسرة؛ حتى بعض أشد خصومه لم يستطيعوا إلا الإعجاب بمهاراته الاستثنائية. وخلال مقابلته مطولاً، رأيت بنفسي قدرته المذهلة على الإقناع والسحر، فضلاً عن ذهنه الذي لا يزال حاداً كالسكين. فهو لا يحتاج إلى مستشار إعلامي أو مسؤول علاقات عامة ليُملي عليه كيف يواجه الأسئلة الصعبة، ويبدو مرتاحاً مع ذاته.
كذلك قال لي الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون، وهو يصف خلافاً دار بينهما: "كما يقول المثل عندنا، يستطيع أن يُنزل بومةً من على الشجرة بالكلام".
تُعرض سلسلة "قصة توني بلير" على "القناة الرابعة" في الساعة التاسعة مساءً أيام 17 و18 و19 فبراير (شباط)، وهي متاحة أيضاً عبر البث الرقمي.
© The Independent