ملخص
عندما أرادت الروائية الفرنسية مارغريت يورسنار، كتابة السيرة الذاتية للإمبراطور الروماني هادريان، اختارت أن تكتبها على شكل نص يكتبه هادريان ويوجهه إلى ذاك الذي سيصبح ذات يوم، بدوره، إمبراطوراً ومفكراً: ماركوس أوريليوس
لدينا في التاريخ الروماني كما نعرف حقاً حاكم استثنائي يعرف بالإمبراطور هادريان (76–138م)، وهو يعتبر واحداً من أبرز حكام الإمبراطورية الرومانية، إذ تميز عهده بطابع مختلف عن أسلافه الفاتحين.
تولى الحكم عام 117 خلفاً لتراجان، لكنه سرعان ما تخلى عن سياسة التوسع العسكري، مفضلاً تثبيت الحدود وتعزيز الاستقرار الداخلي. كان يرى أن قوة روما لا تكمن في اتساع رقعتها فحسب، بل في حسن إدارتها وتماسك شعوبها، ولقد اشتهر هادريان برحلاته الواسعة عبر أقاليم الإمبراطورية، من بريطانيا إلى مصر، وكان أول إمبراطور روماني يقضي معظم سنوات حكمه متنقلاً بين الولايات.
ومن أشهر إنجازاته المعمارية "سور هادريان" في شمال بريطانيا، الذي بني لحماية الحدود من القبائل الشمالية، إضافة إلى إعادة بناء البانثيون في روما، الذي لا يزال شاهداً على عبقريته الهندسية.
ثقافياً، كان هادريان مولعاً بالحضارة اليونانية، حتى لقب بـ"محب الإغريق"، وسعى إلى إحياء الفنون والفلسفة الهيلينية داخل العالم الروماني، كما أسس مدناً جديدة ودعم التعليم والآداب. غير أن عهده لم يخل من التوترات، وأبرزها قمعه لثورة بار كوخبا اليهودية، التي تركت آثاراً عميقة في تاريخ المنطقة.
يمثل هادريان نموذج "الإمبراطور المثقف"، الذي جمع بين الحزم السياسي والاهتمام بالفكر والفن. وقد ترك إرثاً معقداً: حاكماً واقعياً أدرك حدود القوة العسكرية، وسعى إلى بناء إمبراطورية تقوم على التنظيم والثقافة بقدر ما تقوم على السلاح، وبالتالي ما كان في مقدور المبدعين، ولا سيما الروائيين منهم، أن يمروا على سيرته مرور الكرام، ولكن كان من حظه أن لفت نظر كاتبة اهتمت به اهتماماً استثنائياً فبنت له صرحاً روائياً، بعد أزيد من ألفيتين مرتا على رحيله، فكافأها هو بافتتاح مسارها الأدبي الكبير بعمل خالد كخلوده.
صورة حاكم غريب
وفي هذا الإطار يمكن دائماً التوقف عند الكاتبة الفرنسية مارغريت يورسنار، التي دنت من الموضوع بقوة في واحد من أقوى كتبها، "مذكرات هادريان" الذي جعلته محورها، إنما بعدما أعادت تشكيله جاعلة له حياة قد لا تشبه حياته الحقيقية التاريخية، ومذكرات عابقة بالدلالات، فكيف اشتغلت يورسنار عليه؟
منذ "اكتشفته بدا بالنسبة إليها، في شكل أو في آخر، الحاكم المثالي. لقد لفت الكاتبة، خصوصاً أن الإمبراطور يعتبر من أكثر حكام زمنه اهتماماً بالبنيان والإدارة وحسن سير أمور الناس. ولا يفوت كاتبي سيرته أن يؤكدوا دائماً أنه، خلال جولاته الكثيرة التي قام بها في أرجاء الإمبراطورية، عرف دائماً كيف يتخذ من الإجراءات والقرارات، مما اتسم دائماً بطابع إنساني لا ينضب. وهذا، بالتأكيد، ما أسبغ عليه تلك الشعبية الكبيرة، هو الذي قيل إنه كان لا يكف عن إصدار أوامره بإعانة الأطفال البائسين، وتشجيع الزراعات في أفريقيا، وتوسيع حقوق المواطنة لتشمل الأرياف بعدما كانت مقتصرة على المدن، إضافة إلى تأسيسه ممالك مستقلة في أشوريا وأرمينيا، وتأسيسه شتى أنواع البريد والمواصلات، وإلغائه كثيراً من الضرائب والمكوس الظالمة التي كانت تلقي بثقلها على بسطاء الناس، الذين همهم أيضاً كونه ألغى أنواعاً من الأضاحي البشرية كانت رائجة في زمنه.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
كل هذا بدا إذاً مغرياً للكاتبة منذ البداية، تماماً كما لفتها كون الرجل الذي صار إمبراطوراً للرومان في عام 117 في وقت كان قرن ونصف قرن قد مرا والإمبراطورية تصرخ تحت ضربات الجنرالات الطموحين، الذين كانوا يستأثرون بالسلطة الواحد بعد الآخر. وأن هادريان لم يرث الملك عن أبيه، بل عن عمه بالنسب الإمبراطور تراجان، الذي مات من دون أن يخلف ولداً، فزعمت الإمبراطورة بلوتين أنه كان أوصى بأن يؤول الحكم إلى هادريان.
صحيح أن اضطرابات ثارت على الفور في وجه تسلمه الحكم، لكن حكمته وقوة إرادته سرعان ما سوتا الأمور. أما إنجازات هادريان السريعة فإنها لعبت الدور الباقي، مما جعل فترة حكمه أحد أزهى العصور الرومانية.
المذكرات الضائعة
لكن هذا وكما تبين ليورسنار، لم يكن مصادفة. ذلك أن هادريان كان من أتباع ذلك الفكر الرواقي الهادئ والبناء الذي ساد خلال مرحلة من الزمن. أو هذا، في الأقل، ما تقترحه علينا، في روايتها الكبيرة التي نتناولها هنا التي صدرت طبعتها الأولى في عام 1951.
وحكاية هذه الرواية بسيطة، إذ من المعروف تاريخياً أن الإمبراطور هادريان وضع، في زمن متقدم من حياته كتاب مذكرات، جرى الحديث عنها كثيراً، لكن أحداً لم يعثر لها على أثر. وانطلاقاً من هذه الواقعة تصورت مارغريت يورسنار أن في إمكانها أن تكتب مذكرات الإمبراطور، لا لتحيي ذكراه وتمتدح أعماله فقط، ولكن أيضاً لتقدمه أمثولة في حكم الشعوب، ولتقول، انطلاقاً من فكرة أفلاطون حول الملك / الفيلسوف، إن ما جعل هادريان مختلفاً إنما هو شغفه بالعلم والفكر والفنون، وإعجابه خصوصاً بالثقافة الإغريقية وبالموسيقى والرياضيات والنحت والرسم. وهذا الشغف لم يبق لديه، طبعاً، عند حدود الإعجاب النظري، بل تحول إلى ممارسة، إذ يخبرنا هادريان في رواية يورسنار، كيف بنى المعابد وشجع على نحت التماثيل وأقام المكتبات. كما يخبرنا كيف أنه جعل السلطة الأساس في يد جهاز للحكم هو عبارة عن مجلس استشاري يعين الحاكم، ويتألف من رجال حقوق ومفكرين ضليعين في السياسة.
هذا كله تخيلته يورسنار، إذاً، على شكل نص يكتبه هادريان ويوجهه إلى ذاك الذي سيصبح ذات يوم، بدوره، إمبراطوراً ومفكراً: ماركوس أوريليوس. ولئن كان هادريان رغب أول الأمر في أن يخبر أوريليوس بتطورات مرض أصابه وكاد يقضي عليه، سرعان ما تصبح الرسالة / الرواية بحثاً في الأخلاق والفن ودرساً في السياسة والإنسانية، وقد قالت مارغريت يورسنار دائماً إن ما أرادت إظهاره في هذه الرواية إنما هو "هادريان الأديب والمتعلم والرحالة والشاعر والعاشق أيضاً".
هكذا دون سيرته
في الرواية، يخبرنا هادريان تفاصيل كثيرة عن حياته التي بدأت حين ولد في إسبانيا، ثم شب هناك حتى صار فتياً مولعاً بالعلم فضولياً. وذات يوم قيض له أن يلتقي شاباً إغريقياً يدعى أنطينويس، هو الذي سيصبح رفيقه الدائم وحبه الكبير.
وبعد أن ينخرط هادريان في الجندية يكتشف الإمبراطور تراجان كفايته فيبدأ الاهتمام به، ويتبناه تقريباً، حتى يصل الشاب المقدام إلى رتب عالية، في الوقت نفسه الذي لا يهجر الثقافة والعلم لحظة واحدة. وهنا تؤكد يورسنار في الرواية - ما اعتبر تاريخاً فرضية - أن تراجان هو الذي عين هادريان حقاً خليفة له، إذ بعد كل شيء علينا ألا ننسى أن هادريان هو الذي يروي لنا الأحداث.
المهم أن هادريان يصبح إمبراطوراً، لتصبح ولايته إحدى أكثر الحقب ازدهاراً في التاريخ الروماني، ولأن هادريان كان أيضاً رحالة كبيراً، فإنه يصف لنا رحلاته، ولا سيما رحلته إلى مصر، حيث اكتشف كنوز معرفة جديدة، ثم إلى "أورشليم" حيث قاتل غلاة اليهود الذين لم يرتاحوا إليه بسبب تقدمية أفكاره، وهم الذين لاحظ شدة تعصبهم. وبعد ذلك نراه في فارس يفاوض أهلها، ولئن كان معظم ما في الرواية حقيقياً، فإن يورسنار اضطرت، كما ستقول دائماً، إلى ابتكار أحداث ومواقف كثيرة.
أول سيدات مجمع الخالدين
وكانت مارغريت يورسنار (1903 - 1987) المولودة في بروكسل، التي ستصبح قبل موتها بقليل أول امرأة أديبة تدخل الأكاديمية الفرنسية، أضافت من ناحية أخرى أن فكرة كتابة عمل عن هادريان راودتها منذ كانت في سن الصبا ودخلت المتحف البريطاني، إذ لفتها تمثال نصفي لهادريان. وبعد ذلك خلال زيارتها قصر هادريان في روما في عام 1924، قررت أن تبدأ الكتابة التي استغرقتها نحو ربع قرن لتخلص منها بأن هادريان هذا إنما كان رجل نهضة حقيقياً، "بل هو في أساس النهضة التي ستعرفها البشرية بعده بأكثر من ألف عام".
أما يورسنار نفسها، فإنها عاشت معظم السنوات الأخيرة من حياتها في جزيرة معزولة عند الساحل الشرقي للولايات المتحدة الأميركية. وهي عرفت بنزعتها الكلاسيكية الإنسانية، التي جعلت من رواياتها أقرب إلى أن تكون نصوصاً فلسفية وفكرية رؤيوية همها الإنسان وعلاقته بالعلم والفن وكيفية قبوله الآخر. ومن أبرز أعمالها إلى "مذكرات هادريان" و"العمل باللون الأسود" و"الضربة القاضية"، كما أنها كتبت سيرة حياتها في مجلدات عدة صدرت خلال المرحلة الأخيرة من حياتها، وأهمها: "ذكريات ورعة" و"محفوظات الشمال".