ملخص
تحافظ خريطة كوشنر لغزة الجديدة على الشكل الهندسي للقطاع، وعلى نفس المساحة الجغرافية من دون تقليص لمصلحة إسرائيل أو زيادة لمصلحة الغزيين، ولا مناطق عازلة في تخطيطه ولا ردم ملوث في البحر، وإنما إعادة بناء كامل الجغرافيا الغزية بطريقة التكنولوجيا فائقة الحداثة.
بعد تشكيل مجلس السلام لغزة وتوقيع ميثاقه افتتح صهر الرئيس الأميركي والمطور العقاري جاريد كوشنر مرحلة ما بعد الحرب في القطاع بتقديم خريطة جديدة للمدينة المدمرة، وأحضر صورة جديدة لا تشبه المنطقة قبل اندلاع شرارة القتال وتختلف حتى عن شكلها عندما هدأت المدافع.
صنع كوشنر المولع بالذكاء الاصطناعي خريطة مثيرة للإعجاب والاستغراب للقطاع، وأطلق عليها "غزة الجديدة"، بعدما حول خراب الحرب إلى مدينة ذكية بواجهة سياحية لا مثيل لها في الشرق الأوسط، وقال "هكذا ينبغي أن يكون القطاع، هذه الخطة المستقبلية لإعادة بناء غزة".
الشكل ذاته ولكن بتخطيط جديد
تحافظ خريطة كوشنر لغزة الجديدة على الشكل الهندسي للقطاع، وعلى المساحة الجغرافية ذاتها من دون تقليص لمصلحة إسرائيل أو زيادة لمصلحة الغزيين، ولا مناطق عازلة في تخطيطه ولا ردم ملوثاً في البحر، وإنما إعادة بناء كامل الجغرافيا الغزية بطريقة التكنولوجيا فائقة الحداثة.
قبل الحرب كان قطاع غزة ينقسم إلى خمس مدن (محافظة بيت حانون شمالاً، ومدينة غزة المركزية، ومحافظة دير البلح في الوسط، ومدينة خان يونس جنوباً، ورفح أقصى الجنوب)، وكانت المنطقة مكتظة بالمباني العمرانية بسبب الكثافة السكانية الضخمة، وبها شريط صغير للزراعة ومناطق متفرقة متناهية الصغر للصناعات المحدودة.
أما في خريطة كوشنر، فإنه أعاد تقسيم غزة سبع مناطق سكنية من أبراج شاهقة، وخمس مناطق خضراء تضم حدائق عامة ومتنزهات وأحزمة بيئية داخل المدن، وستة مجمعات صناعية ومناطق إنتاج وتشغيل، وأيضاً ثلاث مناطق لوجيستية للخدمات المساندة وسلاسل الإمداد، وشريط ساحلي للسياحة الساحلية، وشبكة وبنية تحتية للنقل.
فائقة التكنولوجيا
في خريطة "New Gaza" هناك ميناء ومطار ومعبر ثلاثي الأطراف وخط سكك حديدية وشبكة طرق دائرية وناطحات سحاب ومتنزهات ومراكز بيانات وصناعات متقدمة، إضافة إلى 180 برجاً مخصصاً للاستخدام السكني والتجاري ومنتجعات سياحية لا مثيل لها، باختصار هي تحويل القطاع المدمر إلى منتجع فاخر وكل ذلك في غضون ثلاثة أعوام فقط.
تعهد كوشنر مدينة فاضلة على البحر المتوسط تحل مكان قطاع غزة، ومن بوابة الاقتصاد أفصح أن الناتج المحلي لهذه المدينة الجديدة سيبلغ 10 مليارات دولار، أما دخل الفرد 13 ألف دولار، وصفر بطالة، إذ هناك 500 ألف وظيفة في مجالات البناء والزراعة والتصنيع والخدمات والاقتصاد الرقمي، وكأنه يتحدث عن انقلاب هائل يحول فقراء غزة إلى أغنياء بفضل مخططه.
في الواقع، لم يقدم عضو مجلس السلام أي جديد لغزة، فكل ما تحدث به وعرضه على الدول الأعضاء، كان نسخة مكررة طبق الأصل من خطة "شروق الشمس" الذي تضمن تحويل غزة إلى حقل استثمار ومدينة تكنولوجيا فائقة الحداثة.
تشبه "شروق الشمس"
تتشابه خطة "غزة الجديدة" مع خطة "شروق الشمس" في خريطة مدينة الحرب المدمرة، وأفكار التطوير وآليات البناء والعمل، وحتى في شروط البدء في الإعمار، ويبدو أن الفرق بين الفكرتين المسمى فحسب، وتختلف تماماً وجذرياً مع خريطة غزة التي وردت في الخطة العربية لإعادة بناء القطاع.
في "غزة الجديدة" يبدأ الإعمار من رفح ثم خان يونس وبعد ذلك مخيمات الوسط وأخيراً غزة، وهذا النهج ذاته في شروق الشمس، إضافة إلى أن الخط الساحلي في المقترحين مخصص للسياحة، ويؤكد كوشنر أن البيت الأبيض يسعى إلى تطبيق مبادئ اقتصاد السوق الحرة في غزة، كما فعل الرئيس الأميركي دونالد ترمب في الولايات المتحدة.
في "شروق الشمس" أيضاً فإن "غزة الجديدة" تحول مركز القطاع إلى رفح لجعلها مقر الحوكمة وموطناً لأكثر من 500 ألف نسمة يعيشون في 100 ألف وحدة سكنية، وذلك يحقق رغبة إسرائيل في تفريغ مدينة غزة التي كانت مركز المدينة.
سيهدم كوشنر غزة بواسطة الجيش الإسرائيلي، وكل منطقة يجري تطهيرها يتبعها إنشاء غزة جديدة يمكن أن تكون مصدر أمل ووجهة بحد ذاتها، ولكن ذلك تحت رقابة أمنية مشددة وآليات تفتيش دولية لضمان تدفق استثمارات أجنبية على نطاق غير مسبوق.
آراء مختلفة
عندما رأى سكان غزة خريطة مدينتهم حسب رؤية كوشنر، انقسموا إلى مؤيد ومعارض، الطرف الذي يرى خيراً فيها يعتقد أنها نقلة نوعية لعالم لا يعرفه أبناء القطاع ويجهلون طبيعته، يقول منتصر "إنها رؤية اقتصادية وتنموية قد تسهم في إخراج غزة من أزمتها الممتدة وفيها وتوفير فرص عمل وتحسين البنية التحتية المدمرة".
يقول هاشم "صفر بطالة والجميع يعمل ودخل سنوي جيد، وتطوير استثماري وعقاري رائع، كل ذلك لم نكن نحلم به، صحيح أن لهذه الخطة أبعاد سياسية، لكنها في المحصلة تفيد الغزيين، دعونا نجرب طريقاً آخر لعل ذلك يسهم في تحقيق استقرار اقتصادي".
أما المعارضون فإنهم يعتقدون الولايات المتحدة تستولي على أرضهم، يقول عمار "تستبعد عودة سكان رفح، حيث تظهر مناطق عازلة بمحاذاة محور فيلادلفي، إضافة إلى مخططات لبناء مدن جديدة الخريطة تعكس مخططاً يهدد الوجود الفلسطيني في القطاع عبر ميناء معزول في أقصى الجنوب، ومناطق مقطعة داخلياً من شأنها تفكيك النسيج الاجتماعي، وابتلاع مساحات مع إبقاء المعابر تحت سيطرة أمنية إسرائيلية".
ومحمود يؤكد أنه لا قضية فلسطينية في خريطة كوشنر، إذ ربط الإعمار بشروط أمنية وسياسية، ولا تتضمن الهندسة العربية التي تعرفها المنطقة ولا شيء يذكرنا بواقع حياتنا قبل الحرب، المدن التاريخية والمواقع الأثرية كلها تحولت إلى ركام وتبدل إلى اقتصاد يخدم الولايات المتحدة وإسرائيل، لذلك لا أرى فيها حلاً يخدم مصالحنا والحل يكمن في تطبيق الخطة العربية لإعادة بناء غزة.
لا خطة عربية في غزة
يرد كوشنر على تلك الأسئلة قائلاً "لا توجد خطة بديلة لدينا خطة واحدة، هذا هو السلام الذي يختلف عن أي صفقة تجارية، خطة لإعادة إعمار غزة تقوم على الاستثمار ونزع السلاح، إعادة البناء لن تبدأ إلا في المناطق التي يجري فيها نزع السلاح فعلياً، وأن آلية التنفيذ ستقوم على مبدأ الأمن أولاً قبل الأسمنت والرافعات، الوقت قد حان للانتقال من إدارة الدمار إلى هندسة مستقبل جديد يعد بالسلام والازدهار".
بدا كوشنر وكأنه يرفض الخطة العربية لإعادة بناء غزة بصورة صريحة وواضحة، وهذا يعني أنه غيب الهوية والقضية الفلسطينية وربط الإعمار بشروط أمنية وسياسية، بهدف خلق استقرار اقتصادي في شأنه أن يكسر حلقة العنف.
الاقتصاد على حساب السياسة
يقول المتخصص في الشأن الاقتصادي أيمن عابد "خريطة غزة الجديدة تخرج القطاع من أبعاده السياسية، وتعمل على إنهاء الصراع من بوابة الاقتصاد والاستثمار وتتضمن رؤية متعددة المراحل لإعادة تشكيل غزة، ما يطرحه كوشنر ليس إعادة بناء بالمعنى التقليدي، بل محاولة لإعادة تعريف غزة سياسياً وأمنياً واقتصادياً في الوقت ذاته".
ويضيف عابد "إعادة الحياة في غزة تصبح مكافأة مرتبطة بتغيير بنية القوة داخل القطاع، لكن ذلك يخلق مشكلة في إذا يمكن بناء استقرار دائم من دون تسوية سياسية شاملة، لكن الولايات المتحدة لا ترى ذلك وتفكر فقط أن البناء ربما يصبح أداة سياسية لتثبيت الهدوء، وتتجاهل أن ذلك يخلق فجوة بين الطموح الاقتصادي والواقع السياسي والأمني على الأرض".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويوضح أن الأبراج السكنية ومراكز البيانات والمنتجعات الساحلية تتجاهل حقوق الملكية والتعويضات ومصير النازحين وهذه أسئلة بلا إجابات، وكل ذلك يعزز المخاوف الفلسطينية من أن تتحول غزة الجديدة إلى مشروع يعاد رسمه فوق أنقاض مجتمع لم يشارك في تفاصيله.
يؤكد عابد أن كوشنر ينعى الصراع من بوابة الاقتصاد والاستثمار، وذلك عبر نزع المدينة من دورها السياسي والتاريخي، ومن ارتباطها بالوطن الأم وقضاياه، ويتحول السكان إلى شعب بلا هوية ولا تاريخ.
سيطرة وهيمنة ناعمة
أما الباحثة السياسية سوسن شابط فتقول إن "تحويل غزة إلى مدينة ذكية فائقة الرفاه، في ظل العجز عن إدخال منازل متنقلة ومياه نظيفة وأدوية، يكشف عن الفجوة الهائلة بين الخيال السياسي والواقع على الأرض. إن الخطر لا يكمن فقط في عدم واقعيته، بل في المسكوت عنه داخل الخريطة والمتعلق بمصير الغزيين والسيادة".
وتضيف "تجاهل كوشنر الواقع الديموغرافي والسياسي في غزة، وخريطته تتعامل مع القطاع كما لو كان أرضاً بلا شعب، وفي تلك الأفكار لا يوجد حل للقضية الفلسطينية، بل يعمل على تذويبها في مشاريع اقتصادية، والخريطة الرائعة هي نمط جديد من الاستعمار والهيمنة، يعتمد على إغراق الرأي العام في خيالات براقة".
وتوضح شابط أن مشروع كوشنر يسوق قضية غزة بلغة الاقتصاد والرقمنة والاستثمار ويفتح الباب أمام شكل جديد من السيطرة والهيمنة على القطاع عبر أدوات اقتصادية ناعمة بدل القوة العسكرية، ويتجاهل عمداً الواقع الإنساني الكارثي في القطاع، ويخلق إعمار بلا سيادة واقتصاد بلا قرار سياسي وإدارة مدنية بلا تمثيل وطني جامع وتهدئة طويلة بلا أفق تحرري واضح.