ملخص
تباين الأجندات أخيراً، ومعارضة الإمارات لوحدة اليمن، في مقابل دعم السعودية ليمن موحد ومستقر على حدودها، أسهما في تعثر الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب الأهلية.
ما حدث بين السعودية والإمارات يفتح باب التساؤل: هل هو نتاج منعطفات سياسية جرى إهمالها عبر عقود تاريخية، أم من إفرازات اتفاقات إبراهم" بين الإمارات وإسرائيل، أم إنه من سنن السياسة ودورتها المعتادة، حيث يتحول صديق الأمس إلى عدو اليوم، أم إن الأمر يعكس خللاً في هيكلة السياسات وتوافقها بين دولة كبرى كالسعودية ودول أصغر حجماً، ترى في التمرد ضرورة ملحّة لتحقيق مصالح مبطنة على حساب أمن الخليج ككل؟ إذ باتت هذه الظاهرة تتكرر داخل دول مجلس التعاون الخليجي.
على أي حال، شهدت منطقة الخليج تغيرات مهمة منذ عام 1971، مع استقلال عدد من دول الخليج العربية التي مرت بتحولات سريعة رسخت وجودها في الشرق الأوسط. ومنذ ذلك الحين، تطلعت هذه الدول إلى أداء دور سياسي فاعل يتناسب مع ما تملكه من ثروة نفطية متنوعة. وجاء تأسيس مجلس التعاون الخليجي عام 1981 ليعزز هذا الدور من خلال التنسيق والترابط بين الدول الأعضاء في مختلف الميادين، وصولاً إلى تحقيق وحدتها وأمنها. إلا أن ما يحدث اليوم يثير كثيراً من سوء الظن، وربما كان في محله، استناداً إلى المعطيات الأخيرة في الساحة الخليجية.
فقد شهدنا في الأسابيع الماضية تناقضاً واضحاً وتغيراً في الموقف الإماراتي العلني تجاه الملف اليمني، على رغم من تحالفها مع السعودية في مارس (آذار) 2015 ضمن التحالف العربي لدعم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، انطلاقاً من وحدة المصالح ووحدة الأمن الخليجي. وكان هذا التحالف محط آمال كبيرة في دعم الشرعية اليمنية ومواجهة الحركة الحوثية وتداعياتها الخطرة على المنطقة. غير أن الأسلوب الإماراتي جاء مستفزاً، ودفع الجانب السعودي إلى رد بتصعيد عسكري غير مسبوق، بعد انكشاف أجندات إماراتية أحدثت صدعاً بين الحليفين، الرياض وأبوظبي، وانتهى الأمر بانسحاب الإمارات من التحالف، عقب غارات جوية سعودية استهدفت شحنة مركبات إماراتية في ميناء المكلا جنوبي اليمن، متهمةً أبوظبي بتعريض الأمن القومي السعودي للخطر، رداً على هجوم إماراتي سريع في أوائل ديسمبر (كانون الأول) الماضي، سيطرت خلاله على محافظات غنية بالنفط.
مكونات اليمن لا مساومة عليها
تمثل حضرموت وشبوة حقول الجنوب اليمني الغنية بالنفط والمعادن، وتتميزان بأغلبية سنية، مما يجعل استقرارهما هدفاً استراتيجياً للسعودية لأبعاد أمنية وسياسية واقتصادية. إن تفكك هذه المناطق إلى مناطق متناحرة يخلق فراغاً يهدد أمن السعودية واستقرارها، ومن ثم فإن المسألة لا تتعلق باستحواذ اقتصادي، خصوصاً أن السعودية أعلنت مراراً دعمها المادي لليمن. وعليه، فإن مواجهة التهديد الحوثي ومنع التدخلات الخارجية يمثلان ضرورة ملحة تعمل عليها المملكة بحزم ولا مساومة فيها.
خلال الأعوام الماضية، ظهرت خلافات بين الفصائل اليمنية المتناحرة، في ظل الدور الإيراني الذي برع في بث الفوضى داخل الدول العربية ذات السلطات الهشة. وقد ازداد نفوذ طهران على الجناح الجنوبي لشبه الجزيرة العربية من خلال دعم الحوثيين بالسلاح، ليبرزوا كأكثر الميليشيات العسكرية والسياسية تماسكاً في اليمن. وتمكنوا من السيطرة على معظم الحدود الشمالية الغربية للبلاد مع السعودية، إضافة إلى شريط ساحلي حيوي على البحر الأحمر، بما يمنحهم الوصول إلى ممرات ملاحية استراتيجية.
مع مرور الوقت، تحول الحوثيون إلى أحد أبرز وكلاء إيران الإقليميين المزعزعين للاستقرار. وقد واجهت السعودية هذا النفوذ بتحالفها مع الإمارات منذ عام 2015، ونجحت في صد التهديد المتزايد على حدودها الجنوبية، إلى أن تم التوصل إلى هدنة مع الحوثيين عام 2022. وفي العام نفسه، تشكلت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً تحت مظلة مجلس القيادة الرئاسي المدعوم سعودياً، بهدف توحيد الفصائل المناهضة للحوثيين، والمتكونة من بقايا الجيش النظامي، والميليشيات القبلية، والجماعات السنية في وسط وجنوب البلاد، والمتمركزة في مأرب وأجزاء من عدن وتعز. وتمثل هذه المكونات ركيزة أساسية لدولة يمنية تتشارك مع السعودية في العقيدة والحدود والأمن، خصوصاً على البحر الأحمر. غير أن أطرافاً اليوم تروّج لليمنيين أوهام الاستفتاء والعقود الاشتراكية وتقرير المصير في دولة ممزقة.
انعدام منطقية وانكشاف أجندات
إن تباين الأجندات أخيراً، ومعارضة الإمارات لوحدة اليمن، في مقابل دعم السعودية ليمن موحد ومستقر على حدودها، أسهما في تعثر الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب الأهلية. وعلى رغم من مزاعم دعم استقرار اليمن وأمنه، خصوصاً في مواجهة التنظيمات الإرهابية، فإن تحركاتها الأخيرة، وانسحابها، وتصريحات مسؤوليها بدت غير منطقية، خصوصاً تلك التي بثتها قناة "سكاي نيوز عربية"، والتغريدات الصادرة عن جهات رسمية إماراتية على منصة "إكس"، والتي افتقرت إلى المسؤولية السياسية والإعلامية.
وزادت غرابة المشهد مع هروب عيدروس الزبيدي بإشراف ضباط إماراتيين، في دلالة واضحة على افتقاره للقرار السياسي، وتحوله إلى أداة لتنفيذ إملاءات أبوظبي. هذا التخبط الإماراتي يطرح تساؤلاً ملحاً: هل تحولت أبوظبي، بمشاريعها التوسعية الخاسرة في عدة دول عربية، إلى أداة ضمن محور يخدم إيران عبر تعميق الانقسام الأيديولوجي في اليمن، لضمان نفوذ استراتيجي ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، أم إنها باتت اليوم خاضعة لرؤية تل أبيب للمنطقة الخليجية؟
الاستعلاء الإسرائيلي واستغلال الإمارات
ومع استمرار التحريض الإماراتي ضد السعودية، ذكرت قناة "الإخبارية" السعودية أن المملكة لن تتردد في اتخاذ الخطوات والإجراءات اللازمة، وهو ما تردد صداه سريعاً في الإعلام الدولي. ويشير ذلك إلى انكشاف مخطط إسرائيلي يستخدم أبوظبي كواجهة لتسويق مشاريعها في البحر الأحمر، في سياق ما يُعرف بثمار "اتفاقات أبراهام"، التي تسعى الإمارات لفرضها كأمر واقع على المنطقة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وقد كشفت وثيقة مؤرخة في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2024 عن أوامر وتجاوزات إسرائيلية صريحة في ملفات أمنية واستخباراتية وعسكرية، من دون اعتراض سيادي إماراتي فعلي، مما يؤكد أن القرار في أبوظبي تقوده نخبة سياسية ذات أهداف سلطوية ومادية. وفي المقابل، أقر إعلاميون إسرائيليون في جلسة حوار على القناة 12 الإسرائيلية بفشل الرهان على التطبيع مع السعودية، في ظل تحركاتها الأخيرة في اليمن والصومال والسودان، ومواجهتها مع الإمارات، مما دفع تل أبيب للبحث عن شراكات أعمق مع دول أخرى مثل الهند.
السعودية… عملاق يستيقظ
ذكرت صحيفة "Le Monde" الفرنسية أن السعودية "عملاق يستيقظ ببطء ولكن بثبات"، في إشارة إلى استمرارها في تثبيت أمن البحر الأحمر، ومواجهة الدول التي تراهن على زعزعة استقرارها واستقرار الدول الأفريقية. ويعكس ذلك رؤية سعودية واضحة لسياساتها، ليس في الخليج فحسب، بل في الشرق الأوسط بأكمله، وإدراكها لأبعاد الابتعاد عن أي اتفاق مع إسرائيل تحت أي مسمى.
فالقارئ للتاريخ يدرك أن لإسرائيل استراتيجية قديمة في البحر الأحمر، تعود إلى ما قبل 1956، فهي تعده ممراً اقتصادياً وقومياً مستقبلياً. واليوم، يتجلى استغلالها لطموحات إماراتية في نظام فيدرالي سهل الاختراق، ودول هشة داخلياً، لهندسة البحر الأحمر وتفكيك دوله المحيطة. ورغم محاولات التضليل الإعلامي لدور السعودية، فإن الصورة باتت أكثر وضوحاً، لا سيما مع التصريحات اليمنية الأخيرة التي حمّلت الإمارات مسؤولية تقويض السيادة وممارسة انتهاكات واسعة ألحقت الأذى بالمدنيين، في خيبة أمل كبيرة لليمنيين الذين رأوا في الإمارات سنداً، قبل أن تطغى المصالح الخاصة على المصلحة العامة.
واليوم، ومع ما تواجهه إيران داخلياً، يبدو أن إسرائيل مطالبة بالبحث عن مسوّق أذكى لمشاريعها.