ملخص
قد تشكل شركات التكنولوجيا الأميركية العملاقة هدفاً رئيساً لـ"المدفعية" الأوروبية، نظراً إلى أن الولايات المتحدة تحقق فائضاً في قطاع الخدمات في تعاملها التجاري مع الاتحاد الأوروبي. وسبق أن أعدت بروكسل قائمة بخدمات أميركية يمكن استهدافها.
رداً على تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بفرض رسوم جمركية عقابية على ثماني دول أوروبية تعارض طموحاته في شأن الاستيلاء على جزيرة غرينلاند الدنماركية، هدد قادة الاتحاد الأوروبي باستخدام غير مسبوق لأداة "مكافحة الإكراه" أو ما يعرف باسم "المدفعية التجارية أو البازوكا الكبرى"، مما يثير مخاوف من اندلاع حرب تجارية شاملة عبر الأطلسي.
فالسبت الماضي، صدم ترمب الحلفاء الأوروبيين عندما تعهد بفرض رسوم ربما تصل إلى 25 في المئة على دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي هي الدنمارك وفنلندا وفرنسا وألمانيا وهولندا والسويد، إضافة إلى دولتين من خارج الاتحاد الأوروبي هما بريطانيا والنرويج، ما لم يتم التنازل عن الإقليم الدنماركي لمصلحة الولايات المتحدة، مما دفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى طرح احتمال الرد باستخدام السلاح التجاري للاتحاد الأوروبي، وهو أداة أنشئت عام 2023 لكنها لم تفعّل حتى الآن.
المدفعية التجارية "بازوكا"
الأداة التي تحمل اسم سلاح أميركي قاذف للصواريخ يحمله الأفراد كمضاد للدبابات، ويوصف استخدامها باسم "الخيار النووي"، تهدف إلى ردع الإكراه الاقتصادي ضد أي من الدول الأعضاء الـ27 في الاتحاد الأوروبي، ويعرف الاتحاد الأوروبي الإكراه بأنه قيام دولة ثالثة "بتطبيق أو التهديد بتطبيق إجراءات تؤثر في التجارة أو الاستثمار"، بما يؤدي إلى التدخل "في الخيارات السيادية المشروعة" للاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء.
وتتيح الأداة للاتحاد الأوروبي اتخاذ إجراءات متشددة للغاية مثل فرض قيود على الواردات والصادرات من السلع والخدمات داخل سوقه الموحدة التي تضم نحو 450 مليون مستهلك، وتمكنها من استبعاد شركات الدولة المعتدية من السوق الأوروبية الداخلية، أو فرض ضوابط على الصادرات، أو إنهاء حماية حقوق الملكية الفكرية.
كذلك تمنح الأداة بروكسل صلاحية تقييد وصول الشركات الأميركية إلى عقود المشتريات العامة في أوروبا، وقد تشكل شركات التكنولوجيا الأميركية العملاقة هدفاً رئيساً، نظراً إلى أن الولايات المتحدة تحقق فائضاً في قطاع الخدمات في تعاملها التجاري مع الاتحاد الأوروبي.وسبق أن أعدت بروكسل قائمة بخدمات أميركية يمكن استهدافها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ونظرياً، يمكن للاتحاد الأوروبي استهداف كل شيء، من شركات التكنولوجيا والعملات المشفرة الأميركية إلى شركات صناعة الطائرات أو المنتجات الزراعية. ومع ذلك تتوقع صحف بريطانية أن يعترض المستهلكون الأوروبيون على الكلف الإضافية أو القيود المفروضة على شركات أميركية مثل "أبل" أو "نتفليكس".
ودخلت أداة مكافحة الإكراه حيز التنفيذ عام 2023، وكانت مستوحاة في الأصل من تعامل الصين مع ليتوانيا، حيث واجهت شركات ليتوانية سيلاً من الإجراءات المشددة وقيود الاستيراد من بكين بعد أن عمقت فيلنيوس علاقاتها مع تايوان بفتح مكتب تمثيل دبلوماسي لتايبيه على أراضيها عام 2021. وتقول صحيفة "ذا غارديان" البريطانية إن الاتحاد الأوروبي وضع هذه الأداة الرادعة لمواجهة مثل هذه الحالات، من دون أن يتصور أنها قد تستخدم يوماً ضد الولايات المتحدة.
وكان الاتحاد الأوروبي هدد العام الماضي باللجوء إلى هذه الأداة خلال مفاوضات تجارية صعبة مع ترمب لتفادي فرض رسوم مرتفعة، قبل أن يتوصل الطرفان إلى اتفاق.
هل تضغط أوروبا على الزناد؟
يحق لكل من المفوضية الأوروبية والدول الأعضاء طلب تفعيل الأداة، لكن ذلك يتطلب موافقة ما لا يقل عن 55 في المئة من الدول الأعضاء المصوتة لمصلحة القرار، على أن تمثل هذه الدول 65 في المئة من سكان الاتحاد الأوروبي. وحتى في حال قررت بروكسل تفعيل هذه الآلية، فقد يستغرق تنفيذ أية إجراءات فعلية أشهراً عدة، وفقاً للقواعد المعمول بها.
وفي المرحلة الأولى، تمتلك المفوضية الأوروبية مهلة أربعة أشهر للتحقيق في الدولة الثالثة المتهمة باتباع سياسات تجارية ضارة. بعد ذلك، يكون أمام الدول الأعضاء ما بين ثمانية إلى 10 أسابيع لدعم أي مقترح باتخاذ إجراء، ومن ثم تحصل المفوضية على الضوء الأخضر لإعداد التدابير اللازمة، على أن تدخل حيز التنفيذ خلال ستة أشهر.
ودعت فرنسا التي تعد منذ فترة طويلة أبرز داعم لاستخدام "البازوكا"، حلفاءها الأوروبيين إلى النظر في تفعيلها إذا مضى ترمب قدماً في فرض الرسوم الجمركية المرتبطة بغرينلاند. ووافق وزير المالية الألماني لارس كلينغبايل على ما طرحه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول ضرورة أن "ينظر الاتحاد الأوروبي في استخدام هذه الإجراءات".
لكن المستشار الألماني فريدريش ميرتس تبنى نبرة أكثر تصالحية من نائبه، مشيراً إلى اعتماد برلين الأكبر على الصادرات، وأضاف أن التجربة أظهرت أن ترمب منفتح على الإقناع، فيما تقول "ذا غارديان" إن دولاً تولي أهمية كبيرة للتجارة الحرة مثل إيرلندا وهولندا، أو تلك التي يقودها سياسيون تربطهم علاقة وثيقة بترمب مثل إيطاليا، أبدت تردداً في السابق إزاء النظر في مثل هذه الإجراءات. وفي الوقت الراهن، تضع غالبية الدول الأعضاء التركيز على الحوار مع الولايات المتحدة.
ومع ذلك، تورد وكالة الصحافة الفرنسية أن مجرد إطلاق تحقيق بموجب هذه الأداة من شأنه أن يبعث برسالة قوية مفادها بأن بروكسل مستعدة للرد في مواجهة حليفها المهم.
تداعيات تطاول الجميع
ويحذر مراقبون من التداعيات التي ستطاول كلاً من الولايات المتحدة وأوروبا إذا ما استخدم الأوروبيون تلك الأداة، وقال الزميل لدى "معهد بروكينغز" دان هاميلتون ضمن تعليقات لشبكة "سي أن أن" الأميركية إن لجوء الاتحاد الأوروبي إلى ما يعرف بـ"بازوكا التجارة"، قد يشمل تعليق تراخيص شركات أميركية أو فرض ضرائب على الخدمات الأميركية، مضيفاً أن تهديدات ترمب قد تؤدي إلى تمزيق الترتيبات التجارية التي أبرمتها الولايات المتحدة مع كل من المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي الصيف الماضي، وقد تزيد كذلك من توتير العلاقات مع أقرب حلفاء أميركا.
وصرّح الرئيس الأميركي بأن رسوماً جمركية بنسبة 10 في المئة ستفرض على جميع السلع المشحونة إلى الولايات المتحدة من الدنمارك والنرويج والسويد والمملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وهولندا وفنلندا اعتباراً من الأول من فبراير (شباط) المقبل، ما لم تسمح له هذه الدول بالاستيلاء على غرينلاند. وأضاف أنه في حال عدم التوصل إلى اتفاق حول "الشراء الكامل والتام" للجزيرة القطبية من الدنمارك، فستُرفع الرسوم إلى 25 في المئة اعتباراً من الأول من يونيو (حزيران) المقبل.
ويقول المراقبون إن رسوماً فورية بنسبة 10 في المئة لن تحدث اضطراباً كبيراً في الاقتصاد بقدر ما ستفعله الآثار طويلة الأمد لتوتر العلاقات مع أكبر الشركاء التجاريين للولايات المتحدة، فحال عدم اليقين في شأن ما إذا كان ترمب سيصعد تهديداته بفرض الرسوم أو سيتراجع قبل تطبيقها من الممكن أن تدفع الشركاء التجاريين إلى تجنب الولايات المتحدة على المدى الطويل.
وقال الأستاذ في كلية هاريس للسياسات العامة بجامعة شيكاغو ستيفن دورلاف لـ"سي أن أن" إن "عدم اليقين هو عدو النمو"، مضيفاً أن قرارات ترمب غير المسبوقة "تجعل بعض الأمور غير قابلة للتراجع"، إذ يفقد الحلفاء الثقة حتى بعد وصول إدارة جديدة إلى الحكم.
ومن المحتمل أيضاً إسقاط هذه الرسوم الجمركية بقرار مرتقب من المحكمة العليا في شأن استخدام ترمب لصلاحيات الطوارئ. وفي الوقت نفسه، يعمل أكبر الشركاء التجاريين للولايات المتحدة على تعزيز علاقاتهم التجارية مع دول أخرى، إذ احتفلت كندا الأسبوع الماضي بإقامة "شراكة استراتيجية" مع الصين، شملت تخفيف الرسوم الجمركية وبيع السيارات الكهربائية الصينية. وأعلن الاتحاد الأوروبي التوصل إلى اتفاق مع "تكتل ميركوسور" في أميركا الجنوبية، مختتماً 25 عاماً من المفاوضات التجارية.
حدود التكيف وخطر الانهيار
ويشير اقتصاديون إلى أن معارك التجارة التي دارت العام الماضي بسبب الرسوم "المتبادلة" التي أعلنها ترمب في الثاني من أبريل (نيسان) كان تأثيرها محدوداً نسبياً مقارنة بأسوأ السيناريوهات المتوقعة. وعلى رغم التوترات، قام صندوق النقد الدولي مطلع الأسبوع برفع توقعاته، مرجحاً أن يكون النمو العالمي عامي 2025 و2026 أعلى مما كان يقدره قبل وصول ترمب إلى السلطة.
والعام الماضي، تكيفت الشركات مع الحرب التجارية العالمية عبر تسريع شحناتها إلى الولايات المتحدة في سباق لتجاوز المهل النهائية لفرض الرسوم. وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن بعض الشركات امتصت جزءاً من الكلف عبر تقليص أرباحها لتخفيف العبء عن المستهلكين، وقامت شركات أخرى بإعادة توجيه صادراتها إلى أسواق أخرى حول العالم. وأسهمت الطفرة العالمية في الاستثمار في الذكاء الاصطناعي في تعزيز الصادرات، وكذلك دعم الاقتصاد الأميركي.
ويقول الكاتب الأميركي فريد زكريا خلال مقالة في مجلة "فورين بوليسي" إن أوروبا تصرفت خلال العام الماضي بحكمة هادئة ولم تُبدِ أي رد فعل عنيف تجاه الولايات المتحدة ولم تستسلم، بل تكيفت ولم ترد بالمثل على تعريفات ترمب الجمركية، محذراً من أن حرباً تجارية عبر الأطلسي كانت ستغذي التضخم وتعطل سلاسل التوريد وتضعف النمو الهش أصلاً. لكن أوروبا قاومت وامتصت الضغط وتجنبت التصعيد وكسبت الوقت، "هذا الضبط للنفس حال دون انزلاق الاقتصاد العالمي نحو دوامة هبوطية".
ومع ذلك، يحذر المراقبون في أوروبا من أن هذه القدرة على التكيف يرجح أن تتراجع عام 2026، إذ إن معظم آليات التكيف استخدمت بالفعل. وحتى قبل التصعيد الأخير في التوترات، كان صندوق النقد الدولي توقع ارتفاع التضخم في الولايات المتحدة خلال العام الحالي نتيجة لذلك. وينبه اقتصاديون من أن استمرار التوترات قد يضعف استثمارات الشركات ويؤثر سلباً في ثقة المستهلكين ويؤدي إلى موجة بيع في الأسواق المالية. ومع المستويات القياسية لأسعار الأسهم والمخاوف من أن تغذي موجة الذكاء الاصطناعي فقاعة في الأسواق، فإن أي تصحيح قد يتحول سريعاً إلى انهيار.