Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مصر بعد البرلمان الجديد… هل ترحل الحكومة أمام ضغوط الاقتصاد؟

جدال قانوني وتكهنات بتغيير وزاري واسع وسط إجماع على ضرورة تغيير السياسات لا الوجوه فقط

تكتسب تكهنات التغيير الوزاري في مصر زخماً واسعاً في الآونة الأخيرة، وسط انتقادات حادة لأداء الحكومة. (اندبندنت عربية) 

ملخص

سواء غادرت الحكومة الحالية أو بقيت، يرى اقتصاديون في حديثهم لـ"اندبندنت عربية" أن مراجعة السياسات والأولويات أمر مطلوب الفترة المقبلة للتعامل مع أزمات الديون والتضخم والعجز والاختلالات الاقتصادية.

عبرت مصر أطول انتخابات نيابية في تاريخها، وأدى النواب الجدد اليمين الدستورية، وصار الشارع في ترقب لمصير الحكومة الحالية وسط تكهنات بتغيير وزاري واسع يشمل رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، ويراعي متطلبات المرحلة السياسية والتشريعية الجديدة، ويشكل متنفساً لأصوات ناقدة للأداء الحكومي وسط تصاعد مقلق لأزمة الديون.

وعلى رغم أن انعقاد مجلس النواب الجديد لا يلزم الحكومة الاستقالة أو تقديم برنامج جديد يتطلب ثقة وقبول أعضاء البرلمان، بحسب الرأي القانوني والدستوري لوزير الشؤون النيابية والقانونية والتواصل السياسي، محمود فوزي، الذي شدد على أن تحديد توقيت تغيير الحكومة أو إجراء أي تعديل وزاري هو حق دستوري أصيل لرئيس الجمهورية لا ينازعه فيه أحد، إلا أن سياسيين وبرلمانيين مقربين من دوائر صنع القرار في البلاد أكدوا امتلاكهم معلومات "يقينية" حول تغيير حكومي كامل.

لماذا تزايدات انتقادات الحكومة؟ 

تكتسب تكهنات التغيير الوزاري في مصر زخماً واسعاً في الآونة الأخيرة، وسط انتقادات حادة لأداء الحكومة الحالية في كثير من الملفات كان آخرها تحميلها مسؤولية تفاقم الديون إلى مستويات مقلقة وتصاعد التضخم وتراجع سعر صرف الجنيه المصري وارتفاع كلفة المعيشة، مما دفع رئيس الوزراء المصري إلى تحميل المسؤولية أزمات كورونا والحرب الروسية – الأوكرانية والاضطرابات الإقليمية الأخيرة.

كلف مصطفى مدبولي بتشكيل حكومته الأولى في الـ14 من يونيو (حزيران) 2018 ثم أعيد تكليفه مرة أخرى بعد الانتخابات الرئاسية بحكومة ثانية في الثالث من يوليو (تموز) 2024، وخلال الأعوام السبع عانت البلاد تبعات جائحة كورونا وانكشفت مالياً بتخارج مليارات الدولارات من الأموال الساخنة، في حين بلغ التضخم ذروته التاريخية عند 38 في المئة في سبتمبر (أيلول) 2023، قبل أن يبدأ في التراجع عقب توقيع اتفاق إنقاذ مالي مع صندوق النقد الدولي في مارس (آذار) 2024.

حكومة جديدة أم تعديل وزاري؟

المفكر السياسي علي الدين هلال، قال إن العرف والتقليد في مصر يقضيان بتشكيل حكومة جديدة مع انتخاب برلمان جديد، سواء بالإبقاء على رئيس الحكومة وتكليفه إجراء تعديل وزاري أو حتى بتغييره كلياً، والأمر متوقف على تقييم رئيس الجمهورية لأداء الحكومة، كاشفاً عن أن الأجهزة الأمنية والرقابية ذات الصلة أجرت استطلاعاً لآراء متخصصين ومسؤولين سابقين حيال الشخصيات الأنسب لشغل مناصب الحكومة المقبلة.

أما البرلماني مصطفى بكري فيرى أن الحكومة الحالية مرشحة للرحيل، وأن اسم رئيس الوزراء المصري القادم "مفاجأة"، موضحاً أن كل المؤشرات تدلل على وجود تغيير في الحكومة في الوقت القريب، على رغم أن القرار سياسي، وأن رئيس الجمهورية سيراجع اسماً اسماً نظراً إلى أن المرحلة المقبلة في غاية الدقة.

تغيير السياسات السابقة

لكن مع تواتر أنباء تغيير الحكومة في مصر، تبدو الحاجة إلى تغيير السياسات السابقة ملحة في ضوء ما أفضت إليه تلك السياسات من نتائج لم ترض الشارع وسط قرارات اقتصادية إصلاحية صعبة، إذ وضع اقتصاديون ومسؤولون سابقون تحدثوا لـ"اندبندنت عربية" روشتة إنقاذ اقتصادية تتضمن تغييراً شاملاً في السياسات الاقتصادية الحالية وتبدلاً في أولويات المرحلة المقبلة.

من بين من تحدثوا إلينا من دعا إلى التعجيل بتخارج الدولة من الاقتصاد وتمكين القطاع الخاص مع إتاحة التيسيرات الاستثمارية للجميع بلا تفرقة على أساس من يدفع أكثر، ومن بينهم أيضاً من طالب بتعامل ناجز وسريع مع ملفات الديون والعجز والتضخم وتحفيز الصناعة والصادرات والنقل واللوجيستيات.

وتشير بيانات البنك المركزي ووزارة التخطيط إلى ارتفاع دين مصر الخارجي نحو 6 مليارات دولار منذ بداية 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار مع نهاية الربع الثاني، بينما كان هذا الدين عند مستوى 155.1 مليار دولار خلال الربع الرابع من عام 2024، قبل أن يواصل مساره التصاعدي العام الحالي.

3 ملفات أساسية أولاً

في حديثه إلى "اندبندنت عربية"، يرى الرئيس السابق للهيئة الاقتصادية لقناة السويس، أحمد درويش، أن الحكومة المقبلة في حاجة إلى التركيز على ثلاث ملفات أساسية يمكن من خلالها تحقيق تقدم ناجز وملموس في وقت قصير، وينصح في ذلك بالعدول عن تبني صفقات "رأس الحكمة" بوصفها نموذجاً أمثل للاستثمار، والاتجاه أكثر صوب التصنيع والتصدير.

ويعتقد درويش الذي كان في الماضي وزيراً للتنمية الإدارية أن صادرات مصر غير البترولية البالغة 40 مليار دولار تظل أقل بكثير من صادرات الدول التي تماثل ذات الإمكانات للاقتصاد المصري، والتي تصل صادراتها إلى 350 مليار دولار، وهو ما يجعل من العمل على زيادة الصادرات المصرية مطلباً ملحاً لا ترف فيه.

ويشير إلى أن استهداف 150 مليار دولار في غضون عامين قابل للحدوث، خصوصاً مع طرح تيسيرات لضبط إيقاع المدخلات الإنتاجية التي تستوردها البلاد من الخارج، وتدريب العمالة بصورة كافية، مما من شأنه أن يغير خريطة مصادر العملة الصعبة في مصر بصورة كاملة، مضيفاً أن التصدير هو المنقذ الحقيقي للبلاد.

تخارج الدولة من النشاط الاقتصادي

وارتفعت صادرات مصر غير البترولية 18.6 في المئة على أساس سنوي خلال الأشهر الـ10 الأولى من عام 2025 لتصل 40.5 مليار دولار، بحسب تصريحات رئيس الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات، فيما تستهدف الحكومة الوصول بهذا الرقم إلى 145 مليار دولار بحلول نهاية عام 2030.

ودعا درويش إلى التعجيل بإجراءات تخارج الدولة من النشاط الاقتصادي، ويثمن في ذلك وثيقة ملكية الدولة التي أصدرتها الحكومة قبل أعوام وكانت بمثابة خريطة طريق لهذا التخارج لولا أن الإجراءات اتسمت بالبطء، كما يقول، مشيراً إلى أن إنفاذ تلك السياسة سيجذب مزيداً من الاستثمارات إلى البلاد.

أما الملف الثالث الذي تناوله الرئيس السابق للهيئة الاقتصادية لقناة السويس فتمثل في عدالة التيسيرات الاستثمارية عبر إلغاء ما يعرف "الرخصة الذهبية" التي تمنحها الحكومة لكبار المستثمرين فقط من دون غيرهم على أساس حجم استثماراتهم، معتبراً أن المبدأ الأمثل هو إتاحة الخدمات للجميع بسرعة وسهولة بلا تفرقة بين المستثمرين على أساس حجم رؤوس أموالهم.

لا تغيير جذري في السياسات

وتعرف "الرخصة الذهبية" باعتبارها موافقة واحدة من مجلس الوزراء للشركات على إقامة مشروع وتشغيله وإدارته بما في ذلك تراخيص البناء، وتخصيص العقارات اللازمة له، على أساس الملاءة المالية ودراسة الجدوى المبدئية والبرنامج الزمني لتنفيذ المشروع.

في المقابل، لا يتوقع الرئيس السابق لهيئة الرقابة المالية المصرية، شريف سامي، تغييراً جذرياً في السياسات والتوجهات الاقتصادية للبلاد مع تشكيل حكومة جديدة، متوقعاً أن تقتصر أي تغييرات في السياسات المتبعة على منح بعض الملفات أهمية أكبر من غيرها.

وجهة نظر سامي عزاها في حديثه إلى "اندبندنت عربية" إلى وجود برنامج إصلاحي معلن لمصر مع صندوق النقد الدولي، مما يعني أن مسار الحكومة الحالية أو المقبلة محدد سلفاً بموجب هذا الاتفاق، لكن مع ذلك يرى أن من الضروري التعامل سريعاً مع ملفات الديون والتضخم والعجز واختلال الميزان التجاري لما لها من آثار سلبية في الاقتصاد والناس.

اتفاق مع صندوق النقد الدولي

في مارس عام 2024 توصلت مصر إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي حول قرض قيمته 8 مليارات دولار لمدة 46 شهراً، في وقت كانت تواجه البلاد تضخماً مرتفعاً ونقصاً في العملة الأجنبية، وحررت بموجب الاتفاق سعر صرف الجنيه ليتراجع إلى مستوى 48 جنيهاً للدولار من 30 جنيهاً، إلى جانب اشتراطات أخرى مثل تحرير الوقود وإلغاء الدعم والمضي في برنامج للخصخصة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في ملف الخصخصة لا يخفي سامي أن وجود الدولة عبر شركاتها في بعض الأنشطة الاقتصادية يزعج بعض المستثمرين كونه قد يؤثر في المنافسة سواء بين القطاع الخاص المصري والأجنبي، أو تلك الكيانات مجتمعة والحكومة، وهو ما يفسر توجه الدولة نحو الحد من إنشاء شركات جديدة، والعمل على التخارج من بعض الأنشطة، بحسب ما يضيف.

ويتفق سامي مع درويش في النظرة إلى صفقات "رأس الحكمة" و"علم الروم" فلا يراها هو "تدفقاً طبيعياً" للاستثمار المرجو، على رغم ما حققته من انفراجة ملموسة، لكن يبقى التدفق الاستثماري الطبيعي الذي يرجوه سامي ذا معنى أوسع، فيشمل قطاعات الصناعة واللوجيستيات والزراعة والطاقة والخدمات، وهو ما من شأنه تحفيز المستثمرين وتقديم تيسيرات جاذبة للاستثمار.

ملفات ذات أولوية قصوى 

في العام الماضي وقعت مصر صفقة مع الإمارات لتطوير منطقة رأس الحكمة الساحلية بقيمة تقدر بـ35 مليار دولار العام الماضي، في حين وقعت أيضاً مع قطر صفقة مماثلة بقيمة 30 مليار دولار لتطوير منطقة علم الروم على الساحل الشمالي الغربي للبلاد.

ويعتقد المتحدث أن أي حكومة مقبلة مطالبة بالعمل على دعم صناعات مثل السيارات وإنتاج الطاقة المتجددة، إلى جانب الخدمات اللوجيستية التي تتمتع بها مصر بفعل الموقع الجغرافي المتميز على شواطئ وموانئ استراتيجية إلى جانب قناة السويس.

بورصة وبنوك

سامي لم يفوت الإشارة إلى البورصة المصرية وما تحتاج إليه من عناية واهتمام، فيرى أن مصر صاحبة أقدم بورصة عربية وأفريقية منذ النصف الثاني من القرن الـ18 بإمكانها أن تستفيد من تلك المكانة وتعمل على تعزيزها، وينصح بالعمل على توفير قنوات استثمار وادخار للمواطنين، بخلاف منتجات الاستثمار المصرفية، خصوصاً في ظل ما يمكن أن توفره من عوائد جيدة.

ويرى أن البورصة بجناحيها: الأسهم وأدوات الدين، تمثل رافداً تمويلياً مهماً للمؤسسات العاملة في مجال التمويل غير المصرفي، من تأجير تمويلي وتقسيم وتمويل عقاري ومتناهي الصغر، وهذا تحديداً ما يجعلها الخيار الأقرب لنشاط الشركات الصغيرة وأصحاب المشروعات المتناهية الصغر مقارنة بتعاملاتهم مع البنوك.

وعلى رغم اختلاف المتخصصين حول الملفات ذات الأولوية الفترة المقبلة، وسواء أبقى رئيس الجمهورية على الحكومة الحالية أو كلف أخرى، فإن المؤكد حاجة البلاد إلى سياسات اقتصادية ومالية ونقدية مختلفة عن تلك التي تبنتها حكومة الدكتور مصطفى مدبولي في الأعوام السبعة الماضية.

اقرأ المزيد