ملخص
يرى محللون أن ثلاث هيئات تحكم غزة ولكن جميعها دولية هدفها تحويل المنطقة لريفييرا ترمب بما يؤدي إلى إنهاء القضية الفلسطينية.
لم يعتبر سكان غزة الإعلان التاريخي عن تشكيل هياكل إدارية تنفيذية لحكم قطاعهم المدمر المنهك من البرد والقتال حدثاً عادياً، بل نظروا له كما يروج الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن ذلك خطوة كبيرة قد تغير مجريات حياتهم.
لكن الغزيين لا يعتقدون أن مجلس السلام سيبدل حياتهم لما يطمحون له من دولة صغيرة معترف بها، بل سيغير واقعهم ويضعهم تحت وصاية دولية ويحول مدينتهم إلى منطقة عالمية حرة بدلاً من بقعة فلسطينية تشق طريقها للتخلص من الاحتلال وتبحث عن الاستقرار ثم الاستقلال.
ثلاثة هياكل إدارية
في حدث كثيراً ما انتظره الغزيون كما العالم، أعلن البيت الأبيض عن تركيبة مجلس السلام وتعيين مندوب سامي في غزة، مع بدء عمل لجنة التكنوقراط الفلسطينية لإدارة القطاع، وبسرعة أثارت هذه التركيبات جدلاً واسعاً، وذلك على اعتبار أن تلك الخطوة فيها تطور تاريخي يجعل غزة منطقة دولية بعيداً من القضية الفلسطينية.
لإدارة غزة اليوم ثلاثة هياكل، أعلاها مجلس السلام الذي يترأسه ترمب بنفسه، ويشاركه في عضويته قادة دوليون ربما ينضم لهم لاحقاً زعماء عرب، لكن لا يوجد من بينهم أي فلسطيني ليمثل تطلعات وأحلام القطاع في السلام، وإنما هؤلاء الزعماء هم الذين يديرون ويخططون للغزيين مستقبلهم وأحلاهم بما يحقق لهم طموحاتهم وأحلامهم وخططهم للمستقبل.
ومهمة مجلس السلام الإشراف العام على إدارة غزة وإعادة تنمية القطاع وتنسيق التمويل الدولي وقيادة جهود إعادة إعمار القطاع لكن من غير المعروف إذا كان كل ذلك قد يتم حسب الخطة العربية لغزة التي أيدها الغزيون أم حسب خطة ريفييرا الشرق الأوسط التي يخطط ترمب لها.
أما ثاني الهياكل الإدارية لغزة، فهو المجلس التنفيذي وهو حلقة وصل ميدانية بين مجلس السلام ولجنة التكنوقراط لإدارة القطاع، وأداة لتنفيذ ما يريده مجلس السلام لكن على أرض مدينة الحرب المدمرة، يديره المندوب السامي الجديد على القطاع نيكولاي ملادينوف، ولا يوجد بين أعضائه أي شخصية فلسطينية تمثل الغزيين وتنقل تطلعاتهم ومطالبهم.
ثالث إدارة لغزة هي لجنة التكنوقراط وفيها مختصون في قطاعات الصحة والتعليم والمياه والشؤون الاجتماعية، إلى جانب ملفات الأمن والشرطة، وصحيح أن جميع أعضائها من غزة لكن اختصاصاتهم في مجالات حياتية وليس سياسية ووطنية.
مواقف متباينة
أثارت مجالس إدارة غزة حديث السكان، إذ يقول أحمد الحيلة "كل العالم اجتمع ليحكم مليوني إنسان في غزة، كل تلك الهيئات والمجالس تتشكل لإدارة القطاع الغارق في البرد والمطر والذي ينام في خيمة، من دون شك كل ذلك لإنهاء القضية الفلسطينية وإضاعتها في متاهات الهيئات والمجالس الدولية".
أما باسم يوسف فيقول، "الغزيون في المستوى الثالث بطبيعة الحال، مجرد لجنة لإدارة يومية، إنهم يقومون بالأعمال الشاقة لحساب مجلس السلام، أعتقد هذا مخطط تدويل بامتياز والهدف منه تحويل أرض القطاع لمنطقة دولية حرة".
لكن مأمون حميدة لديه رأي إيجابي يقول "التدخل الأميركي المباشر في غزة من خلال مجلس سلام ليس بالأمر السيئ، وإنما تحرير القطاع من استبداد إسرائيل، ربما تكون هذه الخطوة إيجابية شريطة الحفاظ على التوازن بين السيادة والوصاية".
غزة دولية
في أعقاب الإعلان عن تشكيل مجالس إدارة غزة، حذرت الفصائل الفلسطينية والقوى السياسية وحتى مراكز الدراسات والبحوث السياسية والاستراتيجية من تدويل غزة، إذ بمجرد بدء المرحلة الثانية تكون مدينة الحرب المدمرة دخلت في تفويض تحت وصاية دولية أميركية واضحة ولا تحتاج إلى تأويل.
في الواقع، وضعت غزة تحت الوصاية الدولية عندما صادق مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على القرار 2803، الذي يقضي بنشر قوة تثبيت دولية وإنشاء "مجلس السلام" لإدارة القطاع وحينها أعيدت صياغة مستقبل غزة بحسب الرؤية الأميركية.
سحب السيادة الفلسطينية
عملياً بدأت عملية تدويل القطاع، إذ من المفترض أن يقدم المجلس التنفيذي تقارير دولية دورية عن الوضع داخل غزة كل ستة أشهر لمجلس السلام، ويقول أستاذ السياسة محمد قيق "كل الفكرة من خطة السلام والازدهار هي تدويل غزة، وتهميش القضية الفلسطينية وسحب السيادة الفلسطينية عن القطاع وإشراك دول العالم في حكم غزة لجعلها منطقة دولية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويضيف "ما يجري على أرض الواقع، خطة سلام لإعادة صياغة المنطقة جغرافياً وسياسياً واقتصادياً، لذلك فإن مجلس السلام يعد مهدداً مباشراً للقضية الفلسطينية، لقد نجح ترمب في وضع القطاع تحت الوصاية الأميركية والآن يعمل على تحويله إلى منتجع سياحي ومركز للتكنولوجيا والتصنيع".
ريفييرا في الخفاء
ومن جانب آخر، يقول الباحث الاستراتيجي عبدالله قنديل إن "خطة تدويل غزة ستكون لها تداعيات في أكثر من اتجاه، أولها إنهاء القضية الفلسطينية وتحويل غزة لمشروع إغاثي فقط، ثم بناء قواعد عسكرية وتحويل القطاع إلى منطقة دولية، هذا كله انعكاس سياسي يهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية وكأن هناك سباقاً مع الزمن لفرض وقائع جديدة".
ويشير إلى أن "ترمب يعمل على تحويل القطاع إلى ريفييرا، استفاقت غزة فجأة على مجالس وهيئات يتصدرها لوردات العالم من دون إرادة أهلها، ووضع نيكولاي ملادينوف كممثل سامٍ، يعني عملياً وضع غزة تحت وصاية أمنية دولية، لا سيادة فيها للفلسطينيين، وحصر دور لجنة التكنوقراط في الخدمات فقط يفرغ القيادة الفلسطينية من مضمونها السياسي، ويحولها إلى هيئة بلدية تتلقى التعليمات من مجلس أعلى دولي".
ويوضح قنديل أن "الممثل السامي يجعل مرجعية لجنة التكنوقراط خارج الإطار الوطني الفلسطيني مع تغييب كامل للمسار السياسي، وهذا يعني إعادة هندسة إقليمية، وتحويل القضية الفلسطينية من قضية شعب يسعى إلى تقرير مصيره، إلى مجرد مسألة إنسانية لأناس يبحثون عن مأكل ومشرب ومسكن".
ويبين أن الرهان في كل ذلك يبقى على الشعب الفلسطيني المطلوب منه أن يقدم مرونة عالية من دون التفريط بالثوابت، خصوصاً إذا كان الأمر يتعلق في محاولات تدويل غزة أو إخراجها من النظام السياسي الفلسطيني، ومنع تحول كل شيء في القطاع إلى مجرد مشروع إغاثي.