Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

خريطة طريق إسرائيلية في غزة قبل مجيء مجلس السلام

خطة سياسة لعرقلة تنفيذ المرحلة الثانية لـ"اتفاق ترمب" وأخرى عسكرية لضمان تقويض "حماس"

في مخيم للنازحين في جباليا، شمال قطاع غزة، 17 يناير 2026 (أ ف ب)

ملخص

حاول رئيس الحكومة والوزراء المقربون منه تجاهل التقارير التي كشفت عن أن الرئيس الأميركي وجه دعوة لنتنياهو ليكون عضواً في مجلس السلام الذي سيدير قطاع غزة بزعامة ترمب، وهي دعوة وجهت إلى رؤساء 50 دولة اشترط ترمب أن تدفع كل معنية منها بالعضوية مليار دولار للمجلس في عامه الأول.

بينما كان الإسرائيليون يترقبون موقف بنيامين نتنياهو في جلسة حكومته الأسبوعية اليوم الأحد، حول مجلس السلام الذي أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترمب في غزة، وتعميق الخلافات والتناقضات في الموقف حول توقيت إعلانه وتركيبته، وتحديداً اللجنة التنفيذية، كان الجيش الإسرائيلي يوجه عشرات الهجمات الجوية تجاه مخيمات النازحين في القطاع مستهدفاً نسف البيوت، وهذه المرة استبق هجومه ببلاغ رسمي فسرته جهات أمنية وسياسية كانعكاس للموقف الإسرائيلي تجاه غزة، الرافض للدخول إلى المرحلة الثانية من خطة ترمب وفي مركزها بدء نشاط مجلس السلام، قبل تحقيق ثلاثة أهداف لإسرائيل كما أوضحها مكتب نتنياهو بعد كشف تفاصيل مجلس السلام، وهي نزع سلاح حركة "حماس"، وإعادة جثة آخر جندي إسرائيلي، وهي مفقودة في غزة ولا تعرف "حماس" مكان وجودها، وضمان قطاع منزوع السلاح.

ولتحقيق هذه الأهداف تعمل إسرائيل في مسارين متوازيين: السياسي، وتسعى من خلاله إلى عرقلة تنفيذ المرحلة الثانية من خلال لقاءات ومحادثات مع واشنطن وجهات دولية، والعسكري، من خلال خطط عسكرية كشف مسؤولون عن إعدادها استعداداً لبدء تنفيذها لضمان تقويض حركة "حماس".

ووضعت تل أبيب الـ16 من يناير (كانون الثاني) الجاري، وهو يوم الإعلان عن مجلس السلام، بداية مهلة أخيرة لحركة "حماس" لمدة شهرين لنزع سلاحها، وإذا لم تفعل فسينفذ الخطط العسكرية التي أعدها ويتدرب عليها. وبحسب مكتب نتنياهو فإن إنذار "حماس" جاء بالتنسيق مع الرئيس ترمب وموافقته.

وكان نتنياهو دعا عدداً قليلاً من الوزراء لجلسة مشاورات حول مجلس السلام قبيل انعقاد جلسة الحكومة الأسبوعية، بعدما نفت جهات مطلعة على سير المحادثات بين واشنطن وتل أبيب ادعاء ديوان نتنياهو أن إسرائيل لم تُبلغ بتفاصيل تشكيلة المجلس واللجنة التنفيذية فيه، كذلك حدد جلسة أخرى للمجلس الوزاري الأمني المصغر (الكابينت) بكامل تشكيلته وبحضور قادة الأجهزة الأمنية مساء الأحد، لاستكمال مناقشة الملف، إلى جانب التطورات في الملف الإيراني.

 

وأبدى نتنياهو خلال لقائه مع السيناتور الأميركي ليندسي غراهام، رفضه فرض تشكيلة مجلس السلام واللجنة التنفيذية. وعُقد اللقاء غداة إعلان إسرائيل عدم التنسيق معها حول خطوة الرئيس الأميركي في شأن تشكيل المجلس التنفيذي لإدارة قطاع غزة.

تزامناً، أعلن مسؤول عسكري أن هجمات صباح الأحد، على قطاع غزة هي رسالة أيضاً بتمسك إسرائيل بموقفها الرافض لسلاح "حماس" واستمرار العمل على تقويض الحركة، مشيراً إلى أن الجيش سيكثف عملياته بموازاة نشاطات المستوى السياسي وجهات أخرى لتأخير البدء في نشاط مجلس السلام وإدارة غزة.

وحاول رئيس الحكومة والوزراء المقربون منه تجاهل التقارير التي كشفت عن أن الرئيس الأميركي وجه دعوة لنتنياهو ليكون عضواً في مجلس السلام الذي سيدير قطاع غزة بزعامة ترمب، وهي دعوة وجهت إلى رؤساء 50 دولة اشترط ترمب أن تدفع كل معنية منها بالعضوية مليار دولار للمجلس في عامه الأول.

تركيا وقطر

إعلان مجلس السلام، الذي فاجأ الإسرائيليين، أدى إلى نشوب خلافات حتى داخل الحكومة بين نتنياهو ووزير خارجيته جدعون ساعر، الذي اتهمه نتنياهو بأنه لم ينفذ مهمته تجاه واشنطن بالصورة الصحيحة لمنع فرض مجلس السلام واللجنة التنفيذية على إسرائيل، نتنياهو من جهته قال صراحة إن هناك فجوة عميقة بينه وبين الرئيس ترمب، ورفض استخدام كلمة شرخ، فالفجوة بحسب ما تم تفسير حديثه، انعكست في تشكيلة اللجنة التنفيذية التي تضم وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، والمستشار الكبير لرئيس حكومة قطر علي التوادي.

 مصادر مطلعة على المحادثات الأخيرة بين تل أبيب وواشنطن، رفضت ادعاء نتنياهو وقالت إنه تم تنسيق تشكيل اللجنة معه، وأضافت هذه المصادر التي رفضت كشف اسمها في تصريحات إعلامية "كنا على معرفة بنية الولايات المتحدة الإعلان عن الانتقال إلى المرحلة الثانية، وكذلك العلاقات الوثيقة للإدارة الأميركية مع تركيا وقطر، ولقد تم النشر والإعلان عن كل شيء ولم يجر إخفاء أي شيء. مع ذلك، يبدو أن خطوة البيت الأبيض أحرجت نتنياهو، وهو غير مستعد لها نفسياً وإعلامياً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من جهته انتقد زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد، نتنياهو للسماح بدخول تركيا وقطر إلى مجلس الإدارة الموقت لقطاع غزة، معتبراً أن ذلك يشكل خطراً على أمن إسرائيل، واقترح لابيد تولي مصر إدارة القطاع خلال الـ15 عاماً المقبلة.

وقال لابيد "أقول للحكومة منذ عام: هناك حل لغزة وهو تسليم إدارتها لمصر بالتنسيق الأمني معنا، إذا لم نسلك الطريق المصري فستجدون تركيا وقطر تديران غزة، وهذا بالضبط ما حدث: تركيا داخلة، وقطر داخلة، الشراكة الأيديولوجية بين (حماس) و(الإخوان المسلمين) ستتحكم في القطاع".

أما وزراء الائتلاف الحكومي فجاء ردهم داعماً لاتخاذ كل الخطوات لعرقلة عمل مجلس السلام، وأسرع وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، إلى الإعلان عن دعمه المطلق بيان مكتب نتنياهو الرافض للجنة التنفيذية، قائلاً "قطاع غزة لا يحتاج إلى أية هيئة إدارية تشرف على إعادة إعماره، بل يحتاج إلى تطهيره من إرهابيي (حماس) الذين يجب القضاء عليهم". مضيفاً "كما يجب العمل وبقوة على تشجيع هجرة واسعة النطاق، طوعية، وفق الخطة الأصلية للرئيس ترمب، ولتحقيق أهدافنا أدعو رئيس الحكومة إلى توجيه الجيش للاستعداد للعودة إلى الحرب بقوة هائلة في القطاع، من أجل تحقيق الهدف المركزي للحرب: القضاء على (حماس)".

الأجهزة الأمنية الإسرائيلية من جهتها، حذرت من أن مشاركة قطر وتركيا ستسهم في إعادة ضخ المال إلى حركة "حماس" ودعمها في تعزيز قدراتها، ودعت إلى بذل كل جهد لعرقلة عمل اللجنة وإدارة القطاع. 

وفي هذا السياق كُشف عن تجنيد إسرائيل ميليشيات تعمل تحت حماية الجيش الإسرائيلي في غزة لإحباط إدارة شؤون القطاع، وكشف مسؤولون فيها، بينهم حسام الأسطل وغسان الدهيني، خلال مقابلات مع وسائل إعلام إسرائيلية عن إعداد خطط لعرقلة خطة ترمب، وتعهدوا بإفشال الإدارة الجديدة لقطاع غزة ميدانياً، والتجنيد الواسع لعدم التعاون معها.

أهداف قابلة للتحقيق

بمجرد الإعلان عن مجلس السلام، اعتبر أكثر من أمني وعسكري إسرائيلي، أن المرحلة الثانية خرجت إلى حيز التنفيذ بصرف النظر عن موافقة نتنياهو أو رفضه لها، بل حذر بعضهم من تداعيات تعنت إسرائيل في موقفها والدخول في صدامات مع واشنطن.

الرئيس السابق للساحة الفلسطينية في الاستخبارات العسكرية، العقيد احتياط ميخائيل ميلشتاين، دعا متخذي القرار إلى العمل بموجب الواقع الموجود، وعرض خطط قابلة للتنفيذ من دون الدخول في أي مواجهات مع واشنطن.

وأشار ميلشتاين إلى ضرورة الاعتراف بحقائق عدة باتت واقعاً على الأرض، من بينها الصلة بالسلطة الفلسطينية، إذ أشار إلى أن اللجنة التنفيذية  للمجلس غير معرفة بشكل واضح كتابعة لرام الله، الأمر الذي ينعكس من تشكيلة أعضائها، فرئيس اللجنة علي شعث كان مدير عام وزارة المواصلات في الماضي، وعضو آخر كان بمنصب وزير في الحكومة الفلسطينية، فضلاً عن وجود مسؤول كبير سابق في جهاز الاستخبارات العامة الفلسطيني.

 

الحقيقة الثانية وصفها ميلشتاين بـ"المؤلمة والمقلقة" وهي متعلقة بـ"حماس"، وبحسبه فإن الحركة "رحبت بإنشاء اللجنة، الأمر الذي يجسد على ما يبدو أنها لا تخشاها، وتعتقد أنها ستشكل غطاءً تجميلياً، وستكون مسؤولة عن توفير احتياجات الغزيين من دون أن تقيد عمل المنظمة على المستوى الأمني أو تتدخل في عمل منظومتها المدنية (الدعوة)"، مضيفاً "(حماس) عملياً تسعى إلى تثبيت نموذج (حزب الله) في غزة، أي أن تبقى الجهة السائدة في المنطقة، وفي الخلفية توجد حكومة رسمية ضعيفة".

والحقيقة التي لا تقل قلقاً، وفق ميلشتاين، هي مجال العمل لإسرائيل. وبرأيه فإن قيادة إسرائيل التي تواصل الإصرار على أنه يمكنها في كل مرحلة أن تعود إلى القتال، تخطئ لأن حرية عملها في القطاع تقل بشكل تدرجي.

أما الحقيقة الأخطر من كل هذا، فهي أن قطار المرحلة الثانية انطلق على الدرب على رغم أن موضوعين جوهريين بالنسبة إلى إسرائيل لم ينتهيا: إعادة ران غوئيلي (آخر جثة أسير في غزة) ونزع سلاح "حماس"، بحسب ميلشتاين، موضحاً "بالنسبة إلى السلاح، يبدو أنه تجري محاولة لإخراج الكستناء من النار نيابة عن (حماس) من قبل الوسطاء (أساساً قطر ومصر)، وذلك من خلال بلورة حل وسط يلزمها التنازل عن (سلاح هجومي) فقط، ويتركز الجهد في هذه اللحظة على إقناع ترمب بأن هذا تنفيذ دقيق لمطالبه، ولا نستبعد أن من شأنه أن يقبل ذلك".

ميلشتاين وعسكريون آخرون شاركوا في تقديم توصية لمتخذي القرار دعوا فيها إلى البدء في البحث حول جوهر "السيطرة على الخط الأصفر"، التي يؤمن كثر بأنها ستبقى على مدى الأعوام، وهذا الأمر يطرح كعقيدة حديثة للأمن القومي، وفي مركزها الوجود في عمق أرض العدو، ففضلاً عن غزة يطبق الأمر أيضاً في الساحة السورية، وهناك من يحاول أن يشمل المنطق ذاته الضفة الغربية، وهو نهج يعكس في أساسه جواباً عسكرياً على صدمة السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، لكنه لا يسند ببحث استراتيجي معمق".

إزاء هذا تطرح في إسرائيل أسئلة عدة بينها: كم من الوقت يفترض أن يوجد ذلك الحزام الأمني؟ وهل هي جدية الأفكار عن ضمه وإقامة مستوطنات فيه مثلما أعلن وزير الأمن أخيراً، ورفضها ترمب رفضاً باتاً؟ ومتى يمكن إقامة غزة بديلة في الأرض الإسرائيلية، وهي فكرة قابلة للتحقق؟

يشدد ميلشتاين على أن "على إسرائيل صياغة أهدافها القابلة للتحقيق والتمسك بثلاثة مطالب مبدئية: إعادة غوئيلي، وحفظ حرية العمل ضد كل تهديد ناشئ في القطاع (كما تفعل في لبنان)، وإضافة إلى ذلك التأكد من أن يكون في محور فيلادلفيا، وبخاصة في معبر رفح، رقابة مشددة بسيطرة أميركية".

وبرأيه أن اللجنة التي تم تشكيلها ضمن مجلس السلام "بعيدة من أن تكون بداية تغيير إيجابي في غزة، ومشكوك بأن يكون بوسعها التصدي بجدية لـ"(حماس)، لكنها أهون الشرور في الظروف الحالية، فالأمر لا بد من أنه أفضل حالياً من سياسة رافضة، أو العودة إلى حرب قوية ومحاولة السيطرة على القطاع، وهي خطوات تتعارض مع تطلعات ترمب".

المزيد من تقارير