ملخص
تزرع تل أبيب عقبات وقيود لتعطيل لجنة إدارة غزة، لكن هل تنجح إدارة علي شعث في تأدية مهماتها؟
بمجرد ما أعلنت الولايات المتحدة تشكيل لجنة لإدارة غزة ودعمها، وبعكس التوقعات، ظن الغزيون أن الحرب عادت من جديد، إذ بدأ الجيش الإسرائيلي المرحلة الثانية من "خطة السلام والازدهار" بقصف مكثف على القطاع، بدل أن ينسحب إلى الحدود ويتيح الفرصة للإعمار.
وفي رسالة لا تحتاج إلى تفسير، افتتحت إسرائيل المرحلة الثانية بتحريك أسلحة جيشها، حيث نفذت القوات البرية عمليات نسف لمبانٍ سكنية في غزة، بينما أطلقت الزوارق الحربية حمم قذائفها نحو ساحل القطاع، أما من الجو فكانت الطائرات تغتال قيادات في "حماس".
انطلاقة وهمية
استغرب سكان غزة بدء المرحلة المتقدمة من خطة السلام بالعنف، ولكنهم فهموا بسرعة أن إسرائيل لا تريد تسهيل عمل لجنة التكنوقراط، وأن لا طريق مفروش بالورود والتسهيلات ينتظر مفوضية إدارة القطاع، وإنما مزيد من التعقيدات والخروق، فماذا سيحدث على أرض الواقع؟ هل هي عودة إلى القتال أم أن استقراراً ينتظر غزة وسكانها؟
لم يخف قادة إسرائيل أن تشكيل مفوضية إدارة غزة وانطلاق المرحلة الثانية من "خطة السلام والازدهار" مجرد خطوة لا معنى لها على أرض الواقع، وأن تل أبيب ترفض قطعاً تقديم أي التزامات مطلوبة منها، لا بل زرعت عراقيلاً وأشواكاً في طريق لجنة إدارة غزة قد تعرقل عملها تماماً.
ما إن انتهى عضو "مجلس السلام" ستيف ويتكوف من إعلان دخول المرحلة الثانية من خطة السلام والازدهار في غزة حيّز التنفيذ، حتى صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن "لجنة إدارة غزة مجرد خطوة رمزية بالنسبة إلى تل أبيب، ولن تغير شيئاً على أرض الواقع في المرحلة القريبة، إن الإعلان عنها هو خطوة تصريحية فقط".
عراقيل على رغم المصادقة
ترفض تل أبيب علناً التقدم في المرحلة الثانية، مما يعرقل عمل لجنة إدارة غزة، ومن بين الأمور التي لا تريدها إسرائيل، إعادة فتح معبر رفح، والانسحاب من الخط الأصفر نحو الخط الأحمر، وتطلب استعادة رفات آخر رهينة لدى "حماس"، ونزع سلاح القطاع بالكامل.
وتأتي العراقيل الإسرائيلية في وقت أكد فيه رئيس جهاز الأمن العام "الشاباك" دافيد زيني أنه صادق على أسماء الأعضاء الـ15 في حكومة التكنوقراط لغزة، بعد الفحص والتأكد من أنهم ليسوا من "حماس" ولا من السلطة الفلسطينية وبعد "استيفائهم جميع المعايير".
لا انسحاب من غزة
وعلى رغم موافقة إسرائيل على لجنة إدارة غزة فإنها وضعت أمامها العراقيل، إذ بحسب هيئة البث الإسرائيلية "كان"، فإن إسرائيل لا تعتزم التراجع عن الخط الأصفر إلى أن يتحقق تقدم في كل ما يتعلق بتجريد "حماس" من سلاحها.
ويسبّب ذلك عرقلةً لعمل "لجنة إدارة غزة" التي يُفترض أنها تدير كل القطاع وليس جزءاً صغيراً منه، ويتنافى ذلك مع خطة السلام والازدهار التي تنص على أنه يحظر على إسرائيل احتلال القطاع أو ضمه وأنه يجب عليها الآن الانسحاب لتصبح المناطق التي تسيطر عليها فقط 20 في المئة من مساحة القطاع.
آثار سلبية
تربط إسرائيل انسحابها من غزة بعد إحراز تقدم في كل ما يتعلق بتجريد "حماس" من سلاحها، ويعلق على ذلك الباحث العسكري رامي عمصي، بالقول إنه "ليس من ضمن مهمات لجنة مكونة من خبراء مهنيين نزع السلاح، لم تنص خطة ترمب على ذلك، هذا يعني أن نتنياهو يريد عرقلة عمل لجنة إدارة غزة فقط".
ويضيف أن "عدم الانسحاب من غزة يعني أن إسرائيل لن تسمح بأي تقدم في خطوات إعادة إعمار القطاع، كل ذلك يعرقل عمل اللجنة، المفروض أن إدارة علي شعث تعمل على بدء البناء بعد الإيواء، ومع وجود الجيش في غزة فإن القطاع لن يشهد إعادة بناء".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
معبر رفح مغلق
ليس ذلك فقط ما تضعه تل أبيب في طريق لجنة التكنوقراط، وإنما اتخذ الكابينت قراراً بعدم فتح معبر رفح حتى إعادة رفات آخر رهينة تحتجزها "حماس"، ولهذه الخطوة أبعاد كبيرة، إذ يشرح عمصي أن "غزة ستظل مربوطة بإسرائيل من ناحية سفر الأفراد وهذا يعني تهجيراً طوعياً وليس حرية حركة وسفر، ولن تقبل لجنة غزة بذلك". ويضيف، "ما هو أبعد من ذلك، أن العمليات الإنسانية ستظل بيد إسرائيل ولن تتمكن لجنة إدارة غزة من ممارسة مهمات الإيواء والإغاثة إلا بإذن من تل أبيب، وبقرار منها طالما أن معبر كرم أبو سالم هو الذي يعمل وليس معبر رفح".
نزع السلاح
من أصعب العراقيل التي وضعتها إسرائيل أمام لجنة إدارة غزة، أنها أوكلت إليها مهمة نزع سلاح "حماس"، ويقول نتنياهو "نحن مصرون على نزع سلاح ’حماس‘ وغزة إننا والأميركيين متوافقون على أن تقوم لجنة غزة بذلك".
وبالفعل قال ستيف ويتكوف إنه "يجب على إدارة غزة أن تبدأ عملية نزع السلاح لا سيما نزع سلاح جميع الأفراد غير المصرح لهم".
وفوّض الرئيس ترمب لجنة غزة بهذه المهمة الصعبة، قائلاً إن "هؤلاء القادة الفلسطينيين الملتزمين التزاماً راسخاً بمستقبل سلمي، يجب عليهم نزع سلاح ’حماس‘، وفي حال رفضت الحركة فإن عواقب وخيمة تنتظرها".
في الواقع، ستعمل مع "لجنة إدارة غزة" شرطة فلسطينية تلقت تدريباً دولياً على مهمات مختلفة من بينها نزع السلاح، وفي الغالب ستتولى هذه القوات مهمات تسلم بنادق "حماس"، ولكن في حال الفشل فإن مؤشرات العودة إلى الحرب كبيرة كما يهدد نتنياهو وترمب.
لا مشاركة للسلطة
ومن بين العقبات الأخرى، ترفض إسرائيل أن يعمل موظفو السلطة الفلسطينية في غزة مع لجنة التكنوقراط، إذ يعارض نتنياهو أي مشاركة لحكومة السلطة في رام الله ولو كانت على مستوى أدنى، وفي هذه الحالة لن تجد لجنة علي شعث أي فريق فني يعمل معها على أرض الواقع مما يعني أنها ولِدت بلا يدين.
ويؤكد باحثون سياسيون أن المواقف الإسرائيلية تشكل عقبات وقيوداً تعطل لجنة إدارة قطاع غزة، ويقول الباحث السياسي عاهد فروانة، "يبدو أن المرحلة الثانية من اتفاق غزة بدأت شكلاً بتحميل لجنة الإدارة مسؤولية نزع سلاح ’حماس‘، وهذا أمر بالغ الخطورة، وقد يشهد عقبات، وقد تكون مناورة أميركية لتسمح لإسرائيل بشن هجمات جديدة على غزة".
ويؤكد فروانة أن "الطريق أمام لجنة غزة مليء بالصعوبات والعقبات سواء في واقع إعمار القطاع أو بسبب تمسك إسرائيل بعودة رفات الرهينة"، متوقعاً أيضاً أن تضع تل أبيب العراقيل أمام اللجنة لعدم تقديم الحاجات اللازمة للمواطنين وإفشال عملها.
ويضيف فروانة أن "نجاح اللجنة أو فشلها يرتبطان بعوامل أساسية تتحكم ببيئة عملها ومواقف إسرائيل ومدى التزامها بعدم عرقلة أو تعطيل عمل التكنوقراط لا سيما في الجوانب الإنسانية والتنموية"، ولا يخفي الباحث السياسي أن "الملف الأمني يمثل العقبة الأبرز أمام عمل لجنة إدارة غزة".
من جهته، أبدى رئيس لجنة إدارة غزة علي شعث تفاؤلاً، فقال "سنعمل على إعادة الإعمار، لقد بدأنا رسمياً أعمالنا ونستعد للانتقال إلى قطاع غزة للشروع بتنفيذ خطة إغاثة عاجلة، والباكورة هي توريد 200 ألف وحدة إيواء مسبقة الصنع بصورة عاجلة كبديل فوري وآمن للسكان الذين يعانون ظروفاً قاسية داخل الخيم".