ملخص
في غزة، جيل كامل يُدفع خارج المدرسة للعام الثالث على التوالي: طفل مثل حسن بلغ عمر الصف الثالث لكنه لا يقرأ ولا يكتب، لأن النزوح والجوع وغياب الدفاتر والصفوف حوّلوا التعليم إلى ترف بعيد المنال. وفي مواجهة الانهيار، تحاول مبادرات مثل خيمة عهود نصار إنقاذ ما يمكن إنقاذه، فيما يواصل طلاب الجامعة مثل مريم القتال من أجل الدراسة وسط انقطاع الإنترنت والكهرباء والتنقل القاسي.
عندما كان حسن الصرفندي في السادسة من عمره، كان يعيش حياة سعيدة وسط عائلة محبة. أقام في منزل جميل في رفح، في الطرف الجنوبي من قطاع غزة، برفقة والديه وشقيقتيه وشقيقه. كان مفعماً بالحيوية، دائم المرح ومحباً للعب، ومتحمساً لدخول الصف الأول في المدرسة الابتدائية كي يتعلم الأبجدية. كان يتوق إلى تعلم القراءة والكتابة.
ثم حل السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023 وتغير كل شيء. فقد دمر القصف الإسرائيلي والعمليات العسكرية البرية أحياء بأكملها، مما أرغم مئات آلاف العائلات على الفرار من منازلها، وترك المدارس والمستشفيات والخدمات الأساسية في حال دمار. وسرعان ما تحول عالم حسن إلى حياة نزوح وخوف.
بعد مرور أكثر من عامين، بات حسن في العمر الذي يفترض أن يكون فيه في الصف الثالث، لكنه لا يزال غير قادر على القراءة أو الكتابة بصورة سليمة.
وتشرح أمه هبة التي يبلغ عمرها 34 سنة الوضع، فتقول: "نحن نرزح بالفعل تحت ضغط هائل، ولا يمكننا إيجاد الوقت لتعليمه. حتى لو خصصت له ساعة من الوقت فهذا غير كافٍ على الإطلاق. في العادة، يحتاج الطلاب في عمره إلى أسبوع أو اثنين لاستيعاب الدرس، لكنني لا أستطيع أن أوفر له ذلك وحدي".
منذ أكتوبر 2023، انهارت المنظومة التعليمية في غزة. وترك أكثر من 650 ألف طالب من دون مدارس، في ظل تدمير ما يقارب 95 في المئة من المرافق التعليمية بالكامل أو تضررها بشدة. ويصادف يناير (كانون الثاني) من هذا العام دخول الحرمان من التعليم عامه الثالث على التوالي بالنسبة إلى الأطفال والطلاب.
وفقاً لـ"منظمة الأمم المتحدة للطفولة" (اليونيسيف)، سوف يحتاج ما لا يقل عن 87 في المئة من المدارس إلى جهود إعادة إعمار كبيرة قبل أن تتمكن من العمل مجدداً. وحذرت الأمم المتحدة من أن عملية إعادة بناء البنية التحتية في غزة قد تستغرق "ما بين 16 إلى أكثر من 80 عاماً، وفقاً لوتيرة إعادة الإعمار". وضمن تقريره عن آخر مستجدات الوضع الإنساني، ذكر "مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية" OCHA أن الأزمة المستمرة في غزة ستؤدي إلى إرجاع تعليم الأطفال إلى الوراء "بما يصل إلى خمسة أعوام، وتهدد بخلق جيل ضائع من الشباب يعاني حرماناً دائماً".
وقالت هبة: "هذا الأمر يفطر قلبي. لقد فقد حسن بالفعل عامين من التعليم، وهما عامان لن يتسنى له استرجاعهما أبداً. يمكنني أن أرى الفرق بوضوح. لم يسلبه فقدان هاتين السنتين تعليمه وحسب، بل حرمه أيضاً من البيئة التي تشكل شخصية الأطفال، والمكان الذي يكونون فيه صداقات ويتعلمون الثقة بالنفس والأخلاق الحميدة. تسهم المدرسة في تكوينهم بطرق ننسى أهميتها أحياناً، وقد حرم من كل ذلك. كان أشقاؤه الأكبر سناً يقرأون ويكتبون ويبنون أحلامهم في سنه، فيما يقضي هو أيامه مثقلاً بمسؤوليات وهموم كبيرة".
تعكس قصة حسن التجربة التي يعيشها جيل بأكمله ينشأ خارج قاعات الدراسة، محروماً من الكتب والمعلمين. كان الصبي يحلم في الماضي بكتابة اسمه على مقعده في المدرسة، محاطاً بالأصدقاء والضحكات. وها هو الآن يجاهد ليمسك بقلم داخل خيمة مكتظة يعيش ويأكل وينام فيها برفقة جميع أفراد عائلته.
في الغالب، يتعلم الأطفال من خلال الاستماع والتكرار، لكن هذه العملية تستغرق وقتاً وتتطلب تركيزاً. أما حسن، فانتباهه مشتت طوال الوقت بسبب الضجيج داخل الخيام والمسؤوليات الجديدة التي باتت تقع على عاتقه، من ملء دلاء المياه إلى الانتظار في الطوابير للحصول على طعام الغداء من التكية (مركز توزيع الوجبات الذي غالباً ما تديره الجمعيات الخيرية المحلية). وهو لا يجد وقتاً أو مكاناً مناسبين للتعلم والدراسة.
وأدى الشعور بالجوع المستمر إلى إضعاف قدرات الأطفال على التعلم في غزة، مما فاقم من آثار النزوح والتوتر عليهم. ووفقاً لمنظمة "اليونيسيف"، فإن حرمان الأطفال من الغذاء الكافي في مرحلة الطفولة المبكرة يؤدي إلى إعاقة نمو دماغهم وقدراتهم المعرفية بصورة كبيرة، مما يؤثر على نحو مباشر في قدرتهم على التركيز وحفظ المعلومات والنجاح في المدرسة. والأطفال الذين يحرمون من العناصر الغذائية الأساسية، مثل حسن، أكثر عرضة للتخلف الدراسي، وسوف تكون لضعف تعلمهم ونموهم عواقب تمتد طوال حياتهم.
كذلك يشكل عدم توافر الموارد اللازمة للدراسة عقبة أخرى. فالكتب المدرسية غير متوافرة، والدفاتر والأقلام باهظة الثمن لدرجة أن الأسر العادية لا تستطيع توفيرها. ويقول حسن: "أتمنى أن يكون لدي مكتب خاص بي. أريد أن أرتب دفاتري وأقلام التلوين كما كنت أرى إخوتي الأكبر سناً يفعلون".
بينما يستعد الأطفال في جميع أنحاء العالم للعودة لمقاعد الدراسة بعد انقضاء العطلة، لا يزال أطفال غزة ينقبون في أنقاض صفوفهم الدراسية، في انتظار اليوم الذي يستعيدون فيه حقهم في التعليم. وإذا تم التوصل إلى وقف لإطلاق النار، فلا بد من أن يعني ذلك أكثر من مجرد الصمت الذي يعقب القصف. فيجب أن يكون ذلك بداية لإعادة البناء، ليس فقط للمدارس، بل أيضاً للأمل والمستقبل بالنسبة إلى أطفال مثل حسن الذين يستحقون أن يكبروا من دون ندوب طفولتهم المسلوبة وتعليمهم المدمر.
ويحتاج الطلاب إلى التعليم القائم على التواصل المباشر مع معلميهم. عهود نصار طالبة تبلغ من العمر 23 سنة من شمال غزة. في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024، أنشأت خيمة تعليمية في المنطقة الغربية من مدينة غزة. وشملت محاولتها الأولى نحو 30 طالباً من الصف الأول حتى الثالث، وكان المستوى الدراسي لكثرٍ منهم ضعيفاً للغاية بسبب انقطاعهم عن التعليم النظامي منذ السابع من أكتوبر 2023. ولاحظت أنه على رغم أن الحال النفسية للأطفال طبيعية بصورة عامة، إذ لم تكُن الأوضاع في منطقتهم قد تصاعدت بعد في ذلك الوقت، فإن مهاراتهم الأكاديمية تأثرت بشدة.
وبعد وقف إطلاق النار، حولت عهود خيمة إيواء قرب منزلها في تل الزعتر إلى مساحة للتعلم، واستقبلت في النهاية نحو 100 طالب من الصف الأول حتى السابع. لكنها أوضحت: "في البداية، كنت أتوقع أن يكون التدريس مشابهاً للتجربة التي عشتها في غرب غزة، لكنني سرعان ما أدركت أنه مختلف تماماً. فقد كان معظم الطلاب شهدوا صدمات شديدة، وكان كثرٌ منهم أيتاماً بعدما فقدوا أحد والديهم أو كليهما".
ولمساعدة الأطفال في التأقلم، لم تكتفِ عهود بالتدريس وحسب، بل أدخلت ألعاباً وأنشطة لتحسين صحتهم النفسية. وقالت: "أصبحت الخيمة التعليمية بمثابة منزلهم الثاني". وتلقت الدعم من منظمة "العقول العظيمة في غزة" (Gaza Great Minds – GGM) التي زودتها بمستلزمات مثل الطاولات والكراسي والمواد التعليمية، وهي موارد لم تكُن لتتمكن من توفيرها بمفردها.
وحظيت مبادرتها التي أطلقت عليها اسم "مدرسة العهود"، باعتراف رسمي من وزارة التربية والتعليم، لتصبح بذلك أول خيمة تعليمية معتمدة في شمال غزة. وعلى رغم القصف المستمر والنزوح، واصلت عهود التدريس قدر الإمكان، وساعدت الأطفال في ممارسة القراءة والكتابة ورواية القصص. وقالت: "حتى في ظل هذه الظروف، من الضروري ضمان حصول الأطفال على نوع من أنواع التعليم". وتُعد الخيمة التعليمية الآن منطقة حمراء (منطقة خطر) لأن القوات والجنود الإسرائيليين لا يزالون موجودين هناك. وتعتقد عهود التي نزحت الآن إلى وسط غزة - بأن الخيمة قد أحرقت.
ولا تقتصر المعاناة على الأطفال الصغار وحسب، بل تشمل طلاب الجامعات أيضاً. فتجاهد مريم مشتهى، الطالبة في الجامعة الإسلامية في غزة التي تدرس تخصص الترجمة في اللغة الإنجليزية، من أجل مواصلة تعليمها. وتصف مريم، وهي تتابع الآن سنتها الجامعية الثالثة، رحلتها بأنها مليئة بالعقبات التي لا تنتهي، شأنها شأن كثير من الطلاب الآخرين في غزة.
وفي يوليو (تموز) عام 2024، عندما أعلنت الجامعة استئناف الدراسة عبر الإنترنت، كانت مريم وعائلتها نازحين من منزلهم ويقيمون في منزل صغير مكتظ برفقة عماتها. وتتذكر قائلة: "كان المنزل ضيقاً جداً، وكان فيه كثير من الناس، من بينهم أطفال. لم تكُن الدراسة سهلة على الإطلاق". وعلى رغم ترددها في الدراسة عبر الشاشة، شجعها والداها قائلين: "لا نعرف متى ستنتهي الحرب، من الأفضل ألا تضيعي مزيداً من الوقت في حياتك". وبدافع من دعمهما، تمكنت مريم من مواصلة دراستها.
كان عليها أن تدرس في الليل بعد أن يخلد الأطفال إلى النوم، بينما تنام خلال النهار. وكانت تدرس في الشرفة أحياناً لأن الاتصال بالإنترنت كان أقوى فيها، لكن الدراسة هناك لم تكُن آمنة، بخاصة عندما كانت تضطر إلى تشغيل المصباح. وتقول مريم: "لم يكُن لدي خيار آخر؛ لم أجد مكاناً مناسباً للدراسة".
وبحلول يناير (كانون الثاني) عام 2025، كانت مريم أكملت سنتها الأولى بمعدل تراكمي مرتفع. لكن عائلتها اضطرت إلى مغادرة المنزل الذي كانت تقيم فيه والبحث عن منزل جديد في تل الهوا، حيث لا تتوافر خدمة الإنترنت تقريباً. وكان هذا النزوح يعني أن جميع أماكن العمل المزودة بالكهرباء والإنترنت أصبحت بعيدة. وتقول مريم: "اضطررت إلى قطع مسافات طويلة تحت أشعة الشمس الحارقة من أجل تحميل المحاضرات أو تقديم الامتحانات وحسب".
وشكلت المواصلات مشكلة كبيرة أيضاً. فارتفعت أسعارها خمسة أضعاف، كما أن شح المال صعب تسديد أجرة سائقي سيارات الأجرة، بخاصة عند استخدام الأوراق النقدية القديمة أو الممزقة. وتضيف: "فكرت أحياناً في الانسحاب من الفصل الدراسي، لكنني كنت أقول لنفسي إنني قطعت شوطاً كبيراً، وكان علي أن أستمر".
حتى في سنتها الجامعية الثانية، واصلت مريم مواجهة عدم استقرار الإنترنت وانقطاع الكهرباء والضغط المستمر الناجم عن التهديدات الإسرائيلية. وتقول: "كان من الممكن أن تضعفني كل هذه التحديات، لكنها بدلاً من ذلك زادتني قوة. فالمعرفة تستحق النضال من أجلها، ونحن نستحق أن نتعلم". وهي تتطلع إلى التخرج وتحقيق حلمها في أن تصبح مترجمة ومدرسة لغة إنجليزية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لم يحصل قطاع التعليم في غزة سوى على أقل من 15 في المئة من التمويل الإنساني المطلوب. وحذرت "اليونيسيف" من أن هذا القطاع لا يزال أحد أكثر القطاعات التي تعاني نقص التمويل في إطار الاستجابة الإنسانية في غزة، مما يترك المعلمين بلا رواتب ويجعل برامج التعليم غير قابلة للاستمرار. ونتيجة لذلك، باتت المساحات التعليمية الموقتة نفسها مثل مبادرة عهود نصار، تعتمد بالكامل على العمل التطوعي والتبرعات الصغيرة، بدلاً من نظام تعليمي مستقر.
ولا يقتصر الضرر على الجانب التعليمي وحسب، بل يتعداه إلى ضرر نفسي عميق. فقد كشف تقرير صادر عن منظمة الصحة العالمية عن أن أطفال غزة يعانون أعراض صدمة شديدة، تشمل القلق واضطرابات النوم والنزوع إلى العزلة، وكلها عوامل تعوق قدرتهم على التعلم. وإن الغياب عن الدراسة لأعوام دراسية متتالية يدمر المهارات الأساسية في القراءة والكتابة والحساب، ويجعل التعافي شبه مستحيل من دون دعم مكثف طويل الأمد.
لم تخلف الهجمات على غزة وراءها ركاماً وحسب، بل خلفت ندوباً عميقة في أذهان آلاف الأطفال الأبرياء وفي مستقبلهم. فينشأ جيل كامل محروماً من فرصة التعلم أو القراءة أو الحلم بحرية بمستقبل آمن. وهذه ليست مجرد أرقام، بل وجوه أطفال مثل حسن الذي لا يزال يكافح من أجل الإمساك بقلم رصاص، وشابات مثل مريم، يقاتلن من أجل مواصلة الدراسة على رغم كل ما يعانينه.
تقول مريم: "آمل أن يرى العالم أخيراً التعليم هنا كأولوية، لا كأمر ثانوي. نحن بحاجة إلى دعم حقيقي، وإلى إعادة بناء المدارس، وترميم الجامعات، وتزويدنا بالكتب والمعلمين، ومكان آمن للتعلم. نريد فرصة لبناء مستقبلنا. وإذا ساعدنا العالم في ذلك، فربما يكون يناير هذا بداية لشيء أفضل".
تبرعوا لحملة "اليونيسيف" من أجل أطفال غزة الذين يعانون الأزمة هنا.
© The Independent