ملخص
حقق مسلسل 'ميدتيرم' صدى كبيراً على مدى الأسابيع الماضية، وهو من الأعمال القليلة التي تتوجه بشكل خاص لجيل "زد"، إذ يتحدث عن أزمات الصحة العقلية التي يواجهها هذا الجيل الذي عادة ما يفضل متابعة الأعمال الأجنبية، فمقارنة بالدراما العالمية التي تتصدر فيها قصص المراهقين الاهتمام، نجد أن الأعمال العربية لا سيما التي لا تتبنى التنميط أو الخطاب السطحي نادرة للغاية
دراما المؤسسات التعليمية سواء مدارس أو جامعات شديدة الثراء، وتاريخ السينما والتلفزيون وحتى المسرح مليء بهذه النوعية من الأعمال التي تقدم طرحاً لأنماط شخصيات متباينة بين المعلمين والطلاب والعائلات، والمسؤولين الأكاديميين، مع تشابك علاقات يمتزج فيها الفني والاجتماعي، والسياسي أيضاً.
لكن هذه النوعية من الأعمال تزدهر عالمياً دوماً، لكنها عانت خفوتاً في العالم العربي عقوداً، إلا أنها على ما يبدو عادت أخيراً مع تنامي صعود حضور الشباب بين عمر 16 و29 سنة في الحيز العام، إذ يأخذون فرصتهم أخيراً، وعلى رغم تفاوت مستوى الأعمال التلفزيونية التي تبنت هذه الفئة التي تعتبر مع جيل "ألفا" هي الأصغر عمراً والأكثر استهدافاً من قبل المؤسسات العالمية الكبرى، فإن حلقات مسلسل "ميدتيرم" التي انتهت أخيراً أثبتت أنه ربما هناك من أدرك أخيراً أن الطريقة التقليدية لم تجد نفعاً في مخاطبة هذا الجيل، إذ حظي العمل بمشاهدات ضخمة وصلت إلى المليار عبر كل المنصات، وفق بيان رسمي من الشركة المنتجة، كذلك فإن مجموعات مناقشات طلاب المدارس والجامعات على "السوشيال ميديا" كانت مؤشراً ملحوظاً إلى اقتراب حكايات المسلسل إلى حد كبير من هواجس وأفكار الجمهور المستهدف.
هذا لا يعني أن العمل الذي جاء في 30 حلقة عُرضت على مدى شهر ونصف الشهر خالٍ من بعض التنميط، والاستعجال، بل حتى التضليل المعلوماتي سواء أكان متعمداً أم ناتجاً من الاستسهال، لكن فكرة التفاف نسبة كبيرة من المراهقين حول الحلقات، واختياره مسلسلاً مفضّلاً على مدى ستة أسابيع واستبدال أعمال عالمية تناقش قضاياهم به، أمر لا يمكن إنكاره، فهل سيكون العمل مجرد حدث طارئ ودراما نجحت بالمصادفة، أم أنه يشكّل مرحلة مفصلية في تبني خطاب درامي حقيقي يقترب من دون مبالغة أو تسطيح من هذا الجيل المتروك درامياً إن جاز التعبير، الذي يبحث عما يتحدث بلسانه، لكن بلغات أخرى.
من يتحدث بلسان الجيل
مسلسلات مثل "النخبة" الإسباني، و"13 سبباً لماذا" الأميركي، و"المراهق" البريطاني، حظيت بشعبية عالمية كاسحة على مدى الأعوام الماضية عالمياً وعربياً بطبيعة الحال، إذ حققت تلك الأعمال عبر المنصات مشاهدات قياسية، وقد كانت تتناول حياة طلاب المدارس الثانوية من نواحٍ عدة، بخاصة أن لهم عالماً موازياً شبه سري بعيداً من الأهل، يعيشون فيه تحت ضغوط نفسية قاسية بغض النظر عن مستواهم الاقتصادي، ومدى ثرائهم، فالأزمات التي تجتاح حياة المراهقين عادة لا تفرّق بين الأثرياء والفقراء، وإن كانت الفئة الثانية تعيش ألماً مضاعفاً في ظل التدقيق واختلاف سقف التوقعات، ومتطلبات الحياة في هذا العصر.
وقد حاولت مسلسلات عربية مثل السعودي "ثانوية النسيم"، والأردني "مدرسة الروابي للبنات" تقديم تجارب عربية خالصة، ومن صميم المجتمع بهذا الصدد، لكنها تظل أعمالاً قليلة مقارنة بهذه الموجة عالمياً، وأخيراً دخل المسلسل المصري "ميدتيرم" هذا المضمار مستعيناً بمواهب تمثيلية شابة واعدة، أبرزهم ياسمينا العبد ودنيا وائل وجلا هشام وأمنية باهي.
العمل يعدّ التجربة الأولى في التلفزيون للمؤلف محمد صادق بعد نجاحه السينمائي بأعمال مثل "هيبتا"، و"بضع ساعات في يوم ما"، وكذلك أول إخراج درامي لمريم البجري القادمة من عالم الكليبات الغنائية، وقد حاول أن يستعرض أكبر قدر من النماذج لطلاب الجامعة في مصر، فالخلفيات الاجتماعية متباينة وتفضيلات الدراسة كذلك، لكن المفاجأة أن الأزمات النفسية تجمع بين كل الطبقات، من تنمر وتفرقة بين الأبناء، وتفكك أسري، واضطرابات سلوكية وإدمان، واعتداءات جنسية، وانتحار أيضاً.
وعلى رغم تعدد المشكلات فإن المسلسل لم يبدُ مثقلاً أو مزدحماً بالطرح، وفي حين أن غالبية الشخصيات الأساسية هي نسائية بالأساس، فإن الأدوار الرجالية كان لها حضور درامي فاعل، وكانت متميزة على مستوى التمثيل، ويتصدرها أحمد عزمي وزياد ظاظا ويوسف رأفت.
اختبارات قاسية للمراهقين
المؤكد أن "ميدتيرم" الذي يشير اسمه إلى منتصف الفصل الدراسي أو امتحان نصف المدة، في إسقاط على أن الجميع يقع في اختبار أمام نقاط ضعفه، ليس العمل الأول الذي حاول أن يقدم نفسه على أنه يتحدث بلغة الجيل الأصغر سناً من الشباب ويقترب من همومهم بشكل حقيقي، فقد سبقته محاولات عدة، لكن بعضها وقع في فخ التنميط وقدم المراهقين ديكوراً ونسخاً مكررة، من دون أي عمق أو مراعاة الفروقات الفردية، وأخرى جاء التناول فيها هامشياً من دون أن يكونوا هم محور الحدوتة، لكن في "ميدتيرم" هناك محاولة جادة بلا ادعاء، إلا أنه كان هناك إخفاقات عدة وقع فيها صناعُه على رغم نصاعة التجربة ونجاحها الجماهيري.
الفكرة التي بُنيت عليها الحكاية من الأساس والمتعلقة بأن الرابط الذي يجمع بين الأبطال هو جلسات الفضفضة النفسية، وهو مدخل يحمل وجاهة من ناحيتين، أولاها أن نسبة كبيرة من أبناء هذا الجيل لديهم ما يشبه الهوس بالعلاجات النفسية وليس فقط مجرد الوعي الطبي بحالتهم العقلية، إنما وفقاً لتقارير كثيرة فإن كثيرين منهم يسيطر عليهم إيحاء أنهم بحاجة إلى عناية نفسية خاصة، بل يقدمون على تشخيص أنفسهم والعيش في دوامة أنهم غير أسوياء، كذلك فكرة المجموعات الخاصة على "تيليغرام"، وتتضمن مشاركات غالباً تكون مجهولة الهوية لكشف مكنونات النفس والتعبير عن مشاعر معينة منتشرة أيضاً بين فتيات وبنات هذا الجيل.
الهوس بالصحة النفسية
لكن الأمر في المسلسل قُدم بأن من يشرف على تلك المجموعات بكل ما يشوبها من أخطار، هو طبيب متخصص من المفترض أن يكون مصدر ثقة، فالطريقة حينما يعتمدها طبيب بهذا الشكل وعلى نطاق واسع مع تصدير فكرة السرية تجعل الأمر يبدو وكأنه يحمل شبهة ما، ويشكك في الهدف، بل يطرح علامات استفهام حول الأسلوب، الذي يتبناه العمل حول الطب النفسي، فتكون الرسالة مشوشة، فمن ناحية هناك رغبة في نشر الوعي بتلك الثقافة، ومن ناحية أخرى تثير الوسيلة القلق حول المجال برمته، وهذا من المفترض أنه عكس المطلوب تماماً على رغم أن تلك المساحة تُقدم باسم "مساحة آمنة" ضمن دراما الأحداث، ناهيك بأن اسم الطبيب الحركي فرويد يحمل استسهالاً وكسلاً وربما سذاجة، كذلك فإن دلالته مربكة تماماً إذ يحيل فوراً لآراء طبيب الأعصاب النمسوي سيغموند فرويد التي لا تزال تثير جدلاً حتى اليوم.
كذلك كان من البديهي أن تلجأ بعض العناصر لكشف هويات الآخرين، نظراً إلى أن هذه هي طبيعة هذا الجيل الذي تربى على التكنولوجيا، بخاصة أنهم في سن صغيرة للغاية بالكاد غادروا مدارسهم الثانوية ومنظومتهم القيمية لم تكتمل، إذ إن الحرمان العاطفي والنقص في إشباع الأمان العائلي يحرّك الأحداث من بدايتها لنهايتها، والاختراق الأول حدث بسبب أن البطلة تيا (ياسمينا العبد) ترغب في أن تبني شبكة صداقات أسوة بمن حولها، كذلك فإن الأزمات العائلية التي تحيط ببقية المجموعة تجعلهم يسقطون واحداً تلو الآخر، إذ ينهارون معنوياً، ليتعرف الجمهور شيئاً فشيئاً إلى مجموعة من الاضطرابات السلوكية القهرية مثل هوس الكذب وهوس السرقة، ويدرك أن المستوى المادي المرتفع ليس أبداً حصانة أمام ارتكاب الحماقات الشائنة وحتى الجرائم.
تضليل طبي
ويتعرّض المسلسل بصورة مؤثرة لفكرة التفرقة بين الأبناء من خلال شخصية هنا "أمنية باهي" التي عاشت حياتها، وهي مهمشة في منزلها، بينما شقيقتها تحظى بكل الدلال، وهي القصة التي أثارت جدلاً على مستوى آخر، حيث تضطر الشقيقة المغبونة بأن تتبرع لشقيقتها التي تستأثر بالحنان وبكل الامتيازات الأسرية، بنخاع العظم لتنقذ حياتها.
وفي مقابل نجاح العمل في استعراض المشكلات النفسية بصورة واقعية، فإنه تعامل بطريقة تحمل استخفافاً مع المعلومات الطبية المتخصصة في شأن تلك الجراحة، وقدم تضليلاً اعتبره معهد الأورام خطأ من شأنه أن يثير البلبلة، إذ تبنى العمل رواية بلا أساس، وهي أن هذا الإجراء الطبي يسبب شللاً أو عقماً في خلط واضح بين نخاع العظم والنخاع الشوكي، إذ نفى المعهد القومي للأورام هذه الشائعة تماماً من خلال بيان توضيحي مطول يشرح ماهية الإجراء الذي هو مختلف تماماً عما ظهر في الأحداث. مشيراً إلى أنه ليس إجراءً يهدد حياة المتبرع، بل هو منقذ للمريض من دون تبعات خطرة على مانح الخلايا الجذعية، واصفاً ما جاء في الحلقات بأنه لا يستند إلى أي أسس علمية أو طبية صحيحة، كذلك وصف كثير من الأطباء هذا الخط الدرامي بالساذج.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وهي نقطة ضعف كان يمكن تفاديها بسهولة بالاستعانة بالمتخصصين، لكن على ما يبدو أن الصناع وجدوا أنها تفيد في التصاعد الدرامي، وفي تعقيد العلاقة التي تجمع الشقيقتين مع الأم، من دون وضع الأمانة الطبية في الاعتبار، لا سيما أن هذه المواقف الدرامية تؤثر في المتلقي وتشوّش أفكاره في ملفات شديدة الحساسية قد تتماس مع بعض أموره الحياتية.
كان هناك أيضاً تبنٍّ لوجهة نظر جرى تعميمها، وهي أن مشكلات الطلاب أساسها العائلة فقط، من دون أي عوامل أخرى، وعلى رغم أنه من الطبيعي أن تكون الأسر هي محور حياة الشباب الصغير في مثل هذا العمر، فإن تكرار الحالات لم يفد الدراما في شيء، وبتفنيد مئات التعليقات التي تتحدث عن المسلسل عبر مواقع التواصل الاجتماعي فإنه يتماس مع أمور كثيرة تخص هذا الجيل، وقد نجح صناعُه بالفعل في مزج توليفة تخاطب لغتهم تماماً، وكذلك بدا مفيداً لكثير من الآباء الذين يستكشفون هواجس أبنائهم، على رغم أنه لم يتمكّن من التخلص تماماً من فخ الوعظ والإرشاد، الذي تنتهي به الحلقات على طريقة ماذا نتعلم من هذا الدرس، وهو أسلوب يخاصم فكرة العمل المفترض أنه قائم على مراعاة فئة عمرية لا تحب النصائح المباشرة، ومن ثم بدت هناك فجوة كبيرة بين الأحداث، التي تغوص في عمق الشخصيات، ويتوحد معها المشاهد وهذه الطريقة التلقينية.
مواهب واعدة وتوظيف ذكي
فيما من أكثر النقاط المضيئة في مسلسل "ميدتيرم" هو صنع دائرة محكمة من الحيرة للمتلقي الذي لا يعرف على من يلقي باللوم ومن يتهم، فكل حلقة كان بها اكتشاف مفاجآت صادمة بلا تصنع، إذ إن غرفة التحقيق نفسها كانت مليئة بالمعلومات الفوضوية التي تخدم الدراما، وتجعل المتابع مشدوداً كل يوم، ويحاول أن يحدد موقفه من الشخصيتين المحوريتين تيا، ونعومي "جلا هشام"، فيما أجواء الحيرة بشكل عام بدت مستوحاة من المسلسل القصير "مراهق العائلة" الذي يدور حول طالب في الثانوية متهم بقتل زميلته، وقد حصد بطله أخيراً البالغ من العمر 16 سنة جائزة "غولدن غلوب."
كذلك يُحسب للمسلسل أنه منح متنفساً للغناء الموظف درامياً من خلال مواهب بطلتيه ياسمينا العبد ودينا وائل "ملك"، فيما كان من أكثر اللفتات الذكية هنا هو إعادة تقديم أغنية "ظلموه" لعبدالحليم حافظ بتوزيع جديد وطازج جعل الأغنية تتردد على ألسنة شباب كثر لم يكونوا يعلمون من هو العندليب الأسمر، وهو دور مهم للغاية للدراما أن تقدم الثقافة الشعبية والإرث الفني بقالب جذاب للأجيال المختلفة.
قبل أي شيء، مسلسل "ميد تيرم" ليس مجرد أحداث عن طلاب مشاغبين يحاولون استكشاف الحياة، بل محاولة درامية لمخاطبة جيل يسقط دوماً من الحسابات، جيل وجد نفسه محاطاً بمصادر مفتوحة لكل شيء بما يفوق قدراته العصبية والعاطفية مما يؤثر في صحته العقلية، كذلك بدا لافتاً الاختلاف الجذري بين الأعمال الفنية التي تخاطب طلاب المدارس والجامعات في هذا العصر محلياً وعالمياً، ونظيرتها في حقب مضت، حين كان الطلاب قديماً يظهرون في الدراما مشحونين بالحماسة لتغيير العالم، ولديهم اهتمامات سياسية وطموحات تتجاوز حيزهم الجغرافي، وفضول لإيجاد حلول لمشكلات المجتمع من حولهم، ومعرفة ووعي بالأحداث الكبيرة، لكنهم باتوا الآن يعيشون في ضغوط تجعلهم أكثر تقوقعاً على مشكلاتهم الشخصية بلا رغبة في المعارف السياسية والعامة تقريباً، على رغم انفتاحهم غير المحدود على ما يجري في العالم بفعل المنصات التي يعيشون حياتهم عليها.