ملخص
رغم الإيجابيات الكثيرة التي كشفها ترتيب أفلام السينما المصرية من حيث الإيرادات في 2025، ولكن هناك أرقام أيضاً تثير الجدل وبينها أن عدد التذاكر المباعة لا يتجاوز الـ9 ملايين تذكرة في بلد تعدادها 120 مليون مواطن، وهي نسبة تبدو ضيلة وتقول الكثير عن جمهور السينما وأيضاً على قدرات المواطن العادي على الإنفاق على بنود الترفيه، إضافة إلى أنه على رغم التنوع الكبير لا يزال الجمهور يفضل الفيلم الكوميدي في المقام الأول
منذ عدة سنوات بدأت السينما المصرية التعافي قليلاً، من خلال تنوّع الأفكار المطروحة، وأيضاً في ما يتعلق بضخ أسماء جديدة في الصناعة الرائدة، سواء على مستوى النجوم أو المخرجين والمؤلفين، وحتى شركات الإنتاج، فهناك وجوه تأخذ فرصتها وتعطي بصمتها.
كذلك عدد الأفلام نفسها لم يعد شحيحاً كما في الماضي، إذ استقبلت دور العرض أكثر من ثلاثين فيلماً مصرياً هذه السنة، ما بين الكوميدي والأكشن والسيرة الذاتية، والرومانسي، والاجتماعي الجاد، إضافة إلى أن إيرادات الأفلام خلال 2025 تجاوزت المليار و400 مليون جنيه مصري، أي ما يعادل تقريباً 30 مليون دولار أميركي، لكن حسبة الأرقام تقول أيضاً إن نسبة ضئيلة للغاية من الشعب الذي يصل تعداده لنحو 120 مليون نسمة هم من تسنّت لهم فرصة مشاهدة تلك الأفلام في قاعات السينما.
لا شك أن هناك قطاعات كبيرة من الجماهير محرومة من السينما، ولا يوجد في محيطها الجغرافي دور عرض من الأساس، وقد يكون هذا من ضمن أكبر المؤثرات على تقليص مساحة "خروجة السينما" من أجندة الترفيه العائلية.
لكن بالطبع هناك أسباب أخرى جعلت عدداً من المهتمين بالصناعة ينشرون تدوينات تالية محاولة حل هذا الوضع متسائلين: هل السبب أن موضوعات الأفلام لا تخاطب الشريحة الأكبر من جمهور السينما، أم أن المعضلة اقتصادية بحتة؟ إذ إن التذاكر لا تزال على رأس قائمة مصادر أرباح الأفلام التي بدورها تدور في عجلة إنتاج تشير بالضرورة إلى أنه كلما زادت نسبة مشاهدة الفيلم في السينما ازدهرت الصناعة وارتفع عدد الأفلام المقدمة.
وفي حين هناك احتفاء واضح بعديد من المؤشرات الصحية التي طاولت السينما المصرية في عام 2025، لكن أيضاً هناك تخوف من أن الازدهار في الكيف والكم قد لا يستمر إذا ما استمر الوضع مثلما هو إذ ستزيد مساحة العزوف عن المشاهدة، مما سيؤثر في الأرباح، ومن ثمّ الجودة، وفرص التجريب، والزخم الإنتاجي، واكتشاف الوجوه الجديدة وغيره.
سر نسبة الـ8 في المئة
كان الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء قد كشف في تقرير أصدره قبل نحو عام عن أن عدد دور العرض قد ارتفع إلى 55 وذلك في عام 2021، لكن وفقاً لجهود كثيرة قامت بها وزارة الثقافة وجهات معنية أخرى فقد جرت إضافة عديد من دور العرض الأخرى في القاهرة والمحافظات.
وعلى رغم عدم وجود أرقام محدود ونهائية فقد يكون ارتفع عدد السينمات في مصر إلى ما يزيد على السبعين دار عرض بقليل تتضمن 500 شاشة تقريباً بعدما كانت لا تزيد على الـ300 شاشة موزعة على العاصمة القاهرة والمحافظات قبل عشر سنوات، لكنه يبقى رقماً ضئيلاً للغاية مقارنة بنحو 350 دار عرض كانت تتوزّع على محافظات البلاد في ستينيات القرن الماضي مع عدد سكان أقل بكثير، ومع آلاف شاشات العرض.
وفي حين بلغ عدد التذاكر المباعة للأفلام المصرية تسعة ملايين تذكرة، فإنه في حال توزيعها بواقع تذكرة واحدة لكل شخص فإن النسبة ستكون أقل من 8 في المئة من عدد السكان تمكنوا من دخول السينما العام الماضي، وإذا وضعنا احتمالية أن هناك قطاعاً دخل السينما مرة أو اثنتين، فإن التسعة ملايين هذه سوف توزع على عدد أقل بكثير من الناس، لتتسع نسبة المحرومين من السينما بصورة هائلة.
وبشكل يبدو غير مألوف، بالطبع هذه النسب لم توضع فيها الأفلام الأجنبية التي حظيت بجماهيرية أقل بطبيعة الحال، لكن هل عدد السينمات فقط هو الذي يتحكّم في تلك المعادلة، أم نوعية الأعمال المعروضة، أم أولويات الإنفاق في ظل أن متوسط سعر التذكرة الواحدة في سينما ليست فاخرة يساوى تقريباً 100 جنيه أي يتجاوز الدولارين في أقل الأحوال.
سينمات اقتصادية أقل على رغم المبادرات
نزهة السينما عادة تكون عائلية وعليه فإن المبلغ في الأسر المتوسطة سوف يصل إلى 8 دولارات في سينمات مستواها أقل من المتوسط بكثير، من دون احتساب الانتقالات والوجبات الخفيفة، إذاً فالأمر يمثل عبئاً مادياً لا يمكن تجاهله في ظل حد أدنى للأجور يقل عن الـ150 دولاراً، لكن مع ذلك على الأغلب فإنه لا يمكن الاعتماد على هذا الأمر كمؤشر وحيد لتفسير هذه المفارقة الجديرة بالملاحظة في ما يتعلق بأرقام إحصاءات السينما المصرية في 2025.
يقول المؤلف محمد الدباح، الذي يمتلك في رصيده عدداً من الأعمال الناجحة جماهيرياً ونقدياً، على مدى سنوات مضت، وكان له دور بارز في قائمة 2025، إن الأمر عبارة عن دائرة تتضمن عديداً من العوامل، ووصف هذا العدد الضئيل من التذاكر بأنه "رقم حزين". مشيراً إلى أن أسبابه من الصعب حصرها، وإن كان يرى أن أهمها هو أن سعر التذكرة "كبير على المواطن العادي".
وينبه الدباح إلى اختفاء أو شبه اختفاء السينمات الشعبية، والصامد منها لا يزال بلا ترميم أو اهتمام، مما يحرم شريحة كبيرة للغاية كانت تعتمد على هذا المتنفس الذي يمثل منفذاً للترفيه الاقتصادي نسبياً مقارنة بغالبية منافذ الترفيه التي أصبحت بعيدة المنال على محدودي الدخل. معتقداً أنه إذا جرى إصلاح بعض بنود هذه المنظومة سوف تزداد بشكل تلقائي إيرادات الأفلام، بالتالي دائرة الإنتاج سوف تتضاعف.
كانت مبادرات عدة من وزارة الثقافة قد نجحت بالفعل في توفير منافذ للمشاهدة السينمائية للمواطنين في المحافظات، وفي بعض المناطق المحرومة من السينما بأسعار رمزية، لكنها لا تزال تغطي عشرين موقعاً فقط في ست محافظات تقريباً من إجمالي 27 محافظة، حيث تعرض الأفلام في قصور الثقافة والمكتبات التابعة للوزارة.
ليست السينما فقط
تعتبر الناقدة الفنية فايزة هنداوي أن تراجع بند الترفيه في اهتمامات المواطن المصري بفعل التضخم الاقتصادي، انعكس بشكل مباشر على نزهة السينما التي كانت نزهة عادية في المتناول بالنسبة للأسرة المتوسطة حتى عدة سنوات مضت، وشددت على أن حصاد السينما المصرية في 2025 يتضمن كثيراً من القضايا التي يمكن مناقشتها، لكن النسبة الهزيلة لعدد تذاكر الأفلام المصرية المباعة تتصدر هذا الجدل. واصفة التسعة ملايين تذكرة في ظل هذا التعداد السكاني الهائل بـ"الرقم الهزيل للغاية"، بسبب الحالة الاقتصادية الضاغطة. ومعتبرة أن الذهاب للسينما أصبح مكلفاً مثله مثل الذهاب لحضور العروض المسرحية والحفلات.
وأضافت هنداوي، "تقريباً موسم الأعياد هو الموسم الذي يشهد ازدحاماً على دور العرض والمسارح، بخلاف ذلك من الصعب على الشباب الصغير أن يوفر ثمن خروجة السينما أو المسرح بشكل انتظامي، لأن موازنة الأسرة مرهقة بالفعل بسبب بنود التعليم والملابس وتوفير النفقات اليومية".
لكن، الناقدة السينمائية تشير أيضاً إلى أن مشكلة توزيع الأفلام واحدة من أسباب تراجع مبيعات التذاكر كذلك، لعدم وصول بعض الأفلام من الأساس للجمهور بعكس أفلام أخرى تكون محظوظة بالتوزيع في عدد أكبر وأكثر تنوعاً من دور العرض، وأشارت أيضاً إلى أن ربما سهولة مشاهدة الأفلام على المنصات وقنوات "تيليغرام" سواء بطرق مشروعة أو غير مشروعة قد تكون أثرت في الاهتمام الجماهيري بالذهاب للسينما بعض الشيء، لكنها قللت من هذا التأثير، لافتة إلى أن الشريحة التي تفضّل مشاهدة الأفلام في دور العرض المجهزة مختلفة تماماً عن الفئة التي تنتظر عرض الفيلم في ما بعد ومشاهدته منزلياً.
نجوم العام
وفي حين أن أفلام الأكشن والكوميديا مثل "الشاطر والمشروع إكس وروكي الغلابة وريستارت ودرويش" لا تزال تلقى القبول الجماهيري الأكبر، دخلت أفلام ذات طبيعة رومانسية اجتماعية في قائمة المنافسة على الأعلى إيرادات مما يعد مؤشراً إيجابياً مثل "هيبتا: المحاضرة الأخيرة ولسلم والثعبان ولنا في الخيال حب".
أيضا هناك أفلام أيضاً لا يتصدر بطولتها نجوم تقليديون مثل "سيكو سيكو" بطولة عصام عمر وطه دسوقي دخلت المنافسة من الباب الأوسع، إذ تصدر فيلمهما الفيلم الأعلى إيراداً على الإطلاق في أفلام 2025 في مصر بإجمالي يزيد على الـ186 مليون جنيه (أربعة ملايين دولار تقريباً)، إذ اعتبر الفيلم الكوميدي الذي أخرجه عمر المهندس من أكثر أعمال السنة التي حظيت بإشادة نقدية كذلك.
هذه النقطة المضيئة يتحدث عنها مؤلف الفيلم محمد الدباح الذي لا يزال يرى أن الكوميديا نوع سينمائي صعب للغاية، بخاصة في عصر المواهب التي تحاصرنا ليل نهار عبر منصات عدة، مبدياً سعادته بهذا الإنجاز الذي أسهمت فيه كل عناصر الفيلم. لكنه يرى أن العام السينمائي المصري في 2025 كانت به عوامل أخرى تبعث على التفاؤل.
يعدد الدباح تلك العوامل "أبرزها التنوع الكبير سواء في الموضوعات المطروحة أو في الأسماء خلف وأمام الكاميرا، وحتى المواسم نفسها فلم يعد موسماً واحداً هو الذي يحظى بالاهتمام والزخم". مؤكداً أن هذه البيئة الإيجابية "تخلق أجواء تنافسية تدفع بالصناعة للأمام، وتجعل الصناع يركزون على التفاصيل شديدة الدقة التي تصنع بصمة وتميز منتجهم الإبداعي، وحتى في أنواع الأفلام نفسها، نحن نجتهد في دمج أكثر من نوع درامي معاً، كوميدي أكشن، كوميدي رومانسي، كوميدي اجتماعي، وغيره. والحقيقة في الكوميديا بالتحديد لا توجد وصفة سحرية، إنما البحث عن الإضحاك من مصدر غير متوقع وبناء السيناريو بذكاء لصنع طرافة ذكية يكون هو الشغل الشاغل".
ويرى الدباح الذي يمتلك في جعبته عدداً من الأعمال الناجحة وبينها فيلم "بيت الروبي"، أن الجمهور له يد كبيرة في تطوير الصناعة وتطور الأفكار، لأن معاييره أصبحت أعلى نظراً للاطلاع والمشاهدة المستمرة على المنصات وغيره، بالتالي فإنه يعاقب فوراً أي فيلم يجده دون المستوى ويعزف عن مشاهدته سينمائياً.
الخريطة تتغير
خريطة النجوم الذين يسيطرون على شباك التذاكر بالفعل تتغير بلا شك، ففي حين أن أفلام كريم عبد العزيز وتامر حسني وأمير كرارة وعمرو يوسف وأحمد السقا وأحمد فهمي ومنة شلبي ومحمد سعد حققت المراكز الأولى في قائمة الأعلى إيراداً، فقد كانت هناك أيضاً أفلام لأحمد مالك ومحمد ممدوح ومايان السيد وأحمد السعدني وأحمد صلاح حسني وماجد الكدواني حصدت مراكز متقدمة إلى حد كبير في قائمة الأعلى إيراداً في السينما المصرية هذا العام، وغالبيتهم أسماء أيضاً وإن كان لها حضور فني لا غبار عليه، لكنهم لم يكونوا في حسابات المنتجين كأسماء لها قوة جذب كبيرة في شباك التذاكر، إلا أنهم نجحوا في خطف الانتباه الجماهيري، والنقد باختيارات لافتة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
والحقيقة، أن هذه الأفلام جذبت مشاهدي السينما في مصر، وأيضاً في السعودية وفقاً للأرقام، وذلك على رغم وجود بعض التغييرات في ترتيب الأفلام المصرية الأكثر إقبالاً بين مصر والسعودية، وقد حصدت قائمة الأفلام في السعودية نحو 50 مليون دولار، والقائمة نفسها مع تعديلات طفيفة حصدت 30 مليون دولار في مصر، وربما التباين الكبير في الرقمين قد يعود لأن القائمة السعودية تضمنت بعض الأفلام التي انطلق عرضها نهاية 2024 وكانت ذات صدى جماهيري كبير وبينها "الحريفة – الهنا اللي إحنا فيه – الهوى سلطان". واللافت أيضاً أن هذه الأفلام الثلاثة لم تكن تضم نجوم شباك تذاكر بالمعنى المعتاد بل يمكن أن يطلق عليها أفلاماً تنتمي إلى فئة البطولات الجماعية.
تشدد الناقدة الفنية فايزة هنداوي على أن فكرة النجم لم تعد هي الأساس الوحيد في اختيار الفيلم الذي يشاهد في السينما، إنما الموضوع والفكرة والتنفيذ الجيد، فالأسماء الكبيرة والمخضرمة في رأيها لا يزال لها حضور قوي، لكن هذا الحضور لم يعد ضمانة وحيدة على النجاح الكاسح بعكس الماضي، بحيث كان يتغاضى المشاهد عن هنات نجمه المفضّل، لا سيما من نجوم الصف الأول، ويذهب لفيلمه في السينما حتى لو كان أقل من المتوقع.
وتتابع هنداوي، "على رغم أن الملاحظ أن الكوميديا لا تزال هي المسيطرة وتتربع على أولويات المشاهدة لدى الجمهور، وذلك لأن الجميع يبحث عن متنفس في ظل الظروف التي يمر بها العالم بشكل عام، فإن هناك وعياً سينمائياً ملحوظاً ومتزايداً بأهمية معيار الجودة".