Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الدين في السينما المصرية... أخطر التابوهات قبولا ورفضا

يفجر غالباً مواجهة ضارية مع الشريحة الأعلى صوتاً في المجتمع ويهدد بانفجار ليس أكبر خسائره السقوط في شباك التذاكر

خاضت بعض الأفلام معارك ضارية من أجل العرض، بينها "بحب السيما" الذي تناول حياة أسرة مسيحية متزمتة (مواقع التواصل)

ملخص

لكن الأمر في هذه الأيام يبدو أكثر رعباً سيما بالنسبة إلى المعنيين، إذ إنه بخلاف الرقابة الذاتية للمبدعين، وكذلك الرقابة المؤسسية من الجهات الفنية المنوطة، هناك رقابة مجتمعية مظاهرها صاخبة للغاية وتربك الحسابات، وعلى إثرها يمكن اتخاذ قرارات قد لا تكون في محلها.

بعد نحو خمس سنوات من بدء تصوير مشاهده الأولى، أخيراً استقبلت دور العرض المصرية فيلم "الملحد" من إخراج محمد جمال العدل وتأليف إبراهيم عيسى، إذ انطلق تصوير الفيلم في سبتمبر (أيلول) 2021، ولم يره الجمهور إلا مطلع 2026، بعد أن خاض رحلة طويلة من التأجيلات والجدل كادت تعصف بفكرة عرضه جماهيرياً على إثر دعاوى قضائية وتعنت غامض. فعلى ما يبدو أن عنوان الفيلم وحده كان كافياً بالنسبة إلى بعضهم، لتحديد مسار التعامل معه رقابياً من الجهات المعنية وغير المعنية.

وعلى رغم أن بعض المراقبين يرى أن وجود اسم الكاتب والروائي إبراهيم عيسى كمؤلف كفيل بأن يفجر حملات استباقية ضد الفيلم الذي يتعرض لقضية دينية شائكة، أسوة مع ما حدث مع أفلامه "مولانا" و"الضيف" و"صاحب المقام"، وجميعها ناقشت أفكاراً دينية جدلية بالنسبة إلى فئة كبيرة من المجتمع، أو أن مسألة أن الفيلم يتناول شخصية تنكر وجود الله هي سبب الأزمة الطويلة التي واجهها صناعه، ولكن المتابع للسينما في مصر يدرك جيداً أن أي فيلم يحمل أي تعرض، حتى ولو من بعيد، لأية قضية دينية سيواجه المصاعب نفسها على الغالب، مع تفاوت بعض الظروف، ففي حين أجيز فيلم "مولانا" من دون ملاحظات، وعلى رغم مناوشات القضايا وبعض حملات المقاطعة، فإن رحلته استمرت عامين فقط في التصوير والعرض، في حين استغرق فيلم "الملحد" خمس سنوات كاملة، أما المخرج عمرو سلامة، على سبيل المثال، فقد أنفق سبع سنوات من عمره تقريباً في محاولات إخراج فيلمه "لا مؤاخذة" للنور، الذي يحكي من ضمن ما يحكي عن طفل مسيحي يضطر إلى إخفاء ديانته عن أقران المدرسة خوفاً من الاضطهاد.

وعلى رغم أن التعامل الرقابي اختلف من حقبة لأخرى في ما يتعلق بهذه النوعية من الأفلام، إذ كان متفهماً حيناً ومتشدداً أحياناً، مستعملاً سياسة الرفض الصريح في بعض الأوقات، وفي غيرها يجيز العرض بعد الاستجابة لملاحظات ضخمة، لكن الحقيقة أن المطاردة لم تكن تنتهي عند بوابة السينما، إذ كان العمل الذي يحمل قضية دينية تصنف على أنها مثيرة للجدل يسقط من خريطة عروض القنوات البارزة، لا سيما الرسمية، ويصبح في طي النسيان، إذ تتخذ الرقابة أشكالاً وألواناً أخرى.

من يشوه السينما؟

إنها الطريقة التي دأبت عليها الجهات المعنية خلال عقود مضت، فعلى رغم أن السياسة والجنس يمثلان تابوهين خطرين في نظر المعنيين، فإن الدين يظل الأشد خطراً، لأنه يفجر مواجهة ضارية مع الشريحة الأعلى صوتاً في المجتمع، فهو يتعلق بقطاعات أكبر بكثير ممن يهتمون بعالم السياسة، ويهدد بانفجار ليس أكبر خسائره سقوط الفيلم في شباك التذاكر، وإنما مواجهة حامية مع صناع السياسة أنفسهم، الذين يفضلون عدم إزعاج تلك الفئة حتى لو كان العمل الفني نفسه لا يحمل شبهة فتنة أو إنكاراً للثوابت، وإنما فقط يطرح فكرة تطارد شخصية درامية يجري تفنيدها من جوانبها النفسية والمجتمعية.

وكان فيلم آخر قد خاض صراعاً مع الرقابة ومنع من العرض بصورة مفاجئة في مهرجان "الجونة" السينمائي العام قبل الماضي وسط صدمة السينمائيين، وهو الفيلم القصير "آخر المعجزات" لعبد الوهاب شوقي، عن قصة لنجيب محفوظ، إذ كانت الأسباب معروفة للجميع، وهي أن الفيلم يتعرض في صيغته لفكرة التصوف بصورة أو بأخرى من خلال شخصية درامية في العمل الذي قام ببطولته خالد كمال، قبل أن يعرض الفيلم أخيراً ضمن مهرجان القاهرة السينمائي في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي وسط إقبال جماهيري كبير، فقد نفدت تذاكره خلال ساعات.

 

ولم تحدث انفراجة في ملف الفيلم إلا بعد أن أصبح السيناريست عبدالرحيم كمال قائماً بأعمال رئيس جهاز الرقابة على المصنفات الفنية، يرى المخرج والمؤلف عبدالوهاب شوقي أن كمال أعاد الأمور لنصابها منذ إعلان وزارة الثقافة تعيينه مساعداً للوزير لشؤون رئاسة الرقابة على المصنفات الفنية خلفاً لخالد عبدالجليل، الذي ظل في منصبه سنوات طويلة.

ويشير شوقي إلى أن الرقابة أصبحت مؤسسة تسير وفق القانون ليكون هو الفيصل بينها والمبدع، مضيفاً "نتمنى ألا يرتبط هذا التغيير الإيجابي بشخص بعينه، وأن يصبح هناك التزام بالدستور والقانون، فحتى لو كان قانون الرقابة معيباً ومتزمتاً فإننا نوافق على الالتزام به، بدلاً من الفوضى والمصادرة الجائرة التي تعرضت لها السينما المصرية خلال الأعوام المنفضية، فالقانون المؤسسي هو العقد الذي يربط الفنان بجهاز الرقابة".

وبعيداً مما واجه فيلمه على وجه التحديد، يعتبر شوقي أن "الرقابة كانت في السنوات الأخيرة تتعامل بتشدد ملاحظ، بل كانت تمارس مهماتها بما يشبه الجور الدستوري، إذ في بعض الأوقات يجري تنحية القانون الذي يحكم عمل المؤسسة جانباً، لتصل الحال إلى أن تتحول مطالبات صناع السينما الذين عاشوا طوال حياتهم يحاولون تعديل هذه اللوائح المكبلة إلى التمسك والالتزام بتطبيق قانون الرقابة نفسه، بعيداً من هذا الانفلات المؤسسي".

ويتابع المخرج الذي يعمل على مشاريع جديدة عدة حالياً "كنا نسمع أيضاً في تلك الفترة المربكة عن جهات عدة تراقب الأعمال الفنية سراً، حتى بعد أن تجتاز المراحل المنصوص عليها رقابياً، مما يعتبر تعدياً دستورياً واضحاً، لأن هذا سلوك يخرق القانون ويخرج عنه ويشوه السينما".

دائرة الإشاعات

ومن المعروف أن المؤسسات الدينية منوط بها متابعة الأفلام التي تتناول أموراً دينية بحتة مثل سير الشخصيات الدينية لإبداء الرأي الشرعي بها، بخاصة إذا تضمنت أحكاماً ونصوصاً وأحداثاً بعينها، حتى إن سيناريو فيلم "الملحد" نفسه تمت الموافقة على تصويره من دون أية ملاحظات تقريباً، لأنه في النهاية عمل اجتماعي وليس دينياً، بالتالي لم يكن هناك سبب لعرضه رقابياً على أية مؤسسة دينية، ولكن يبدو أن الجدل الاستباقي والدعاية السلبية التي صاحبت التقدم في تصوير الفيلم وتصريحات أبطاله أثارت حفيظة البعض، ولكن وفق ما يراه أحد العاملين في جهاز الرقابة على المصنفات الفنية، واتفق معه بعض طاقم عمل "الملحد"، فإن مؤسسة الرقابة أجازت الفيلم بعد التصوير من دون ملاحظات وتعطل العرض لأسباب غامضة، إذ تردد حينها أن هناك بعض الجهات الدينية أبدت تخوفها من عرضه ولهذا حدث التعطيل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتوقع المصدر أن السبب هو الترويج الخاطئ والمغلوط بأن الفيلم يروج للإلحاد، وكذلك بسبب شخصية رجل الدين المتطرف الذي يفسر الأحكام بصورة خاطئة وفقاً لأهوائه، وهو الدور الذي جسده محمود حميدة، بينما جسد أحمد حاتم دور الابن الذي يعلن كفره بسبب البيئة السامة التي تشوه الدين.

هذا الغموض الذي شاب رحلة الفيلم ينتظر كثيرون ألا يتكرر، بخاصة أن العمل نفسه بشهادة الجماهير بعيد كل البعد من الحملات المتطرفة التي اعتبرت أنه يشجع على الإلحاد لمجرد أنه يناقش الظاهرة وأسبابها، بل إن هناك من وجده فيلماً توعوياً، أي على عكس ما قيل عنه تماماً من قبل من تصدوا لمهاجمته.

اعتراضات فنية

كانت أفلام أخرى خاضت معارك ضارية من أجل العرض، بينها بالطبع "بحب السيما" الذي تناول حياة أسرة مسيحية متزمتة، و"واحد صفر" لمجرد أنه استعرض أزمة الطلاق في المسيحية، فيما كان المخرج عمرو سلامة على موعد أكثر من مرة مع مشكلات شبيهة، فبعد "لا مؤاخذة" صدم بطريقة التعامل مع فيلمه "الشيخ جاكسون" الذي تناول قصة شيخ متدين كان يعرف باسم "جاكسون" في مراهقته لولعه بمطرب البوب الراحل مايكل جاكسون، إذ شهد الفيلم اعتراضات عديدة سواء على محتواه أو حتى اسمه، وحتى بعد عرضه جماهيرياً واختياره لتمثيل مصر في مسابقة "الأوسكار" وقتها، فوجئ صناعه بقرار النيابة عرضه على لجنة من مؤسسة الأزهر لإبداء رأيها في اتهامه بازدراء الإسلام بل والإساءة لمصر، كما جرى استدعاء بطله أحمد الفيشاوي ومخرجه عمرو سلامة للتحقيق، وحينها علق الأخير على الموقف بأكمله قائلاً في تدوينة انتشرت واسعاً حينها "هل سيقيم الأعمال الإبداعية علماء دين ليسوا متخصصين في الفن أو الإبداع؟ وهل يجب بعد ذلك أن نفكر في كل أفلامنا من منطلق ديني؟"، ولفت النظر إلى أن الفيلم ليس دينياً كي يعرض على أية مؤسسة دينية.

 

وكثيراً ما شكلت العلاقة بين الإنسان والخالق هاجساً لدى صناع السينما، حتى وإن لم تكن الموضوع المباشر لأعمالهم، فالمناجاة التي خاضها آسر ياسين من خلال شخصية "يحيى" في فيلم "رسائل البحر" كانت تعتبر جريئة وقوية في نظر كثيرين، لكنها تجاوزت التأزم الرقابي عن طريق حنكة مخرجه الراحل داوود عبدالسيد، وكذا كان الفنان نور الشريف من أكثر النجوم المهمومين بهذا الأمر، وحرص على تناول عدد من القضايا الدينية الحساسة في أفلامه، سواء كمحور أساس أم فرعي، وقدم شخصية المتشكك أو الملحد بصورة عميقة في أفلام عديدة بينها "الإخوة الأعداء" و"لقاء هناك" و"الرقص مع الشيطان" و"قلب الليل" و"صديق الشيطان" و"السكرية". واللافت أن المواجهات الرقابية لم تكن كافية لمعاقبة بعض هذه الأعمال. كما قدم محمود مرسي شخصية الرجل الذي يمر بمرحلة من التشكك ويواجه أسئلة وجودية في فيلم "الشحات"، إذ جرى الحكم على غالبية تلك الأفلام بصورة ضمنية بعدم العرض عبر قنوات التليفزيون إلا في أضيق الحدود، وإذا عرضت كان يجري حذف المشاهد الجدلية، وهو ما أكده مسؤول مخضرم عمل في برمجة عديد من القنوات التليفزيونية البارزة.

مغازلة الجمهور الخطأ

لكن الأمر في هذه الأيام يبدو أكثر رعباً سيما بالنسبة إلى المعنيين، إذ إنه بخلاف الرقابة الذاتية للمبدعين، وكذلك الرقابة المؤسسية من الجهات الفنية المنوطة، هناك رقابة مجتمعية مظاهرها صاخبة للغاية وتربك الحسابات، وعلى إثرها يمكن اتخاذ قرارات قد لا تكون في محلها.

يعتقد المخرج عبدالوهاب شوقي أن انصياع الدولة للرقابة المجتمعية حالياً هي الظاهرة الأكثر خطراً في هذه المعادلة المتعلقة بطريقة تلقي الأفلام التي تتعرض لأية فكرة تمس الأديان حتى لو بصورة غير مباشرة، متابعاً "اللافت أن جماعات المعلقين الذين يسببون كل هذا الإزعاج لا يمثلون غالبية المجتمع، بل جمهور محدود ولكنه الأكثر نشاطاً وانخراطاً في التعليق على وسائل التواصل الإجتماعي واللجان الإلكترونية، ويجري اتخاذ تلك الحملات ذريعة لقرارات من شأنها تعطيل ومنع عرض الأفلام من دون أدنى معرفة بمحتواها أو مشاهدتها، وبناء على معلومات مغلوطة، فيما الجهات نفسها التي تحاول مغازلة هذا الجمهور المحافظ بتلك القرارات تتعرض لحملات هجوم منه يومياً، فهذه الجماعات تهاجم حتى دار الإفتاء، ناهيك بأنها كارهة للفنون بأنواعها وليس فقط تلك التي تتعرض لقضايا دينية".

ويحاول شوقي تحليل الموقف بصورة أكثر تفصيلاً، مذكراً بأن هذا التيار نفسه يحارب أي محتوى فني، حتى لو كان دراما شعبية أو اجتماعية أو رومانسية، فهو مثل وحش انطلق منذ ثمانينيات القرن الماضي في ظروف سياسية الجميع يعلمها.

ويختتم بتلخيص الموقف من وجهة نظره قائلاً "الفن هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن يقف في مواجهة هذا التطرف، فالرجعية لن يهزمها السلاح وإنما الفنون والفكر الحر فقط، ولهذا على المؤسسات الباحثة عن حلول أن تقف مع الفن، لا أن تقدمه قرباناً لظواهر اجتماعية تصرخ ليل نهار وتعترض على أي مظهر أو ملمح ثقافي وإبداعي".

اقرأ المزيد

المزيد من سينما