Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا يفضل قطاع المال في لندن الابتعاد عن أوروبا؟

مصارف العاصمة البريطانية تتحفظ على تقارب أوثق مع الاتحاد الأوروبي مفضلة السرعة والمرونة على التوحيد ومع بروز "وول ستريت" كمنافس عالمي فإن القطاع سيخسر

استعادت لندن صدارتها المالية العالمية في عام 2024 (غيتي)

ملخص

المركز المالي في لندن يرفض إدخال قطاع الخدمات المالية في أي تقارب تنظيمي مع الاتحاد الأوروبي، مفضلاً الحفاظ على المرونة والسرعة والتنافسية العالمية في مواجهة الولايات المتحدة، حتى لو كان ذلك على حساب تسهيل العلاقات مع أوروبا. وبعد صدمة "بريكست" واستعادة لندن موقعها المالي، يرى القطاع أن كلفة التقارب الأوروبي في التنظيم أعلى من منافعه، وأن المنافس الحقيقي هو "وول ستريت" لا بروكسل.

"شكراً، ولكن لا شكراً". هذه هي رسالة حي المال في لندن عندما يتعلق الأمر بالسعي إلى توثيق العلاقات مع الاتحاد الأوروبي الذي ينتهجه رئيس الوزراء كير ستارمر. إنها رسالة تنقل بهدوء، ولكن بوضوح تام.

يبدو أن ستارمر سمع الرسالة. فقطاع الخدمات المالية البريطاني لن يكون جزءاً من أية "إعادة ضبط" لعلاقة "بريكست"، والمركز المالي أكثر من سعيد بهذا الوضع.

للبدء، هناك مسألة مكافآت المصرفيين، التي تفرض عليها سقوف في الاتحاد الأوروبي، ولكن ليس في المملكة المتحدة. يهم المصرفيين وجود بيئة تتيح تحقيق عوائد مرتفعة بوتيرة أسرع، وهو ما توفره لندن. ويشير كبار المصرفيين إلى المرونة التي باتت لديهم الآن في رفع أو خفض كتلة الرواتب بحسب الحاجة، على عكس الاتحاد الأوروبي، إذ يميل المصرفيون إلى الحصول على رواتب أساس أعلى بكثير لتعويض غياب المكافآت الضخمة.

ومن اللافت أن الجهات التنظيمية البريطانية لم تكن يوماً متحمسة لفكرة هذا السقف، إذ ترى أن الرواتب الأساس المرتفعة جداً في أوروبا قد تضعف قدرة المصارف على الحفاظ على رؤوس أموالها خلال أوقات الأزمات. بعبارة أخرى، فإن التشدد قد يضعف أحياناً، بدلاً من أن يعزز، متانة النظام المالي.

لكن المسألة لا تقتصر على المكافآت، بل تتضمن ما هو أبعد من ذلك بكثير. ما يهم حقاً هو السرعة والاستقلالية والقدرة التنافسية العالمية.

قال لي أحد المصرفيين، الذي تميل مواقفه السياسية الشخصية إلى تأييد أوروبا: "انظر إلى الأمر بهذه الطريقة. لندن مركز عالمي. لا تتعامل مع أوروبا فقط ولا تنافسها وحدها، بل هناك الولايات المتحدة أيضاً. وإذا نظرت إلى ما يحدث هناك، فسترى اندفاعة ضخمة نحو تخفيف القيود التنظيمية بقيادة الرئيس ترمب. المصارف لديها متطلبات رأسمالية أقل، ويمكنها الإقراض بمرونة أكبر".

وأضاف: "على المملكة المتحدة أن تواكب الاندفاعة الأميركية نحو تخفيف القيود. فإذا اصطففنا مع الاتحاد الأوروبي في تنظيم الخدمات المالية، سنربط أنفسنا بنظام بطيء الحركة. وإذا اخترنا نموذجاً تنظيمياً أكثر تشدداً وبوتيرة تغيير أبطأ من الولايات المتحدة، فإننا نخاطر بخسارة قدرتنا التنافسية".

هذا الرأي شائع على نطاق واسع في "قلب لندن المالي". وهو ينعكس في موقف "ذا سيتي يو كاي" TheCityUK، جماعة الضغط الرئيسة في القطاع. ويشير مديرها التنفيذي مايلز سيليك إلى أن الاتحاد الأوروبي ليس سوى ثاني أكبر سوق للخدمات المالية البريطانية. أما الأكبر؟ فهو الولايات المتحدة.

يقول سيليك: "إن التعاون الوثيق مع أوروبا أمر منطقي، لكن العودة إلى السوق الموحدة أو إلى اتحاد جمركي ليست مجرد خطوة تقنية بسيطة. فبصفتها دولة من خارج الاتحاد، ستجد المملكة المتحدة نفسها أمام مقايضة واضحة: إما الحفاظ على مرونتها في رسم سياساتها التجارية، أو القبول بإطار أوروبي موحد يقيد قدرتها على صياغة قواعدها الخاصة ويقلص فرصها في إبرام اتفاقات مفصلة على مقاسها خارج أوروبا. وكما هي الحال دائماً، لا مكاسب هنا من دون أثمان".

ويضيف، "بالنسبة إلى قطاعنا، فإن الانضمام إلى اتحاد جمركي لن يغير كثيراً في واقع الشركات نفسها، لكنه قد يضعف موقع المملكة المتحدة في مفاوضات التجارة الأوسع. ومن ثم فإن السؤال الحقيقي لا يقتصر على تسهيل انسياب التجارة مع الاتحاد الأوروبي، بل يتعلق بمدى الحرية التي تريدها بريطانيا في قطاع ينافس على مستوى عالمي: هل تختار مساراً أضيق نطاقاً لكنه ربما أعمق اندماجاً، أم تفضل الاحتفاظ بقدرتها على التحرك بسرعة كلما تغيرت الظروف؟".

في الخدمات المالية، يبدو أن الخيار الثاني هو الأولوية الواضحة. فالتكنولوجيا تعيد تشكيل القطاع بوتيرة متسارعة. الجيل الجديد من العملات المشفرة، أي العملات المستقرة المدعومة بالأصول، يثير ضجة لا تقل عن الإعلان عن جولة غنائية لتايلور سويفت. ولم تكن القدرة على التحرك بسرعة أكثر أهمية مما هي عليه اليوم - وهنا تحديداً تكمن معاناة أوروبا. فبيروقراطيتها المتصلبة وبنيتها التنظيمية تنظر إليها برعب في أجزاء واسعة من المركز المالي البريطاني، ولا سيما في ضوء الانتعاش الأخير في أوضاعه.

وضع إصدار عام 2025 من "مؤشر المراكز المالية العالمية" لندن في المرتبة الثانية، بفارق نقطة واحدة فقط خلف نيويورك، وكانت المدينة الأوروبية الوحيدة ضمن قائمة الـ10 الأوائل. وجاءت فرانكفورت بعدها في المركز الـ12، متراجعة مرتبة واحدة، فيما فقدت باريس (18)، ولوكسمبورغ (19)، ودبلن (20) مواقعها مقارنة بعام 2024. وحدها زيورخ حسنت ترتيبها، إذ قفزت خمس مراتب لتصل إلى المركز الـ16. أما المراكز الآسيوية فكانت من بين أكبر الرابحين في التصنيف، بالتالي من أبرز مصادر التهديد التنافسي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هذا الأمر يكتسب أهمية خاصة لأن ثقة القطاع المالي في لندن اهتزت بشدة بعد "بريكست". فخلال عملية الانسحاب، وجهت انتقادات حادة إلى حكومة بوريس جونسون لتجاهلها قطاع الخدمات المالية في مفاوضات الخروج مع الاتحاد الأوروبي. وأعقب ذلك فقدان آلاف الوظائف، وتبدد الآمال في أن يحصل القطاع على وضع "التكافؤ" التنظيمي مع أوروبا. وخلال الأعوام التالية، خسرت لندن موقعها كأكبر مركز لتداول الأسهم في القارة لمصلحة أمستردام، فيما تجاوزت باريس بورصة لندن من حيث القيمة السوقية. غير أن لندن استعادت عرشها خلال عام 2024.

وتظل الخدمات المالية من القطاعات القليلة التي يمكن القول إن أوروبا تحتاج فيها إلى لندن أكثر مما تحتاج لندن إلى أوروبا. واليوم، يقلق القطاع المالي في لندن من "وول ستريت" بوصفها منافساً أكثر بكثير مما يقلق من علاقاته مع الاتحاد الأوروبي. وهذه الحقيقة تؤكد خلاصة سيليك: قد تكون كلفة هذا التقارب أعلى من منافعه عندما يتعلق الأمر بتنظيم الخدمات المالية.

ومع أن الانضمام إلى اتحاد جمركي ينطوي على عيوب كبيرة - وبعض السياسيين البريطانيين الأكثر حماسة يحتاجون حقاً إلى أن يتعلموا القيام بواجبهم البحثي - فإنني ما زلت أؤيد الانضمام إلى السوق الموحدة. صحيح أن ذلك سيجعل المملكة المتحدة "منصاعة للقواعد"، على غرار النرويج أو سويسرا، لكن الفوائد الاقتصادية على مستوى البلاد ستكون كبيرة إلى حد يجعل من المجدي تجاوز اعتراضات القطاع المالي في لندن.

لكن يبدو أن كير ستارمر استبعد هذا الخيار، وإن كان من الصعب الجزم بذلك في ظل فريقه المعروف بكثرة الانعطافات المفاجئة. كما أن هذا المسار سيتطلب تعاون أوروبا، التي قد لا تكون متحمسة له، ولا سيما في ظل تصدر نايجل فاراج استطلاعات الرأي. وفي غياب ذلك، ينبغي أن تكون الأولوية للتعاون مع الاتحاد الأوروبي في مجالات أخرى غير القطاع المالي في لندن.

استطلاعات الرأي أشارت مراراً إلى أن غالبية واضحة من البريطانيين تؤيد علاقات أوثق مع الاتحاد الأوروبي، وصولاً إلى حد تجديد العضوية. وأنا أؤيد هذا الخيار الأخير، لكنني سأكون مهتماً حقاً بمعرفة نتائج استطلاع مماثل داخل القطاع المالي في لندن نفسه، وتحديداً بين صناع القرار فيه. لست واثقاً من أنهم سيكونون متحمسين.

© The Independent

المزيد من آراء