Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أوروبا تقرع أجراس التفاوض مع بوتين لتسمعها واشنطن

متابعون: استراتيجية المواجهة لم تحقق النتائج المرجوة وحلفاء أوكرانيا بدأوا بالفعل البحث عن وسيط

تشير الوقائع إلى أن هؤلاء القادة يرغبون في اللحاق بقاطرة الحوار الروسي - الأميركي (أ ف ب)

ملخص

بحسب صحيفة "ذا يوروبيان كونسيرفاتيف"، فإن "الاتحاد الأوروبي يستعد حالياً لما لم يكن من الممكن تصوره، وتظهر دلائل على أن أوروبا تستعد بحرارة للتفاوض مع موسكو"، وأشارت إلى أن "مثل هذه الخطوة ستشكل تحولاً كبيراً عن سياسة الاتحاد الأوروبي السابقة".

يبدي القادة الأوروبيون استعدادهم لاستئناف الحوار مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في بادرة لم تكُن واردة قبل أشهر قليلة. وتشير الوقائع إلى أن هؤلاء القادة يرغبون في اللحاق بقاطرة الحوار الروسي - الأميركي التي انطلقت منذ عودة دونالد ترمب للتربع على سدة الحكم في البيت الأبيض العام الماضي، ولا سيما بعدما وجد حكام دول "القارة العجوز" أنفسهم على هامش النقاشات الجارية بين موسكو وواشنطن سراً وعلناً وعلى قارعة طريق التفاوض في شأن الأزمة الأوكرانية التي سممت علاقاتهم مع بوتين، وقطعت عرى صداقتهم معه منذ بدء حربه في أوكرانيا عام 2022.

وبحسب صحيفة "ذا يوروبيان كونسيرفاتيف"، فإن "الاتحاد الأوروبي يستعد حالياً لما لم يكُن من الممكن تصوره، وتظهر دلائل على أن أوروبا تستعد بحرارة للتفاوض مع موسكو"، وأشارت إلى أن "مثل هذه الخطوة ستشكل تحولاً كبيراً عن سياسة الاتحاد الأوروبي السابقة التي كانت تقوم على المواجهة مع روسيا. فالاستراتيجية الأوروبية لم تحقق النتائج المرجوة حتى الآن".

في منتصف الطريق

وبوتين يتابع بشغف التحول الأوروبي نحو "الهرولة" للتفاوض معه، ويقول إن موسكو لا تزال على استعداد لحل المشكلات المتراكمة مع الدول الأوروبية خلال الأعوام الأخيرة سلمياً وعبر المفاوضات، وشدد خلال اجتماع موسع لمجلس وزارة الدفاع على أن الإدارة الأميركية أبدت رغبة في الحوار، وأن الاتصالات المباشرة بين موسكو وواشنطن مستمرة. وتابع "آمل أن يحدث الشيء نفسه في أوروبا. من غير المرجح أن يكون ذلك ممكناً في ظل النخب السياسية الحالية، لكنه أمر لا مفر منه على أية حال مع استمرارنا في تعزيز موقفنا".

ويؤكد بوتين أن انتشار نظرية الهجوم الروسي الوشيك المزعوم على أوروبا لا أساس له من الصحة، مشدداً على أن بلاده، حتى في أصعب الظروف، سعت جاهدة "حتى النهاية ما دامت هناك أدنى فرصة" إلى إيجاد حلول دبلوماسية للتناقضات والصراعات.

ويقول الرئيس الروسي "عاجلاً أم آجلاً، سنبدأ التحرك نحو استعادة العلاقات مع أوروبا. ومن المهم بالنسبة إلينا أن يتذكر ملايين الأوروبيين، قادة الدول التي تنتهج سياسات سيادية، أحداث الحرب الوطنية العظمى (الحرب العالمية الثانية). هذا يغرس فينا التفاؤل والأمل في أنه عاجلاً أم آجلاً، وبالاستناد إلى دروس التاريخ وآراء شعوبنا، سنبدأ بالتحرك نحو استعادة العلاقات البناءة مع الدول الأوروبية".

 

ويمنّي بوتين القادة الأوروبيين بوعدهم بأن أوروبا بحاجة إلى علاقات جيدة مع موسكو لتبقى قوة عالمية عظمى، إذ قال خلال اجتماع مع دبلوماسيي وزارة الخارجية الروسية "إذا أرادت أوروبا الحفاظ على مكانتها كقوة عالمية، فعليها الحفاظ على علاقات جيدة مع روسيا، وموسكو مستعدة لذلك".

وأضاف "إذا أرادت أوروبا الحفاظ على مكانتها كمركز مستقل للتنمية العالمية ومركز ثقافي وحضاري على كوكب الأرض، فعليها أن تقيم علاقات جيدة وودية مع روسيا"، مشيراً إلى أن جميع الدول الأوروبية تعيش في القارة نفسها، لذا سيتعين عليها بطريقة أو بأخرى التعايش والعمل معاً.

وينفي بوتين بشدة التكهنات التي تشير إلى أن روسيا تخطط لمهاجمة أوروبا، واصفاً إياها بأنها مجرد تكهنات، بل "هراء محض". ويؤكد في مجالسه الخاصة أن "الخطر الذي يهدد أوروبا ليس روسيا، بل اعتمادها الشديد شبه الكامل على الولايات المتحدة".

وبحسب قوله، دأبت روسيا على تقديم حلول أمنية بناءة إلى شركائها الأجانب، لكن جميع المحاولات قوبلت بالتجاهل، ويشير إلى أن أنانية الدول الغربية وغرورها أديا إلى الوضع الراهن شديد الخطر.

وعلى رغم ذلك، أعرب الرئيس الروسي خلال حفل تسليم أوراق اعتماد 34 سفيراً أجنبياً جديداً في الكرملين في الـ14 من يناير (كانون الثاني) الجاري عن استعداد موسكو لاستعادة العلاقات مع عدد من الدول الأوروبية، مشيراً إلى أن الوضع الحالي للروابط الثنائية "ليس على المستوى المطلوب".

وقال بوتين مخاطباً السفراء الأوروبيين "لعلاقاتنا مع كل دولة أوروبية ممثلة هنا، سلوفينيا وفرنسا والتشيك والبرتغال والنرويج والسويد والنمسا وسويسرا وإيطاليا، جذور تاريخية عميقة، وهي مليئة بأمثلة الشراكة المربحة للطرفين والتعاون الثقافي الثري".

وأكد بوتين أن روسيا تبقى منفتحة على إمكان تحسين العلاقات، قائلاً "نأمل أن يتغير الوضع مع مرور الوقت، وأن تعود دولنا للتواصل الطبيعي البناء القائم على مبادئ احترام المصالح الوطنية، مع مراعاة المصالح في مجال الأمن".

وخلص إلى أن "روسيا كانت وستظل ملتزمة هذا النهج، ومستعدة لاستعادة مستوى العلاقات الضروري لنا".

جنوح نحو التفاوض

واقتنعت النخب السياسية الحالية في الاتحاد الأوروبي بأن العودة للحوار مع موسكو ضرورية وأن تليين وتغيير موقفها تجاه الأزمة الأوكرانية سيجعلان هذا الحوار "أمراً لا مفر منه".

وتأتي هذه المواقف فيما تظل العلاقات بين روسيا وكثير من الدول الأوروبية متوترة بسبب الخلافات الجيوسياسية والعقوبات الغربية، ولا سيما في ضوء الأزمة الأوكرانية المستمرة. ويمثل خطاب بوتين دعوة دبلوماسية إلى إعادة فتح قنوات الحوار مع الجانب الأوروبي الذي كان هو المتسبب في تدهور العلاقات.

ويسعى حلفاء أوكرانيا في الاتحاد الأوروبي إلى التغلغل في النظام باتباع نهج الولايات المتحدة التي تجري حواراً مع الرئيس الروسي، وصرح عالم السياسة يوري سفيتوف بأن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هو الزعيم الأوروبي الوحيد الذي يعرف كيف يتحدث مع بوتين في الوقت الراهن.

ويقول "من الواضح أن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر لن يتحدث لأنه لم يسبق له التحدث مع بوتين ولا يعرفه. كذلك فإن المستشار الألماني فريدريش ميرتس لم يتحدث مع بوتين عندما صار مستشاراً. لذلك، فإن الشخص الذي يعرف في الأقل كيفية التحدث مع بوتين هو الذي يبرز، وهو ماكرون. وفي هذا الصدد هو الفائز الواضح".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي تصريح فاجأ الأوساط السياسية في موسكو في أوائل يناير الجاري، وصف ميرتس روسيا بالجارة الأوروبية الكبرى، وقال إنه يجب إيجاد تسوية معها وإن التوصل إلى توازن معها سيمكن أوروبا من "النظر بثقة إلى المستقبل".

وشدد ميرتس على ضرورة إيجاد تسوية مع روسيا، معتبراً أنها دولة أوروبية، وقال "إذا تمكنا من إعادة السلام والحرية لأوروبا، ومن التوصل إلى تسوية مع جارتنا الأوروبية الكبرى، أي روسيا، فسنتمكن بعد عام 2026 من النظر إلى المستقبل بنظرة واثقة. روسيا هي دولة أوروبية".

وفي وقت سابق من يناير الجاري، قال ميرتس خلال تصريح دغدغ عواطف ومصالح الكرملين إن نشر قوات متعددة الجنسيات في أوكرانيا "سيظل أمراً لا يمكن تحقيقه على الأرض من دون موافقة روسيا"، مضيفاً "ينبغي أن يكون ترتيب العمل وفق النحو التالي أولاً، وقف إطلاق النار، ثم ضمانات أمنية لأوكرانيا، وبعدها اتفاق سلام طويل الأمد مع روسيا. وكل هذا مستحيل من دون موافقة موسكو، ويبدو أننا ما زلنا بعيدين جداً من تحقيق ذلك".

وكان الرئيس الفرنسي سبقه إلى الإعلان عن أنه سيجري محادثة مع بوتين خلال الأسابيع المقبلة، ورجح رئيس الجمهورية الخامسة أن تكون المحادثة مفيدة، ولاقى اقتراح ماكرون استئناف المفاوضات مع موسكو لإيجاد حل سلمي للنزاع في أوكرانيا استنكاراً أوروبياً لحظة إطلاقه، ليتحول هذا الاستنكار لاحقاً إلى تأييد شبه إجماعي في الاتحاد الأوروبي.

وبحسب دبلوماسيين أوروبيين، لا يمكن مناقشة كثير من القضايا مع الولايات المتحدة فقط لأنها تؤثر في أمن الاتحاد الأوروبي، وتدرك النخب الأوروبية بصورة متزايدة ضرورة الحوار مع روسيا.

وينقل موقع "بوليتيكو" عن مصدر أوروبي رفيع قوله إن "الرسالة الموجهة إلى واشنطن لا تقل أهمية عن الرسالة الموجهة إلى موسكو"، ويشير الموقع إلى أن المفتاح بالنسبة إلى أوروبا هو أن تثبت لواشنطن أن الاتحاد الأوروبي لديه أدوات نفوذ خاصة به ستمنع الولايات المتحدة من تجاوز الخطوط الحمراء الأوروبية.

من جهتها صرحت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني سابقاً بأن الوقت قد حان للتحدث مع بوتين، وتعتقد المتحدثة باسم المفوضية الأوروبية باولا بينهو بأن أوروبا ستضطر يوماً ما إلى فتح مفاوضات مع روسيا. وأثار الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب إمكان إجراء مفاوضات مع روسيا خلال ربيع العام الماضي، لكنه أشار إلى عدم وجود رغبة حالياً في ذلك.

وسيط أوروبي

وبدأت أوروبا بالفعل اختيار وسيط أوروبي، فخلال المرحلة الأولى قد يتولى رئيس الوزراء الإيطالي السابق ماريو دراغي هذا الدور، ومع ذلك لا يستهان بدور ماكرون في الاتحاد الأوروبي، إذ يزعم أنه تمكن أيضاً من الحفاظ على قنوات اتصال سرية فاعلة مع الكرملين.

وأفادت صحيفة "بوليتيكو" نقلاً عن مصادر بأن دول الاتحاد الأوروبي تدرس إمكان تعيين ممثل خاص لمفاوضات السلام في أوكرانيا، يكون مخولاً بالتفاوض مع الجانب الروسي نيابة عن الاتحاد. وقالت المصادر إن إمكان تعيين مبعوث خاص من الاتحاد الأوروبي للتسوية الأوكرانية كان بحث خلال قمة قادة الاتحاد الأوروبي في مارس (آذار) عام 2025، ولكن الفكرة كانت أن يشارك في المفاوضات إلى جانب الوفد الأوكراني، ولم تنفذ هذه المبادرة قط.

وأشارت الصحيفة إلى أن الأفكار حول ضرورة الحوار مع روسيا بدأت تتبلور في أوروبا خلال الأسابيع الأخيرة، كما صرح بذلك علناً ماكرون وميلوني.

وقالت مصادر الصحيفة في الاتحاد الأوروبي إنه وسط هذه الظروف، بدأ التكتل مجدداً مناقشة فكرة تعيين ممثل خاص، إذ يخشى الاتحاد الأوروبي من عجز بروكسل عن الدفاع عن مصالحها وموقفها من دون الجلوس إلى طاولة المفاوضات.

 

ووصفت الصحيفة هذا بأنه "خطوة غير مسبوقة ستمثل تحولاً جوهرياً في كيفية تعامل أوروبا مع المفاوضات الثنائية حول التسوية الأوكرانية التي يتوسط فيها الرئيس الأميركي دونالد ترمب".

وقال مسؤول فرنسي لم يكشف عن اسمه للصحيفة "لقد روج ماكرون خلال الأيام الأخيرة لفكرة أنه بالنظر إلى المحادثات الثنائية الجارية على قدم وساق بين الأميركيين والروس، من المهم أن يقوم هو وقادة أوروبا بدور ما في الأقل ضمن هذه المفاوضات. ميلوني مؤيدة قوية لهذا، فهم ليسوا ساذجين ويدركون ما يمكن تحقيقه في مثل هذه المحادثات، ولكن في مواجهة الخيار بين مشاركة العواصم الأوروبية وعدم مشاركتها، هناك فهم متزايد لأهمية أن يكونوا موجودين فيها".

وأشارت "بوليتيكو" إلى أن كثيراً من تفاصيل هذه المبادرة لا تزال موضع نقاش حاد كرتبة الممثل الخاص ولمن سيرفع تقاريره وما إذا كان منصبه رسمياً أو غير ذلك، وهل سيمثل الاتحاد الأوروبي فقط أو "تحالف الراغبين".

وترى أوروبا أن تعيين وسيط للمفاوضات أمر ضروري لأنه بحسب الرئيس الروسي، أوروبا نفسها نأت بنفسها في مرحلة ما عن الحوار مع موسكو، متبنية فكرة إلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا. ويعتقد بوتين بأن مفتاح استئناف المفاوضات يكمن في أن تتوقف أوروبا عن العيش في الأوهام وتعود للمفاوضات في شأن أوكرانيا، آخذة في الاعتبار الحقائق على أرض الواقع.

ويبتسم بوتين في سرّه، حين يستمع إلى رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين وهي تقول إن الاتحاد الأوروبي يعمل على أن يصبح "قوة عسكرية" ويباشر إعداد استراتيجية أمنية مستقلة.

وأفاد موقع "أوروأكتيف"، نقلاً عن مصادر من مشاركين في اجتماع مغلق، بأن فون دير لاين قدمت هذه الرؤية في إطار "جهود الاتحاد لتعزيز استقلاليته الدفاعية وقدرته على التصرف بصورة مستقلة عن الولايات المتحدة في الشؤون الأمنية".

وجاءت تصريحات فون دير لاين وسط تحذيرات قيادات أوروبية من أن أي تدخل عسكري أميركي مباشر في غرينلاند سيشكل ضربة قاصمة للنظام الدولي للأمن الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية.

ونقل "بوليتيكو" عن مصادر دبلوماسية أوروبية أن الحكومات الأوروبية تعمل جاهدة لتجنب مواجهة عسكرية مع واشنطن لأنها تعتبر أن خطوة كهذه ستنهي المبادئ التي قام عليها الاستقرار الجيوسياسي منذ عقود.

إغراءات الكرملين

بحسب عالم السياسة سفيتوف، فإن خلفية محادثة محتملة بين بوتين وماكرون ستكون زيارة الممثل الخاص للرئيس الروسي كيريل ديميترييف إلى الولايات المتحدة لإجراء محادثات مع الوفد الأميركي.

ويقول "هناك تكهنات بأن ترمب سيلتقي مبعوث بوتين، كيريل ديميترييف في نهاية المطاف من أجل مناقشة صياغة شبه نهائية لخطة التسوية في أوكرانيا. وإذا عقد هذا اللقاء فسيحدد مسار الحوار مع ماكرون. أما إذا لم يعقد وانتهت المحادثات بمجرد الإعلان عن عقدها، فسيكون لذلك تأثير مختلف تماماً".

ويضيف "على أية حال، أكد بوتين أنه سيكرر لماكرون ما قاله مراراً وتكراراً، روسيا مستعدة لاستئناف تزويدكم بموارد الطاقة الرخيصة وستتسامح مع شركاتكم التي غادرت وتسمح بعودتها وفق شروطها. ثانياً، لا تنوي مهاجمة الدول الأوروبية، وهي مستعدة لتوقيع اتفاق ملزم للطرفين مع أوروبا يضمن عدم وقوع مثل هذا الهجوم. ثالثاً، مقابل ذلك، سيبلغ بوتين الرئيس الفرنسي بصورة مباشرة وصريحة أن أية محاولة لنشر قوات أوروبية ومن بينها فرنسية على الأراضي الأوكرانية ستجعل من هذه القوات هدفاً عسكرياً".

في هذه الأثناء، أفادت صحيفة "بوليتيكو" بأن المملكة المتحدة ترفض الدعوات الفرنسية - الإيطالية إلى استئناف المفاوضات مع القيادة الروسية لحل النزاع في أوكرانيا. فخلال مقابلة مع الصحيفة، رفضت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر مقترحات كل من فرنسا وإيطاليا حول العودة لطاولة المفاوضات مع بوتين، وقالت "أعتقد أننا بحاجة إلى أدلة على أن بوتين يريد السلام حقاً، وأنا لا أرى ذلك حالياً".

 

يُشار إلى أن موقف لندن الأخير جاء رداً على تصريحات متقاربة صدرت أخيراً عن ماكرون وميلوني وميرتس.

وعلى إثر ذلك، أفادت صحيفة "بوليتيكو" بأن دول الاتحاد الأوروبي اختلفت في ما بينها حول مسألة شراء الأسلحة لأوكرانيا في إطار حزمة مساعدات بقيمة 90 مليار يورو (104.46 مليار جنيه)، وذكرت أن ألمانيا وهولندا تعتقدان بأنه ينبغي إنفاق جزء من المبلغ على شراء الأسلحة الأميركية، بينما تصر فرنسا على إعطاء الأولوية لشركات تصنيع الأسلحة الأوروبية.

وجاء في مقالة الصحيفة "يؤكد نقاد النهج الفرنسي في مزاعمهم أن سعي فرنسا إلى إدخال بند شراء المنتجات الأوروبية الصارم سيكبل أيادي كييف".

ففي ديسمبر (كانون الأول) عام 2025، أعلن ماكرون أن قادة الاتحاد الأوروبي اشترطوا صرف قرض الـ90 مليار يورو لأوكرانيا على شراء أسلحة أوروبية، وقال خلال مؤتمر صحافي عقب قمة المجلس الأوروبي "لقد حرصنا على وضع معايير أوروبية صارمة لتفضيل صناعاتنا الدفاعية، سواء في أوروبا أو في أوكرانيا". وجاء ذلك بعدما أعلن رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا أن الاتحاد سيمنح أوكرانيا قرضاً بقيمة 90 مليار يورو يعتمد على موازنة الاتحاد.

ووفقاً له، لن تشارك هنغاريا وسلوفاكيا والتشيك في ضمان القرض، وأية تعبئة لموارد موازنة الاتحاد الأوروبي كضمان لهذا القرض لن تترتب عليها.

وفي نهاية ديسمبر 2025، صرحت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا بأن قيادة الاتحاد الأوروبي التي قررت إنفاق 90 مليار يورو على إطعام كييف بدلاً من تنمية أوكرانيا، لا تهتم إلا باستمرار المذبحة.

وكانت "بوليتيكو" ذكرت أن القادة الأوروبيين انشقوا أخيراً إلى معسكرين متعارضين في ظل خلافات حادة حول كيفية تمويل كييف، مما يجعل التوصل إلى اتفاق في هذا الصدد مستبعداً، مشيرة إلى أن هذه الانقسامات أحيت من جديد الخلافات بين دول الشمال والجنوب حول مسألة الديون المشتركة.

طموحات متضاربة

منذ نهاية الحرب الباردة، رأت أوروبا هدفها في ظهور "روسيا أوروبية"، دولة تتبنى تدريجاً المعايير والمبادئ التي وضعها الاتحاد الأوروبي وتدمج في سياساتها الداخلية واقتصادها وحياتها الاجتماعية وتتعاون بصورة وثيقة مع الاتحاد في مسائل السياسة الخارجية، وبعبارة أخرى لم ينظر إلى روسيا على أنها عضو مستقبلي في الاتحاد الأوروبي، أو حتى على أنها مرشح دائم مثل تركيا، بل على أنها شريك ثانوي دائم، شريك اسمياً، لكنه في جوهره تابع.

وكما صرح رئيس المفوضية الأوروبية آنذاك رومانو برودي في عبارته الشهيرة، كان من المفترض أن يتشارك الاتحاد الأوروبي وروسيا في كل شيء تقريباً باستثناء المؤسسات، فمن اتفاق الشراكة والتعاون لعام 1994 إلى مفهوم إنشاء "أربع مساحات مشتركة" لعام 2003 وبرنامج الشراكة من أجل التحديث للفترة ما بين عام 2009 و2011، شكّل هذا أساس النهج الأوروبي.

أما بالنسبة إلى روسيا، فمنذ أن تخلى قادتها عن رغبتهم في الانضمام إلى المجتمع الغربي، وأعادوا تأكيد التزامهم أولوية المصالح الوطنية، أصبحت فكرة "أوروبا الكبرى" محورية. وتصورت هذه الفكرة فضاء اقتصادياً مشتركاً يمتد من لشبونة غرباً إلى فلاديفوستوك شرقاً، قائماً على اتفاق بين الاتحاد الأوروبي ونظيره من دول الاتحاد السوفياتي السابق، الاتحاد الاقتصادي الأوراسي.

 

وكان من المفترض أن يشمل هذا الفضاء ملكية مشتركة لبعض الأصول الرئيسة ومفهوماً أمنياً قائماً على منظمة الأمن والتعاون في أوروبا مع حلف شمال الأطلسي (الناتو) ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي بقيادة روسيا للحفاظ على الاستقرار في القارة، ونظاماً للإعفاء من التأشيرات بين روسيا والاتحاد الأوروبي.

ومن خلال تشجيع الاستقلال الاستراتيجي لأوروبا، وفي نهاية المطاف، استقلالها الحقيقي عن الولايات المتحدة، كانت موسكو تتطلع بشغف إلى اليوم الذي يشكل فيه الاتحاد الأوروبي وأوراسيا ما بعد الحقبة السوفياتية تحالفاً قوياً تصبح فيه أوروبا موحدة وحرة ومستقلة. وفي هذا التحالف، ستقوم روسيا بصفتها أكبر دولة وأكثرها سكاناً وتمتلك موارد طبيعية هائلة وقوة نووية وعضوية دائمة في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بدور محوري.

وخلال الأعوام الـ30 التي تلت نهاية الحرب الباردة لم يتحقق أي من ذلك، إذ رفضت روسيا أن تكون تابعة لأوروبا، ولم تفكر أوروبا حتى في إضعاف العلاقات عبر الأطلسي لمصلحة تعزيز العلاقات الأوراسية، ويعد توسع "الـناتو" دليلاً واضحاً على ذلك.

وأيقظت الحرب الروسية- الجورجية التي استمرت خمسة أيام في أوسيتيا الجنوبية عام 2008 مخاوف كامنة في شأن روسيا، وكشفت مبادرة الشراكة الشرقية التي أطلقتها بولندا والسويد عام 2009 عن التوترات بين روسيا والاتحاد الأوروبي الناجمة عن الصراع على النفوذ في التنمية الاقتصادية والسياسية لجمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق أذربيجان وأرمينيا وبيلاروس وجورجيا ومولدوفا وأوكرانيا.

وبلغ هذا التنافس ذروته في أوكرانيا، مما أدى إلى أزمة في غضون خمسة أعوام، ووضع بدوره حداً لمحاولات تصوير هذه العلاقات على أنها شراكة روسية - أوروبية.

ديناميكيات سلبية

يشبه الوضع الأمني ​​في أوروبا خلال العقد الثالث من القرن الـ21 إلى حد كبير الفترة بين أربعينيات وثمانينيات القرن الـ20، إذ يسود في أقل تقدير شعور بانعدام الثقة، بل حتى العداء. وعلى رغم أن المواجهة العسكرية أقل حدة، فإنها تمتد من بحر بارنتس إلى بحر البلطيق والبحر الأسود، وانخفض التبادل الاقتصادي بين روسيا والاتحاد الأوروبي إلى النصف تقريباً منذ عام 2013.

مع ذلك وعلى رغم الخطابات الرنانة، فإن هذه ليست جولة ثانية من الحرب الباردة، إذ لا وجود للستائر الحديدية أو جدار برلين، وعلى رغم العقوبات وسياسات إحلال الواردات لا يزال الاقتصاد الروسي بعيداً من الاكتفاء الذاتي، ولا تزال الساحة المعلوماتية عالمية في جوهرها مما جعلها ساحة معركة مكتظة. وعادت الأجهزة العسكرية للعمل بكامل طاقتها، لكن العمليات العدائية تشن في المقام الأول من قبل أجهزة الاستخبارات.

علاوة على ذلك، فإن الوضع ليس ثابتاً كما كان عليه خلال الحرب الباردة، فهو لا يتغير وحسب، بل يتدهور بصورة واضحة. ويبدو أن أزمات جديدة، بل حتى نزاعات مسلحة متجددة في ترانسنيستريا وجنوب القوقاز، علاوة عن أوكرانيا، أمر وارد جداً. ومن الممكن أن يؤدي الفشل الواضح لمحاولات تسوية الأزمة الأوكرانية والجمود الذي تشهده جهود السلام إلى تصعيد روسيا لهجماتها العسكرية التي كثيراً ما أثارت مخاوف حقيقية من انهيار الجبهة وردود فعل سلبية للغاية في أوكرانيا.

 

وبالطبع، يعد العامل الأهم هو التغييرات السياسية في روسيا نفسها التي بدأها فلاديمير بوتين تدريجاً عام 2020، عندما اعتُمدت تعديلات دستورية وأُجري تعديل وزاري.

ولم تكُن الخلافات الحالية بين روسيا وأوروبا بالحدة التي كانت عليها خلال الحرب الباردة، ولا يزال الجانبان متباعدين سياسياً وأيديولوجياً واقتصادياً، وتتزايد حدة التوترات بينهما واحتمال وقوع اشتباكات. ومع ذلك، فإن العلاقات بينهما أكثر عمقاً وأقل عدائية مما كانت عليه خلال الحرب الباردة. ولا تزال روسيا وأوروبا تتشاركان مصالح مشتركة مهمة.

وفشلت العقوبات الأوروبية المفروضة منذ عام 2014 في تغيير سياسات الكرملين الخارجية والداخلية، ويعود فشلها  لاعتمادها على فكرة أن روسيا، من جهة، كانت مهتمة برفع العقوبات والعودة للوضع السابق، أي الانضمام مجدداً إلى "مجموعة الثماني"، ومن جهة أخرى، الاعتماد على أن المواطنين الروس المتضررين من العقوبات الشخصية سيتمكنون من التأثير في السياسة الخارجية لبلادهم. وقوبلت الانتقادات الأوروبية برد حاد وقوي من موسكو، فالكرملين وصل إلى حد إعلان استعداده للحرب مع أوروبا إذا أرادت القارة العجوز ذلك وتحمله مزيداً من تشديد العقوبات وعدم تسامحه مع أي تدخل في شؤونه الداخلية.

آفاق العلاقات

في المستقبل المنظور، ستقتصر العلاقات الروسية - الأوروبية على التبادلات ذات المنفعة المشتركة، الاقتصادية (في المجالات غير الخاضعة للعقوبات) والعلمية والثقافية والإنسانية غير السياسية وما إلى ذلك، بل إن هناك إمكاناً لتعاون أوثق في مجالي الرعاية الصحية وتغير المناخ.

وسيحدد تفاعل روسيا مع المؤسسات الأوروبية بوضوح من خلال الصلاحيات القائمة لهذه الهيئات، وستواصل موسكو إعطاء الأولوية لعلاقاتها الراسخة تاريخياً مع الدول الأوروبية الرئيسة، وعلى رأسها ألمانيا وفرنسا.

ومن المرجح جداً أن يتبنى الاتحاد الأوروبي، حتى قبل الكشف عن الاستراتيجية السياسية الجديدة، حزمة العقوبات الـ20 التي ستضاف إلى العقوبات المفروضة منذ عام 2014، ومع ذلك ستكون بعدم فاعلية سابقتها. لكن في حال تصاعدت التوترات بصورة حادة، فمن من الممكن أن يؤدي ذلك إلى انهيار حقيقي في العلاقات الاقتصادية وعواقب وخيمة على السياسة الدولية. ومن المرجح أيضاً أن يُعبر عن المراجعة المقبلة للسياسة تجاه روسيا بخطاب أكثر حدة. ومن السهل تصور أن هذه الاستراتيجية الجديدة ستعتمد بصورة مباشرة على سياسة موسكو.

وسيكشف المستقبل عما إذا كانت استراتيجية الاتحاد الأوروبي الجديدة ستكون أكثر نجاحاً، ويبدو أن أوروبا لا ينبغي أن تتوقع ذلك لأن أولوية بوتين تتركز على صياغة علاقات أقوى مع الإدارة الأميركية بقيادة ترمب حالياً. ومن شبه المؤكد أن العلاقات بين بروكسل وموسكو لن تشهد فتوراً متزايداً، ولكنها أيضاً لن تعود لطبيعتها سريعاً بين ليلة وفجرها، ومن المرجح أن تستأنف الاتصالات الرفيعة المستوى لفترة من الزمن. والمفارقة أن هذا سيؤدي إلى زيادة الأهمية النسبية للعلاقات الثنائية بين روسيا ودول الاتحاد الأوروبي، مما كان في الواقع سبباً للاستياء المستمر.

بالنظر إلى المستقبل، تحتاج روسيا والاتحاد الأوروبي إلى وضع هدف أكثر واقعية لعلاقتهما، ولا يمكن أن يقوم هذا الهدف على حلم متجدد بشراكة عالمية تحت رعاية الاتحاد الأوروبي، مما يعني ضمناً قيماً مشتركة، ولا على فكرة فضاء اقتصادي موحد، كما سعت روسيا سابقاً.

كيف يمكن صياغة هذا الهدف؟ برأي الخبراء يتبادر إلى الذهن مصطلح "التعايش"، لكنه يوحي بسقف واحد، مما لا يناسب الاتحاد الأوروبي ولا روسيا. ويقول الخبراء الروس "صحيح أن التعايش السلمي صحيح من ناحية المبدأ، لكنه يعكس بقوة إرث الحرب الباردة حين روّج الاتحاد السوفياتي لفكرة التعايش السلمي. وأقرب مفهوم من ناحية المعنى وأكثر تحرراً من أي إرث تاريخي غير ضروري هو مفهوم الجوار".

ويجب أن يقوم نموذج الجوار على ركائز عدة أولاً، قدر من الاحترام المتبادل لاختلاف وجهات النظر، أو في الأقل الاعتراف بالجار ككيان مستقل. ثانياً، أطر عمل موثوقة وفهم واضح للحدود (بما في ذلك في الفضاء الإلكتروني) بين ما هو مقبول وما هو غير مقبول، إضافة إلى مستوى كافٍ من الأمن يمنح كل طرف شعوراً بالثقة. ثالثًا، البحث عن المصالح المشتركة، فالقيم لا توحد بل تفرق. رابعاً، التعاون في القضايا الدولية كالبنية التحتية والرعاية الصحية والمناخ. خامساً، الترابط، فعلى رغم تغير ميزان الطاقة في أوروبا، وكذلك هيكل الاقتصاد الروسي، ستظل أوروبا في المستقبل المنظور معتمدة على إمدادات الطاقة من روسيا، وستعتمد الموازنة الفيدرالية الروسية بصورة كبيرة على عائدات النفط والغاز.

ماذا يترتب على ذلك؟ ستستمر أوروبا وروسيا في مشاركة فضاء معلوماتي، مما يعني وجود مجال لتبادل البيانات المختلفة. لكن النفوذ عبر الحدود لأي غرض كان، سواء كان السعي إلى إقناع الآخرين بقبول رؤية معينة للنظام العالمي أو للإطاحة بنظام أو حكومة أو فرد، سيكون غير مقبول.

وستبقى الاختلافات الأيديولوجية والقيمية قائمة بلا شك، لكن لن يفاقمها المسؤولون عن السياسة الخارجية، مما يعني أنها لن تؤدي إلى عداء متبادل وتوقف الحوار. ولا محالة، ستُحل أية خلافات قد تنشأ لمنع نشوب صراعات مدمرة ومواجهات خطرة.

وبعيداً من المجال السياسي الذي يتسم في طبيعته بالصراع، يجب أن يكون الاتحاد الأوروبي وروسيا قادرين على التفاعل في ما بينهما بالقدر الذي يرغب فيه شعباهما. وأياً يكُن ما سيحدث في المستقبل، وأياً كانت خططهما، لا يمكن لأوروبا وروسيا تجاهل حقيقة قربهما الجغرافي الذي انبثق منه تاريخهما المشترك والمصبوغ بالدم في عدد غير قليل من مراحله، بحسب مؤرخين متابعين.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير