ملخص
خطابه السياسي يتغذى على مفردات الصراع الدائم، العدو حاضر دوماً، مرة هو الإمبريالية، وأخرى هو التآمر الداخلي، وتارة هو الاقتصاد نفسه الذي يصور ككائن شرير يتآمر على الثورة، في هذا الخطاب لا مكان للاعتراف بالفشل، ولا مجال لتحمل المسؤولية.
على رقعة مسرح ملطخة بدموع الجائعين وأحلام المنفيين، وقف نيكولاس مادورو أعواماً يؤدي رقصته الأخيرة، ليس كزعيم ضل طريقه، بل كـ"مايسترو" أتقن العزف على أوتار الخراب.
لم تكن هزات خصره على وقع ألحان "السالسا" مجرد تعبير عن ابتهاج شخصي، بل لغة سياسية سوريالية، رسالة مشفرة إلى العالم مفادها بأن النجاة لا تتطلب بالضرورة الحكمة، بل يكفيها قدر هائل من الجمود الأخلاقي واللامبالاة التي تقترب من القداسة، مزيج كثيف من الخطاب الشعبوي، والأداء المسرحي، والقدرة اللافتة على تحويل السياسة إلى عرض دائم لا ينتهي.
كان مادورو يرتدي قبعة "السمبريرو" كأنها تاج من الاستهزاء، موزعاً علامات النصر في الهواء الطلق بينما تختنق كاراكاس تحت وطأة الغاز المسيل للدموع وأبخرة الجوع. في خطاباته لم يكن يتحدث، بل كان "يهذي" برصانة مريبة، يستدعي روح شافيز في هيئة طائر صغير، ويطوع الغيبيات لخدمة الديكتاتورية، محولاً المنبر الرئاسي إلى خشبة عرض مسرحي تمزج بين الكوميديا السوداء والتراجيديا الإغريقية.
وفي وقت كانت فيه فنزويلا تئن تحت وطأة تضخم جامح جعل من أوراقها النقدية مجرد قصاصات ملونة لا تصلح إلا لستر عورة الفشل، ظهر وهو يتناول وجبة فاخرة أعدها الشيف التركي نصرت، وكان يغني "كن سعيداً".
يتغذى خطابه السياسي على مفردات الصراع الدائم، العدو حاضر دوماً، مرة هو الإمبريالية، وأخرى هو التآمر الداخلي، وتارة هو الاقتصاد نفسه الذي يصور ككائن شرير يتآمر على الثورة، في هذا الخطاب لا مكان للاعتراف بالفشل، ولا مجال لتحمل المسؤولية.
كل كارثة تعاد صياغتها كملحمة صمود، وكل انهيار يقدم كاختبار تاريخي، هنا تتجلى حنكة مادورو، لا بوصفها قدرة على البناء، بل مهارة عالية في إدارة الخراب، وفي إطالة عمر نظام يعيش على حافة الانهيار الدائم من دون أن يسقط نهائياً.
وخلف هذا القناع من "البساطة الاستعراضية" والرقص المبتذل، كمن دهاء سياسي شيطاني، لقد أثبت مادورو أنه ليس مجرد "وارث للصوت"، بل كان مهندساً بارعاً في بناء جدران البقاء، استطاع بحنكة مسمومة أن يحول الدولة إلى "إقطاعية عسكرية" يشتري فيها الولاء بالامتيازات ويقايض السيادة بالصمود.
وفي مواجهة الانهيار اختار صاحب الشارب الكثيف التحصن، فتمت مركزة السلطة، والسيطرة على الانتخابات، وإخضاع المحاكم، سُجن المعارضون أو نُفوا أو هُمشوا، وصُورت الاحتجاجات على أنها مؤامرات مدعومة من الخارج.
لم يكن غبياً كما أراد خصومه أن يتوهموا، بل كان "حرفياً" في فن التشبث بالمنصب، يعرف متى ينحني للعاصفة بوعود زائفة، ومتى يضرب بيد من حديد مغلفة بقفازات "الثورة البوليفارية"، لقد حول "الولاء" عملة وحيدة في بلاد فقدت كل عملاتها، وأدار الانهيار بعقلية المقامر الذي لا يبالي باحتراق الصالة ما دام يملك مفاتيح المخرج.
خراب فنزويلا في عهده ليس مجرد نتيجة سياسات اقتصادية فاشلة، بل نتيجة رؤية حكم ترى في الدولة غنيمة، وفي المؤسسات عبئاً، وفي الحقيقة خطراً، انهارت العملة، وتآكلت الخدمات، وهاجر الملايين، فيما ظل الخطاب الرسمي يتحدث عن انتصارات وهمية، هنا تكمن الجريمة الأعمق، ليس في الفشل وحده، بل في إنكار الفشل، وفي تحويله فضيلة ثورية، وفي مطالبة الناس بالتصفيق وهم يفقدون كل شيء.
يتغذى خطابه السياسي على مفردات الصراع الدائم، العدو حاضر دوماً، مرة هو الإمبريالية، وأخرى هو التآمر الداخلي، وتارة هو الاقتصاد نفسه
لقد كان مادورو هو "النهاية" التي تليق ببدايات شافيز المتطرفة، الرجل الذي لم يكتفِ بإطفاء الأنوار في البلد، بل أصر على الرقص في الظلام، معتقداً أن الموسيقى الصاخبة ستغطي على صراخ ملايين المنفيين الذين لم يجدوا مكاناً في مسرحه، فاختاروا البحث عن وطن آخر وراء الحدود.
يشغل منصب الرئيس الـ53 لفنزويلا منذ عام 2013، وكانت العبارات الإنجليزية تزعجه، لدرجة أنه دعا سابقاً إلى التخلص من كلمات إنجليزية تعكس الثقافة الغربية، لكن هذا الوضع تغير أخيراً.
شابت فترة حكمه أزمة اقتصادية، وفقر غذائي، وقمع سياسي، واتهامات بالفساد وتهريب المخدرات، وأزمة هجرة هائلة، ومنذ توليه السلطة غادر نحو 8 ملايين فنزويلي البلاد، أي ما يعادل ربع سكان البلاد تقريباً.
واتهم نظامه أيضاً بارتكاب "جرائم ضد الإنسانية" على نطاق واسع، وفقاً للأمم المتحدة، وشمل ذلك عمليات القتل خارج نطاق القضاء وأساليب التعذيب مثل الصدمات الكهربائية والعنف الجنسي والاختناق كجزء من خطة "تم تدبيرها على أعلى مستويات الحكومة لقمع المعارضة".
في المقابل، يعتبر مادورو من أبرز الحلفاء الدوليين للقضايا العربية، ويعد مدافعاً شرساً عن حقوق الشعب الفلسطيني، وكثيراً ما ندد بالسياسات الإسرائيلية في المحافل الدولية، وتعتبر فنزويلا في عهده من أوائل الدول الداعمة للاعتراف بدولة فلسطين.
ويرتبط بعلاقات وثيقة مع دول مثل الجزائر وسوريا والعراق، ويسعى دائماً إلى تعزيز التعاون ضمن منظمة "أوبك" لضبط أسعار النفط العالمية.
تجلى معظم حياة مادورو العامة في قصر "ميرا فلوريس"، مقر الرئاسة في وسط مدينة كاراكاس الذي يشغل مربعاً سكنياً بأكمله، واعتاد استضافة القادة والرياضيين الأجانب في القصر المبني في القرن الـ19 على طراز "الباروكية الحديثة" الفرنسي، الذي يتميز بساحة مركزية واسعة، وقاعات احتفالات مزينة بالثريات والسجاد وصور الأبطال الوطنيين.
ومن شرفة القصر كان مادورو يحيي داعميه خلال المسيرات التي تنظمها الحكومة، كذلك اعتاد استضافة الزوار لتناول القهوة، وعرض قطع رمزية، مثل سيف سيمون بوليفار، بطل الاستقلال.
شابت فترة حكمه أزمة اقتصادية، وفقر غذائي، وقمع سياسي، واتهامات بالفساد وتهريب المخدرات، وأزمة هجرة هائلة، ومنذ توليه السلطة غادر نحو 8 ملايين فنزويلي البلاد، أي ما يعادل ربع سكان البلاد تقريباً.
يوجد مادورو وزوجته الآن في مركز متروبوليتان للاحتجاز سيئ السمعة في بروكلين مع 1330 سجيناً، ووفقاً للمعطيات المتاحة يبدو السجن عالماً مناقضاً تماماً للحياة العامة المترفة التي اعتادها مادورو وفلوريس، ويرجح احتجازه في ظل أقسى الظروف التي يفرضها السجن، ففي مركز متروبوليتان للاحتجاز يوضع المحتجزون الشديدو الخطورة عادة في وحدات مشددة الحراسة، إذ يمكن أن يمتد الحبس إلى 23 ساعة يومياً، وتفرض رقابة صارمة على أي حركة خارج الزنزانة.
بين تشافيز ومادورو
أي مقارنة جادة بين هوغو تشافيز ونيكولاس مادورو لا يمكن أن تتجاهل الفارق البنيوي في مصادر الشرعية، يمتلك الأول ما يسميه عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر "الشرعية الكاريزمية"، أي القدرة على إنتاج المعنى السياسي، وصياغة العدو، وتعبئة الجماهير عبر خطاب يدمج الرمزي بالاجتماعي، مادورو، في المقابل، ورث السلطة من دون أن يرث الكاريزما، فاضطر إلى تعويض هذا النقص عبر أدوات الدولة الصلبة: الجيش، والقضاء، والأجهزة الأمنية.
هنا تظهر أول قطيعة حقيقية، فبينما كان تشافيز يهيمن عبر الحضور الشخصي والخطاب الشعبي، يحكم مادورو عبر إدارة أزمة دائمة، إذ تتحول الثورة من مشروع اجتماعي إلى حال طوارئ مستمرة، هذا التحول ليس تفصيلاً أسلوبياً، بل تغيير في طبيعة الحكم نفسه.
المفارقة أن مادورو حافظ على لغة تشافيز، لكنه فرغها تدريجاً من بعدها التشاركي، فالمجالس الشعبية والكوميونات التي كانت جزءاً من خيال تشافيز السياسي، تراجعت لمصلحة مركزية متزايدة للقرار.
لقد كان مادورو هو "النهاية" التي تليق ببدايات شافيز المتطرفة، الرجل الذي لم يكتفِ بإطفاء الأنوار في البلد، بل أصر على الرقص في الظلام، معتقداً أن الموسيقى الصاخبة ستغطي على صراخ ملايين المنفيين الذين لم يجدوا مكاناً في مسرحه، فاختاروا البحث عن وطن آخر وراء الحدود.
في سياق متصل، لا يمكن إنكار أثر العقوبات الأميركية والأوروبية في الاقتصاد الفنزويلي، بخاصة بعد 2017، حين استهدفت قطاع النفط والتمويل بصورة مباشرة. وتشير تقارير الأمم المتحدة نفسها إلى أن العقوبات فاقمت الأزمة الإنسانية، وقلصت قدرة الدولة على استيراد الغذاء والدواء.
لكن التحدي الفكري هنا هو التالي، هل الأزمة نتاج العقوبات فقط؟
تظهر البيانات الاقتصادية أن الانهيار بدأ قبل العقوبات الواسعة، فالتضخم المفرط، وانهيار الإنتاج النفطي، وتآكل العملة، كلها بدأت منذ 2013 و2014، أي في ظل أسعار نفط ما زالت مرتفعة نسبياً، وقبل الحصار المالي الشامل.
وهذا يضع المسؤولية جزئياً على خيارات داخلية، مثل تسييس شركة النفط الوطنية PDVSA، وتهميش الكفاءات التقنية، والاعتماد المفرط على الريع من دون تنويع اقتصادي.
فالعقوبات عمقت الجرح، لكنها لم تصنعه من العدم، خطاب "الحصار" بات أداة لتفسير كل فشل، مما أعفى النخبة الحاكمة من مساءلة ذاتية جادة.
من جهة ثانية، أحد أخطر التحولات في عهد مادورو هو إعادة تعريف دور الجيش. في عهد تشافيز كان شريكاً أيديولوجيا في المشروع البوليفاري، متماهياً مع سردية التحرر الوطني، أما في عهد مادورو فأصبح الجيش ضامناً لبقاء النظام، عبر امتيازات اقتصادية مباشرة، وإشراف على قطاعات استراتيجية مثل الغذاء والنفط والتعدين.
هذا الدمج بين السلطة السياسية والمصالح الاقتصادية العسكرية أنتج ما يسميه بعض الباحثين "العسكرة الريعية"، حين يصبح استقرار النظام مرهوناً باستمرار تدفق المنافع للنخبة العسكرية، هنا، تفقد الدولة طابعها المدني تدريجاً، حتى وإن حافظت على واجهة انتخابية.
ويبدو من السهل تحميل مادورو وحده مسؤولية الانسداد السياسي، لكن هذا تبسيط مخل، فالمعارضة الفنزويلية عانت انقسامات بنيوية، وفشلت في إنتاج قيادة موحدة أو برنامج اجتماعي بديل يتجاوز منطق إسقاط النظام بأي ثمن، رهانها المتكرر على التدخل الخارجي، بخاصة الأميركي، قوض صدقيتها لدى قطاعات واسعة من المجتمع.
إعلان خوان غوايدو نفسه رئيساً انتقالياً عام 2019، بدعم خارجي واسع، شكل ذروة هذا الرهان، لكنه انتهى إلى طريق مسدود، معززاً سردية مادورو حول "الانقلاب المدعوم من الخارج"، والسؤال الذي غالباً ما يهمل، هل كان يمكن للمعارضة أن تنتصر لو راهنت على السياسة الاجتماعية بدل العقوبات؟
هل ما زال مادورو تشافيزياً؟
يحكم مادورو باسم تشافيز، لكنه يحكم دون الرئيس الراحل، يستدعي صورته وخطابه ورمزيته، لكنه يدير دولة مختلفة، أكثر فقراً، وأكثر عزلة، وأقل تسامحاً مع المعارضة، من هذه الزاوية يمكن القول إن التشافيزية تحولت من مشروع تحرري شعبوي إلى أيديولوجيا شرعنة سلطوية.
الفرصة الضائعة الكبرى لمادورو كانت في لحظة ما بعد 2013، حين كان يمكنه إعادة تفاوض اجتماعي واسع، يحد من الاستقطاب، ويعترف بالأخطاء المبكرة، بدلاً من ذلك اختار منطق الصمود لا الإصلاح، والبقاء لا التحول.
اعتقال واتهامات
في الثالث من يناير (كانون الثاني) الجاري قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن الولايات المتحدة نفذت "ضربة واسعة النطاق ضد فنزويلا" و"ألقت القبض على زعيمها، الرئيس نيكولاس مادورو" وزوجته.
وكان عملاء للاستخبارات الأميركية يراقبون منذ أغسطس (آب) 2025 أدق تحركات مادورو الذي كان، وفقاً لتقارير صحافية، يغير مكان إقامته باستمرار منذ تصاعد التوتر مع واشنطن.
وأوضح رئيس أركان الجيش الأميركي دان كاين أن أجهزة الاستخبارات أرادت "فهم كيفية تحركه، أين يعيش، إلى أين يسافر، ما يأكله، ما يرتديه، ما حيواناته الأليفة التي يربيها".
واستغرق التخطيط للعملية أشهراً، واستلزم الإعداد لها بروفات "دقيقة"، حتى إن القوات الأميركية أنشأت نموذجاً مطابقاً للبيت الذي كان يقيم فيه خليفة هوغو تشافيز.
في المقابل، وجهت وزارة العدل الأميركية اتهامات للرئيس الفنزويلي المعتقل، بإدارة "حكومة فاسدة وغير شرعية" تغذيها شبكة واسعة لتهريب المخدرات أغرقت الولايات المتحدة بآلاف الأطنان من الكوكايين.
ويضع اعتقال مادورو وزوجته الأساس لاختبار قضائي كبير أمام المدعين العامين الأميركيين، في سعيهم إلى تأمين إدانة ضد الزعيم المخضرم للدولة الغنية بالنفط في قاعة محكمة بمانهاتن.
شملت لائحة الاتهام مادورو مع زوجته وابنه وثلاثة متهمين آخرين، وأسندت إلى مادورو أربع تهم أساسية، تتضمن التآمر على ما يعرف بالإرهاب المرتبط بالمخدرات، والتخطيط لإدخال الكوكايين إلى الولايات المتحدة، إلى جانب حيازة أسلحة رشاشة وأدوات تدميرية، فضلاً عن التآمر على امتلاك هذا النوع من الأسلحة والأجهزة.
وتطابق هذه التهم إلى حد كبير تلك الواردة في لائحة اتهام سابقة قدمت في حقه أمام المحكمة الفيدرالية في مانهاتن عام 2020.
وتتهم لائحة الاتهام مادورو بالشراكة مع "بعض أكثر مهربي المخدرات وإرهابيي المخدرات عنفاً وغزارة في الإنتاج في العالم"، لتسهيل شحن آلاف الأطنان من الكوكايين إلى الولايات المتحدة.
وتزعم السلطات الأميركية أن منظمات قوية وعنيفة لتهريب المخدرات، مثل كارتيل سينالوا وعصابة ترين دي أراغوا، عملت بصورة مباشرة مع الحكومة الفنزويلية، ثم حولت أرباحها إلى مسؤولين كبار قدموا لها الحماية والدعم مقابل ذلك.
وبحسب اللائحة، سمح مادورو بازدهار "فساد ممول بالكوكايين" لتحقيق منافع شخصية له، ولأعضاء نظامه الحاكم، وأفراد من عائلته.
وتشير الاتهامات إلى أن مادورو وعائلته "وفروا غطاءً أمنياً ودعماً لوجيستياً" لعصابات الكارتيل التي تنقل المخدرات في أنحاء المنطقة، مما أدى إلى تهريب ما يصل إلى 250 طناً من الكوكايين سنوياً عبر فنزويلا بحلول عام 2020، ووفقاً للائحة، نقلت المخدرات عبر زوارق سريعة، وقوارب صيد، وسفن حاويات، أو بواسطة طائرات أقلعت من مدارج جوية سرية.
وجاء في نص لائحة الاتهام أن "هذه الحلقة من الفساد القائم على المخدرات تملأ جيوب مسؤولين فنزويليين وأفراد عائلاتهم، وفي الوقت نفسه تفيد إرهابيين مرتبطين بالمخدرات يعملون بعنف ومن دون محاسبة على الأراضي الفنزويلية، ويسهمون في إنتاج وحماية ونقل أطنان من الكوكايين إلى الولايات المتحدة".
كذلك تتهم الولايات المتحدة مادورو وزوجته بإصدار أوامر بعمليات خطف وضرب وقتل "ضد أشخاص كانوا مدينين لهم بأموال مخدرات أو قوضوا نشاطهم في تهريب المخدرات"، ويشمل ذلك، بحسب اللائحة، اغتيال تاجر مخدرات محلي في كاراكاس.
وتتهم زوجة مادورو أيضاً بقبول مئات آلاف الدولارات كرشى عام 2007 لترتيب لقاء بين "مهرب مخدرات واسع النفوذ" ومدير المكتب الوطني الفنزويلي لمكافحة المخدرات، وبموجب صفقة فاسدة، وافق المهرب على دفع رشوة شهرية لمدير المكتب، إضافة إلى نحو 100 ألف دولار عن كل رحلة جوية محملة بالكوكايين "لضمان مرورها الآمن"، وتشير اللائحة إلى أن جزءاً من هذه الأموال ذهب إلى زوجة مادورو.
وأفادت لائحة الاتهام بأن أبناء شقيقة زوجة مادورو سمعوا خلال اجتماعات مسجلة عام 2015 مع مصادر سرية للحكومة الأميركية وهم يوافقون على إرسال "شحنات من الكوكايين تزن مئات الكيلوغرامات" من "الحظيرة الرئاسية" التابعة لمادورو في أحد المطارات الفنزويلية.
وخلال تلك الاجتماعات المسجلة، أوضح الاثنان أنهم في "حرب" مع الولايات المتحدة، وفق ما جاء في اللائحة، وقد حكم عليهما عام 2017 بالسجن 18 عاماً بتهمة التآمر على إرسال أطنان من الكوكايين إلى الولايات المتحدة، قبل أن يفرج عنهما عام 2022 في إطار صفقة تبادل سجناء مقابل إطلاق سراح سبعة أميركيين كانوا معتقلين.
نيكولاسيتو
نيكولاس مادورو غيرا، البالغ 35 سنة، هو الابن الوحيد للرئيس المعزول، وقد عينه والده عضواً في الجمعية التأسيسية الفنزويلية عام 2017، ويشغل حالياً عضوية الجمعية الوطنية في البلاد، وتصفه لائحة الاتهام بأنه "سياسي فنزويلي فاسد"، وتشير إلى أنه معروف بلقبين، "نيكولاسيتو"، أي نيكولاس الصغير، و"الأمير".
صعد داخل هياكل سلطة والده، ولا يزال مقيماً في كاراكاس، وتتهمه السلطات الأميركية باستخدام بعض أصول نظام والده للمساهمة في شبكات تهريب مخدرات غير مشروعة تنشط داخل فنزويلا منذ عام 2014.
وخلال فترة امتدت عاماً واحداً يزعم أن قائداً في الحرس الوطني دعاه إلى زيارة جزيرة مارغريتا، وهي جزيرة فنزويلية تقع على بعد نحو 40 كيلومتراً قبالة الساحل الشمالي للبر الرئيس قرب ولاية سوكري.
وبحسب وثائق المحكمة كان يسافر مرتين شهرياً على متن طائرة خاصة من طراز "فالكون 900" تشغلها شركة النفط الحكومية "بتروليوس دي فنزويلا" (PDVSA)، فيما كان قائد الحرس الوطني يتولى ترتيب "الفنادق ووسائل النقل والنساء والطعام" أثناء إقامته.
وخلال تلك الزيارات كانت طائرة الشركة النفطية تحمل "برزم كبيرة ملفوفة بشريط لاصق، كان القائد يعتقد أنها مخدرات"، وفقاً لما ورد في لائحة الاتهام.
وتقول الولايات المتحدة أيضاً إن مادورو غيرا صرح في إحدى المرات بأن "الطائرة يمكنها الذهاب إلى أي مكان تريده، بما في ذلك الولايات المتحدة". وتتهم لائحة الاتهام نيكولاس بالعمل مع مهربي مخدرات لشحن مئات الكيلوغرامات من المواد المخدرة إلى داخل الولايات المتحدة.
وعام 2017 يزعم أن نجل الرئيس وسع نشاطه باتجاه الولايات المتحدة من خلال التعاون مع مهربين لإرسال "مئات الكيلوغرامات" من المخدرات.
وفي إحدى الوقائع تشير الاتهامات إلى أنه رتب شحنة تزن 500 كيلوغرام لإرسالها إلى ميامي داخل حاوية شحن، لكنه اضطر لاحقاً إلى نقل وجهة التوزيع إلى مدينة نيويورك لأن المخدرات كانت "كوكايين منخفض الجودة" ولا يمكن تسويقها في فلوريدا.
وتذكر لائحة الاتهام أيضاً أنه بحلول عام 2020، وضع مادورو غيرا خطة مع "القوات المسلحة الثورية الكولومبية" (فارك) لمواصلة نقل كميات كبيرة من الكوكايين إلى الولايات المتحدة، مقابل تزويد الجماعة المتمردة بأسلحة، وهو ما استمر في الأقل حتى هذا العام.
معاناة
تسبب سوء الحكم والقمع والفساد الذي مارسه نظام مادورو في معاناة اقتصادية واسعة النطاق وانهيار مجتمعي في فنزويلا، وتفصل دراسة استقصائية وطنية لظروف المعيشة لفترة 2019 – 2020، نشرها باحثون في جامعة أندريس بيلو الكاثوليكية في كاراكاس، كيف تدهورت البنية التحتية الأساسية وسوق العمل والتعليم منذ عام 2014.
وقدرت الأمم المتحدة أن 7 ملايين فنزويلي - 25 في المئة من السكان - كانوا في حاجة إلى مساعدات إنسانية عام 2020، في حين أن 96 في المئة من الفنزويليين كانوا يعيشون في فقر.
ووفقاً للتقرير، يتزايد نقص المياه والكهرباء يومياً، ولا يحصل سوى 77 في المئة من السكان على مياه الصنبور، ويقول ثلاثة أرباع هذه المجموعة إنهم يعانون انقطاعاً متكرراً في الخدمة، وقد أظهرت التقارير الإخبارية مشاهد لأشخاص يستخدمون المياه المفتوحة في الشوارع للاستحمام والطهي والشرب.
وبفضل انقطاع التيار الكهربائي الذي فرضه النظام والتدهور العام في خدمات الكهرباء في جميع أنحاء البلاد، فإن 90 في المئة من الفنزويليين لا يحصلون على إمدادات موثوقة من الكهرباء، بحسب ما يذكر التقرير، خارج كاراكاس، في ولايات مثل زوليا وبوليفار وباريناس، تنقطع الكهرباء أياماً عدة متتالية.
تظهر بيانات استطلاع ENCOVI أن قمع نظام مادورو وفساده وسوء إدارته الاقتصادية قد دفع 44 في المئة من البالغين العاملين في فنزويلا إلى البطالة.
وتظهر نظرة فاحصة على تلك البيانات أن وضع التوظيف أسوأ من ذلك، فقد انخفض عدد العاملين في القطاع الوظيفي الرسمي - الوظائف ذات ساعات العمل المنتظمة والأجور والمزايا - من 64 في المئة عام 2015 إلى 46 في المئة عام 2020.
ويعاني كثير ممن بقوا في القطاع الرسمي بطالة شديدة، إذ لا يستطيعون كسب ما يكفي من وظائفهم العادية لإعالة أسرهم.
ونتيجة لذلك، اضطر الفنزويليون إلى البحث عن عمل في القطاع غير الرسمي، لا يتمتع هؤلاء العمال بتغطية التأمين الصحي ولا يحصلون على أجور منتظمة، مما يترك ملايين يكافحون من أجل إعالة أسرهم، يتوافق هذا الارتفاع في قطاع العمالة غير الرسمية مع الارتفاع الحاد في معدلات الفقر في البلاد.
في المقابل، الأطفال ليسوا أقل تأثراً من آبائهم، فقد انخفض معدل الالتحاق بالمدارس في جميع أنحاء البلاد من 12.7 مليون طفل إلى 11 مليون طفل، وفقاً للتقرير، ولم يلتحق سوى 60 في المئة من الأطفال بالمدارس بانتظام عام 2020.
وعندما سئلوا عن سبب عدم حضورهم المدرسة بانتظام، قال الأطفال إن السبب هو نقص الغذاء والماء والكهرباء ووسائل النقل.
قمع الاحتجاجات
لم يعد القمع في عهد مادورو مجرد رد فعل على انفجارات اجتماعية عابرة، بل تبلور تدريجاً، منذ عام 2014، كمنظومة حكم قائمة بذاتها، تقوم على الدمج المنهجي بين العنف المباشر، والهندسة القانونية، ثم لاحقاً الرقابة الرقمية، في محاولة لإدارة مجتمع مأزوم عبر الخوف لا التوافق.
فقد شكلت احتجاجات 2014 أول اختبار واسع لمرحلة ما بعد تشافيز، وأسفرت عن مقتل نحو 43 شخصاً، واعتقال ما يقارب 3689 متظاهراً، وإصابة أكثر من 5285 آخرين، مما دفع النظام إلى التعامل مع الشارع بوصفه تهديداً وجودياً لا مجال لاحتوائه سياسياً، فاتحاً الباب أمام عسكرة المجال العام وتوسيع دور الفاعلين غير الرسميين، ولا سيما ميليشيات "كولكتيفوس" بمعنى "الجماعة"، كقوة موازية للدولة تؤدي وظيفة القمع العنيف من دون كلفة قانونية مباشرة، في نمط يقوم على تفويض العنف وتشويش المسؤولية وتقويض أي مساءلة مستقبلية.
ولا توجد لغاية اليوم إحصاءات دقيقة حول عدد المنتظمين في هذه الميليشيات، لكن وفق الصحافية الفنزويلية أندريانا فلوريس، فإن التهديدات الأميركية لفنزويلا جعلت أعداد هذه الميليشيات تزداد بقوة.
وقالت الصحافية "الميليشيات البوليفارية تنفذ مهام مختلفة، فهي تضمن الأمن والاستقرار في الأحياء الشعبية، وتقوم بمهام استخباراتية داخل المجتمع، وتحاول رصد أي شخص يدعم الأفكار الإمبريالية، كذلك تقوم أيضاً في بعض الأحيان بتوزيع المساعدات الغذائية، وتراقب صناديق الاقتراع لحث الناخبين على التصويت لمصلحة تشافيز سابقاً ومادورو لاحقاً".
وإضافة إلى حماية الدولة البوليفارية، تقمع ميليشيات "كولكتيفوس" التظاهرات التي تنظمها المعارضة في فنزويلا، وتُخوف المواطنين من المشاركة فيها، وكون أفرادها يتنقلون بالدراجات النارية فهم قادرون على الوصول إلى أي مكان في وقت زمني قصير، وكثيراً ما نددت زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتاشادو، الحائزة جائزة نوبل للسلام في 2025، بعنف الميليشيات البوليفارية، داعية إلى حلها.
هذا العنف اللامركزي تزامن مع إعادة هيكلة أجهزة الأمن الرسمية، وبلغ ذروته مع إنشاء قوات العمليات الخاصة FAES بعد 2017، التي مثلت انتقالاً نوعياً من القمع الوقائي إلى الإقصاء الجسدي المنهجي.
إذ وثقت بعثات تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة نمطاً متكرراً من الإعدامات خارج نطاق القضاء عبر اقتحام المنازل في الأحياء الفقيرة وقتل شبان بزعم مقاومتهم الاعتقال، وقد انعكس هذا التحول بوضوح في احتجاجات 2017، الأكثر دموية في حقبة مادورو، إذ قتل خلالها ما لا يقل عن 164 شخصاً، وأصيب أكثر من 13050، واعتقل نحو 4848، من بينهم طلاب وشبان سقطوا بنيران قناصة أو جماعات مسلحة موالية للنظام، في مشهد اختفى فيه الخط الفاصل بين الأمن والسياسة، وتحول الفقر والانتماء الطبقي إلى قرينة اشتباه، بما يعكس منطق حكم يعتبر قطاعات واسعة من المجتمع "فائضة عن الحاجة السياسية".
وفي موازاة ذلك، أعيد توظيف الفضاءات العمرانية كأدوات ضبط وسيطرة، عبر تحويل مراكز مثل سجون "أل هيليكويد" و"القبر" إلى رموز للقمع النفسي الطويل الأمد، حيث لا يهدف التعذيب إلى انتزاع اعترافات بقدر ما يسعى إلى تفكيك الذات السياسية للمعتقل، في استهداف لم يقتصر على النخب المعارضة، بل طاول طيفاً اجتماعياً واسعاً من طلاب وأطباء ومحامين، في رسالة واضحة مفادها أن أي انتظام مهني أو إنساني في سياق الاحتجاج يعد فعلاً سياسياً معادياً.
أما احتجاجات 2019، التي اندلعت على خلفية الأزمة الدستورية والصراع على الشرعية، فقد خلفت ما لا يقل عن 67 قتيلاً، 59 منهم على أيدي قوات الأمن أو الجماعات المسلحة الموالية للحكم، مؤكدة أن العنف بات أداة ثابتة لإدارة الأزمات السياسية.
ومع تزايد الضغط الدولي لجأ النظام إلى ما عرف بسياسة "الباب الدوار"، التي تجمع بين الإفراجات المحدودة ذات الطابع الاستعراضي والاعتقالات المتزامنة لإبقاء المجتمع في حال خوف دائم، قبل أن يشهد قمع احتجاجات 2024 تحولاً نوعياً نحو السلطوية الرقمية.
وقتل آنذاك أكثر من 20 شخصاً خلال أيام قليلة، واعتقل نحو 2200 متظاهر، بينهم قاصرون، في إطار حملة اعتمدت تقنيات التعرف إلى الوجه ومراقبة المنصات الاجتماعية وربط النشاط الافتراضي بالملاحقة الميدانية.
ضمن هذا السياق، تبدو الحصيلة البشرية للاحتجاجات المتعاقبة أقل أهمية من دلالتها البنيوية، إذ لا تكمن خطورة التجربة الفنزويلية في عدد الضحايا فحسب، بل في ترسيخ نموذج حكم يقوم على تطبيع العنف وتحويله لغة تواصل يومية بين الدولة والمجتمع، مما يجعل توصيف ما جرى باعتباره مجرد "انتهاكات" توصيفاً قاصراً، لأن المعطيات المتراكمة، كما تشير تقارير الأمم المتحدة، تندرج ضمن نمط واسع ومنهجي قد يرقى إلى جرائم ضد الإنسانية، مما يفسر بقاء فنزويلا على جدول أعمال المحكمة الجنائية الدولية بوصفها نموذجاً دالاً على مآلات الأنظمة التي تعجز عن إنتاج شرعية خارج منطق القمع.
توتر مع الولايات المتحدة
بعد عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى السلطة نهاية عام 2024 شهدت العلاقات بين الولايات المتحدة وفنزويلا مرحلة هدوء نسبي، تمثلت في تحركات دبلوماسية شملت لقاء مبعوثه الخاص ريتشارد غرينيل الرئيس الفنزويلي مادورو، إضافة إلى استقبال كاراكاس عدداً من المهاجرين الفنزويليين الذين أبعدتهم واشنطن.
غير أن هذا التقارب لم يستمر طويلاً، إذ تغير الموقف الأميركي في النصف الثاني من عام 2025، مع تصاعد الاتهامات لمادورو بالضلوع في تهريب المخدرات، وبدء سلاح الجو الأميركي استهداف قوارب قبالة السواحل الفنزويلية، وهي اتهامات رفضها مادورو وعدها محاولة أميركية لإطاحته.
ومع تزايد التوتر عززت الولايات المتحدة وجودها العسكري في البحر الكاريبي، مما دفع فنزويلا إلى إعلان التعبئة العامة وتفعيل قانون الدفاع الشامل تحسباً لأي هجوم محتمل.
وقد بلغ التصعيد ذروته عندما أعلن مادورو في الثالث من يناير 2026 تعرض العاصمة كاراكاس لقصف صاروخي، قبل أن تعلن الحكومة حال الطوارئ، في تطور عكس انتقال الأزمة من مستوى الخلاف السياسي إلى مواجهة عسكرية مفتوحة.
وفي اليوم نفسه، أعلن ترمب في منشور على منصته "تروث سوشيال" أن الولايات المتحدة شنت ضربات ضد فنزويلا، و"اعتقلت مادورو وزوجته، وجرى ترحيلهما جواً إلى خارج فنزويلا".
وطوال رئاسته لفنزويلا التي استمرت أكثر من عقد، شكل مادورو محوراً رئيساً في أزمات بلاده مع الولايات المتحدة، على رغم تباين إداراتها المتعاقبة.
محاولات انقلاب واتهامات أميركية
في الـ30 من أبريل (نيسان) 2019 أعلن مادورو إحباط محاولة للانقلاب عليه، شارك فيها، على حد قوله، الرئيس الأميركي دونالد ترمب ومستشاره للأمن القومي آنذاك جون بولتون، بينما قال وزير الخارجية الأميركي آنذاك مايك بومبيو، إن مادورو كان يستعد لمغادرة البلاد قبل أن تثنيه روسيا عن قراره.
قالت الحكومة الفنزويلية إن إعلان ترمب باعتبار أجواء فنزويلا "مغلقة بالكامل" يمثل "تهديداً استعمارياً" ضد سيادتها، ولا تتفق مع القانون الدولي.
في المقابل، وجهت وزارة العدل الأميركية عام 2020 اتهامات بالإرهاب المرتبط بالمخدرات وجرائم أخرى، إلى مادورو وعدد من كبار مسؤولي حكومته، متهمة إياهم بقيادة عصابة "كارتل دي لوس سوليس" والتعاون مع حركة "القوات المسلحة الثورية الكولومبية" (فارك) لتهريب الكوكايين.
و"كارتل دي لوس سوليس" أو "كارتل الشموس" ليس تنظيماً فعلياً ولا كارتلاً قائماً بذاته، بل هو مصطلح يستخدم في فنزويلا للإشارة إلى كبار الضباط العسكريين الذين اتهموا بجمع ثروات طائلة من خلال تهريب المخدرات.
وجاءت تسمية "الشموس" من الشارات الشمسية التي يضعها الضباط الكبار على أكتافهم. ومع اتساع اتهامات الفساد خلال عهد هوغو تشافيز ولاحقاً نيكولاس مادورو، اتسع استخدام المصطلح ليشمل مسؤولين حكوميين يشتبه في تورطهم في أنشطة فساد متنوعة.
محاولة اغتيال
في الرابع من أغسطس 2018 تعرض مادورو، وهو يلقي خطاباً لمناسبة الذكرى 81 لتأسيس الجيش الفنزويلي "الحرس الوطني" لمحاولة اغتيال فاشلة عبر طائرات مسيرة كانت محملة بالمتفجرات.
وأفاد وزير الداخلية باعتقال ستة أشخاص لضلوعهم في "محاولة اغتيال الرئيس"، وتوعد مادورو الضالعين في العملية بأنهم سيواجهون "عقاباً شديداً لا رحمة فيه"، واتهم كولومبيا وعناصر في الولايات المتحدة بتحريك "مؤامرة يمينية" لقتله.
الحكومة الكولومبية نفت أي دور لها في ما يجري في فنزويلا، وقالت "مزاعم مادورو لا أساس لها"، فيما نفى مستشار الأمن القومي الأميركي آنذاك جون بولتون أي ضلوع للولايات المتحدة في الحادثة، مضيفاً أنه "قد يكون ذريعة دبرها النظام بنفسه".
في الوقت نفسه اتهم وزير الإعلام الفنزويلي المعارضة اليمينية بتنفيذ الهجوم، وقال "بعدما خسروا الانتخابات، ها هم قد أخفقوا مرة أخرى".
في سياق متصل، ذكرت شبكة "سي أن أن" الأميركية أنها التقت العقل المدبر لمحاولة اغتيال الرئيس الفنزويلي، الذي كشف عن تفاصيل مثيرة سبقت العملية.
وقال الشخص الذي رفض الكشف عن هويته، إنه وآخرين اشتروا طائرات من دون طيار "درون" عبر الإنترنت، وحملوها بقنابل يدوية تحضيراً لمحاولة الاغتيال، وأضاف "لقد حاولنا بكل وسيلة سلمية وديمقراطية وضع حد لهذا ’الطاغية‘ الذي يدعي الديمقراطية"، وتعد هذه أول محاولة لاغتيال رئيس دولة باستخدام طائرات من دون طيار يمكن لأي شخص شراؤها.
حصلت الشبكة الأميركية على لقطات تظهر عدداً من الأشخاص وهم يجرون تجارب على هذه الطائرات في منطقة ريفية بكولومبيا المجاورة لفنزويلا. وبحسب الفيديو الذي صور عبر هاتف ذكي، تهاجم طائرات خيمة نصبت في ساحة منزل باعتبارها هدفاً، وذلك استعداداً لمحاولة الاغتيال المرتقبة.
وتظهر اللقطات أيضاً عناصر المجموعة، وهم عسكريون منشقون، أثناء عملهم داخل غرفة على كيفية ملائمة هذه الطائرة مع القنابل، ونقلت المعدات البسيطة لاحقاً إلى فنزيلا.
ويقول من يصف نفسه بـ"العقل المدبر" إن كولومبيا لم تكن مشاركة في الهجوم، مشيراً إلى أنه التقى مسؤولين أميركيين بعد المحاولة ثلاث مرات قبل أن ينقطع الاتصال بهم، وقالت "سي أن أن" إنه لا يوجد دليل يثبت تلك الاجتماعات، كذلك رفض متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية التعليق على هذا الادعاء.
سيرة
يعد نيكولاس مادورو موروس أحد أكثر القادة إثارة للجدل في تاريخ أميركا اللاتينية المعاصر، ليس فقط بسبب السياسات التي انتهجها منذ توليه الرئاسة، بل بسبب المسار غير التقليدي الذي أوصله من هوامش الطبقة العاملة إلى قمة السلطة في دولة نفطية تعيش واحدة من أعقد أزماتها البنيوية.
فمن سائق حافلة ونقابي غير رسمي في مترو كاراكاس إلى رئيس للجمهورية في ظل استقطاب داخلي وعقوبات دولية خانقة، تتكثف في تجربة مادورو أسئلة السلطة والشرعية والاستمرارية الثورية.
المولد والنشأة
ولد نيكولاس إرمس مادورو موروس في الـ23 من نوفمبر (تشرين الثاني) 1962 في العاصمة الفنزويلية كاراكاس، لعائلة تنتمي بوضوح إلى الطبقة العاملة، كان والده، نيكولاس مادورو غارسيا، قيادياً نقابياً بارزاً، مما أضفى على التنشئة الأولى طابعاً سياسياً مبكراً، قبل أن يقتل في حادثة سير عام 1989، وهو حدث ترك أثراً عميقاً في وعي مادورو الاجتماعي والسياسي، أما والدته، تيريزا دي خيسوس موروس، فهي من بلدة تشيمكوتا الحدودية مع كولومبيا، مما أضفى على العائلة بعداً ثقافياً عابراً للحدود.
نشأ في حي أل فايي، أحد أحياء الضواحي الغربية الفقيرة في كاراكاس، وسط بيئة اجتماعية مثقلة بعدم المساواة والتهميش، وهي بيئة ستتحول لاحقاً إلى رافعة رمزية في خطابه السياسي.
عرف نفسه عرقياً بوصفه مستيزو، أي نتاج تمازج بين السكان الأصليين والأفارقة، وصرح في مقابلات لاحقة بأن جذوره العائلية تعود إلى يهود سفارديين تحولوا إلى الكاثوليكية، وهو تصريح أثار جدلاً أكثر مما قدم فائدة تفسيرية لهويته السياسية.
الدراسة والتكوين الفكري
لم يتجاوز مادورو التعليم الثانوي، ولم يحصل على أي شهادة جامعية، وهو أمر نادر نسبياً بين رؤساء دول أميركا اللاتينية، غير أن غياب التكوين الأكاديمي لم يكن عائقاً أمام صعوده السياسي، بل تحول لاحقاً إلى عنصر سردي في صورته العامة، بوصفه "ابن الشعب" في مواجهة النخب.
تكوينه الفكري جاء أساساً عبر العمل النقابي والانتظام المبكر في الحركات اليسارية الصغيرة، ومنها رابطة الاشتراكيين، وهي جماعة ماركسية هامشية تحالفت لاحقاً مع التيار البوليفاري.
دينياً، نشأ مادورو ككاثوليكي روماني، لكنه أبدى في مراحل لاحقة ميولاً روحية غير تقليدية، إذ أفيد بأنه كان من أتباع المعلم الهندي ساتيا ساي بابا، وزاره في الهند عام 2005، مما يعكس نزعة شخصية نحو الروحانيات العابرة للأطر الدينية الصارمة، وإن بقي هذا الجانب ثانوياً في خطابه السياسي العلني.
البدايات النقابية والسياسية
بدأ مادورو حياته المهنية سائق حافلة، ثم عاملاً في مترو كاراكاس خلال سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته، في تلك الفترة كان العمل النقابي داخل المترو محظوراً، لكن ذلك لم يمنعه من الانتظام في نشاط نقابي غير رسمي، مما عرضه للملاحقة وأكسبه في الوقت ذاته سمعة داخل الأوساط العمالية بوصفه عنصراً منضبطاً وقليل الكلام، وهي صفات سترافقه لاحقاً في الدائرة الضيقة لهوغو تشافيز.
شكلت محاولة الانقلاب الفاشلة التي قادها تشافيز عام 1992 نقطة تحول مركزية في مسار مادورو، فقد شارك بنشاط في الحملات المطالبة بالإفراج عن تشافيز بعد سجنه، وأسهم لاحقاً في تأسيس حركة الجمهورية الخامسة، التي ستصبح الإطار السياسي لوصول تشافيز إلى الحكم عام 1998، هذا الدور المبكر لا يمكن التقليل من شأنه، إذ وضع مادورو داخل النواة الصلبة للمشروع البوليفاري، لا كمنظر، بل كمنفذ موثوق.
الصعود داخل المؤسسة التشريعية
عام 1998 انتخب مادورو عضواً في مجلس النواب، ومن ثم في الجمعية الوطنية التأسيسية عام 1999، التي صاغت الدستور الجديد لفنزويلا، ومع انتخابات عام 2000 دخل الجمعية الوطنية ممثلاً عن منطقة العاصمة، وأعيد انتخابه عام 2005، في العام نفسه، انتخب رئيساً للجمعية الوطنية، وهو منصب شغله حتى منتصف 2006، قبل أن تخلفه فيه زوجته سيليا فلوريس، في سابقة سياسية لافتة.
هذا المسار التشريعي يكشف مفارقة أساسية في تجربة مادورو، فهو القادم من خارج المؤسسات، لكنه اندمج بسرعة في منطق الدولة، مستفيداً من الولاء الشخصي لتشافيز أكثر من أي كفاءة خطابية أو كاريزما جماهيرية.
وزير خارجية ونائب رئيس
في أغسطس 2006 عينه تشافيز وزيراً للخارجية، وهو منصب شغله حتى عام 2013، خلال هذه الفترة مثل مادورو فنزويلا في المحافل الدولية، ودافع باستماتة عن التحالفات اليسارية في أميركا اللاتينية، بخاصة مع كوبا وبوليفيا والإكوادور.
غير أن دوره ظل تنفيذياً أكثر منه ابتكارياً، إذ لم يعرف عنه صياغة مبادرات دبلوماسية كبرى، بقدر ما كان صوتاً صلباً للخطاب المعادي للولايات المتحدة.
في الـ10 من أكتوبر (تشرين الأول) 2012، وبعد أيام من فوز تشافيز بانتخابات رئاسية جديدة، عين مادورو نائباً للرئيس، في إشارة واضحة إلى تفضيله داخل الدائرة الضيقة، وفي ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه، أعلن تشافيز، وهو يصارع السرطان، أن مادورو هو خليفته السياسي، داعياً الشعب إلى انتخابه في حال تعذر عليه الاستمرار في الحكم.
الرئاسة والأزمات المتراكمة
بعد وفاة تشافيز في مارس (آذار) 2013 أدى مادورو اليمين رئيساً موقتاً، ثم فاز في انتخابات أبريل من العام ذاته بفارق ضئيل عن مرشح المعارضة إنريكي كابريليس. منذ تلك اللحظة دخلت فنزويلا مرحلة من الاستقطاب الحاد، تفاقمت فيها الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، مع انهيار أسعار النفط، وتراجع الإنتاج، وفرض عقوبات أميركية وأوروبية واسعة.
شهدت أعوام حكمه احتجاجات متكررة، ومحاولات انقلاب، واتهامات دولية بالفساد وتهريب المخدرات، أبرزها الاتهامات الأميركية عام 2020 بقيادة ما يعرف بـ"كارتل الشموس"، وعلى رغم إعادة انتخابه في 2018 ثم في 2024 وسط طعون واسعة من المعارضة وتشكيك دولي، حافظ مادورو على قبضته على السلطة، معتمداً على ولاء الجيش، وتفكك المعارضة، والدعم الخارجي من روسيا والصين وإيران.
وهنا يبرز سؤال جوهري، هل يمثل مادورو استمراراً للمشروع البوليفاري، أم تحولاً سلطوياً أفرغه من مضمونه الاجتماعي؟ فبين خطاب "الحصار الإمبريالي" ووقائع الانهيار الاقتصادي، تتسع الفجوة بين الرواية الرسمية وتجربة المجتمع الفنزويلي اليومية.
الحياة الشخصية
تزوج مادورو مرتين، من زواجه الأول من أدريانا غويرا أنغولو، أنجب ابنه نيكولاس مادورو غيرا، المعروف بنيكولاسيتو، الذي شغل مناصب رسمية عدة، مما فتح باباً واسعاً لاتهامات المحسوبية (رئيس الهيئة الرئاسية للمفتشين الخاصين، رئيس الكلية الوطنية للتصوير السينمائي، مقعد في الجمعية الوطنية).
أما زواجه الثاني فكان من سيليا فلوريس، المحامية والسياسية التي حلت مكانه كرئيس للجمعية الوطنية في أغسطس 2006، الذي انتقل آنذاك لتولي منصب وزير الخارجية، وبقيت في المنصب حتى عام 2011، وتوالت المناصب لاحقاً. إلا أن مادورو كان يطلق عليها لقب "المحاربة الأولى" وليس "السيدة الأولى".
كان الاثنان على علاقة عاطفية منذ التسعينيات عندما كانت فلوريس محامي تشافيز بعد محاولات الانقلاب الفنزويلية عام 1992 وتزوجا في يوليو (تموز) 2013، بعد أشهر من تولي مادورو الرئاسة، على رغم عدم وجود أطفال معاً، فإن مادورو لديه ثلاثة أطفال من زوجته الأولى.