Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الشبهات" مخطوطة للمحاسبي نامت ألف عام ثم استيقظت كتابا

بلال الأرفه لي ورضوان السيد أمضيا سنوات في التحقيق وكتبا بحثاً

المحاسبي صاحب "الشبهات" (شات جي بي تي)

ملخص

نامت مخطوطة كتاب "الشبهات" للحارث بن أسد المحاسبي (ت. 857)، ألف عام في مكتبة الجمعية السورية التي تم ضمها إلى مكتبة الجامعة الأميركية في بيروت في أواخر القرن الـ19.  وبعدما اكتشف الدكتور بلال الأرفه لي المخطوطة تعاون مع  الدكتور رضوان السيد، في تحقيقها وتقديمها وإصدارها  حديثاً في كتاب، صدر حديثاً عن دار نشر الجامعة الأميركية في بيروت، سلسلة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان للنصوص والدراسات العربية والإسلامية، 551 صفحة.

يبدو اكتشاف كتاب "الشبهات" للحارث بن أسد المحاسبي  (توفي عام 857) أشبه باللقيا التي وقع عليها الدكتور بلال الأرفه لي في 2009، كانت مخطوطة الكتاب ترقد في مكتبة الجامعة الأميركية في بيروت، التي ورثت مكتبة الجمعية السورية في أواخر القرن الـ19، وكانت هذه المخطوطة ضمن محتوياتها.

وسارع الأرفه لي إلى مراسلة الباحث والمستشرق الكبير جوزف فان أس قبل رحيله عام 2021، وهو المتخصص المعروف بالمحاسبي، لمناقشة محتواها ونسبتها. أما حكاية كتاب "الشبهات"  فتبدأ عام 1856، عندما  كتب المستشرق النمسوي ألويس شبرنجر عن مخطوطة قديمة رآها في مكتبة الجمعية السورية في بيروت. كانت المخطوطة تحتوي على حوار بين شيخ وتلميذه، يسأل التلميذ ويجيب الشيخ، وقد لاحظ شبرنجر أن الشيخ توفي عام 857، فخمن أنه الحارث المحاسبي، أحد أشهر زهاد بغداد، واعتبر أن هذه المخطوطة قد تكون أقدم نص صوفي وصل إلى المكتبة. ثم ما لبث أن تم نسيان الأمر، ولكن وحين وضع فؤاد سزكين قائمته الكبرى بالتراث العربي في القرن الـ20 سجل الكتاب في عداد المفقودات.

وعندما وجد الأرفه لي المخطوطة تأكد أنها النسخة نفسها التي وصفها شبرنجر قبل قرن ونيف، وفي السنة نفسها التقى الأرفه لي بالباحث والمفكر الدكتور رضوان السيد، واتفقا على العمل معاً بغية تحقيق المخطوطة ودراستها والكتابة عنها ونشرها في كتاب.

 

 

نسخة واحدة 

استغرق العمل المشترك 16 عاماً من اللقاءات الأسبوعية، سافر فيها الكتاب معهما، كما يقولان في مقدمتهما، "من مدينة إلى أخرى، يحضر في حقائبنا وأوراقنا وأحاديثنا". والمخطوطة نسخة وحيدة في العالم، كتبت بخط مغربي عام 1093، أي بعد وفاة المؤلف بأكثر من قرنين، وقوبلت على أصلها في الإسكندرية. وقد أكل الزمن عشرات الكلمات منها، فاستعان المحققان بكتب الحديث والزهد التي تروي القصص نفسها لاستعادة ما أمكن استعادته، وتركا ما تعذر فارغاً بين قوسين بدل أن يخترعا كلاماً لم يقله المؤلف.

من هو المحاسبي؟ ولد في البصرة قرب عام 780 وانتقل مع أسرته إلى بغداد، وعاش فيها أيام هارون الرشيد والمأمون والمتوكل. لقب بالمحاسبي لأنه كان يحاسب نفسه على كل خاطرة ترد في ذهنه، وكذلك على كل لقمة. لم يكن المحاسبي صوفياً بالمعنى الذي نعرفه اليوم، كان زاهداً وعالماً بالحديث والفقه، وكان تلاميذه، وعلى رأسهم الجنيد، هم الذين حولوا تعاليمه إلى ما صار يسمى التصوف، وقد قرأه الغزالي بعد قرنين ونقل عنه كثيراً في إحياء علوم الدين.

أما "الشبهات" فهي كلمة من الحديث النبوي: الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات. يقف المحاسبي عند هذه المنطقة الرمادية ويعتبرها أخطر ما في حياة المؤمن، لأن الإنسان لا يسقط في الحرام مباشرة، بل ينزلق إليه من المشتبه. ومن هنا يمضي يمضي الكتاب في أسئلة عملية يطرحها التلميذ أحمد بن عاصم الأنطاكي: هل آخذ عطاء الحاكم؟ هل أرث مالاً لا أعرف من أين جاء؟ لمن أدفع زكاتي؟ هل أعمل في التجارة أم في الزراعة؟ هل أشتري أرضاً في الثغور؟ هل أتزوج من قريبتي إذا كان في ميراثها شبهة؟ وهي أسئلة تكشف عن أن الكتاب ليس رسالة في التأمل الروحي فحسب، بل صورة حية لحياة الناس في بغداد في القرن التاسع، بأسواقها وأراضيها وجندها وأمرائها.

 

يفاجأ قارئ الكتاب اليوم بحدة المحاسبي في موقفه من السلطة. فهو يرى أن أموال الحكام الأثرياء كلها مشبوهة أو حرام، وأن هداياهم لا تقبل، وأن على من يريد سلامة دينه أن يبتعد من الدولة وممن يعمل معها. ويلمح إلى الحرب التي دارت بين الأمين والمأمون على الخلافة، وإلى ما فعله الجند بأهل بغداد في تلك السنوات. ويقول بمرارة "خلفاؤنا اليوم قد أعضل أمرهم"، لكنه في الوقت نفسه يرفض الخروج على الحاكم ويعتبره فتنة. فهو غاضب، لكنه ليس ثائراً. وهذا التوازن بين الرفض الأخلاقي والقبول السياسي هو موقف أهل الحديث في عصره، وسيبقى موقف أهل السنة قروناً بعده.

كتاب في كتاب

الدراسة التي قدم بها المحققان الكتاب هي كتاب في كتاب، بحث عميق وشامل، يتتبع حياة المحاسبي في ست مراحل، من شبابه في البصرة إلى سنواته الأخيرة في العزلة، ويشرح لماذا يعد كتاب "الشبهات" من أول ما أملاه المحاسبي، ولماذا ينسب إليه لا إلى تلميذه، على رغم أن اسم التلميذ هو الذي يتصدر المخطوطة. والحجة بسيطة ومقنعة: طريقة السؤال والجواب هي طريقة المحاسبي في كل كتبه، والباب الأول في الكتاب، وهو باب العقل، يحمل تعريفه الشهير للعقل بأنه غريزة، وعشرات الأفكار الواردة فيه نجدها بحرفها تقريباً في كتبه الأخرى.

هل الكتاب سهل القراءة؟ ليس دائماً. فيه تكرار كثير، وتقسيمه إلى أبواب وأجزاء غير منتظم، والمحققان يعترفان بذلك ولا يخفيانه. لكن هذا الاضطراب نفسه له قيمته: نحن أمام إملاءات شيخ على تلميذه، لا أمام كتاب مؤلف بعناية، ولذلك نسمع فيه صوت الرجل قبل أن يهذبه التلاميذ والنساخ. ويختم الكتاب بفهارس للآيات والأحاديث والأعلام والأماكن، تجعله سهل الاستعمال لمن يريد أن يعود له.

كان المحاسبي معروفاً عبر كتبه المتأخرة، حين صار شيخاً مهيباً يقرأ في المساجد. أما هنا فهو شاب في بغداد، شديد الورع، غاضب على الحكام، يجيب عن أسئلة تلميذه بثقة من قرأ كثيراً وسمع أكثر. وقلما يتاح للقراء والباحثين في تراث بهذا القدم أن يسمعوا صوت مؤلف قبل أن يصير إماماً.

أما عناوين فصول الكتاب بعد صدوره فتتوزع  بين: الرجل والعصر وأجواء البصرة وبغداد، كتابات التأسيس: مرحلة بغداد ومرحلة مجالس المسجد، المرحلة الثالثة: مجلس الذكر، المرحلة الرابعة: التفتح والازدهار، المرحلة الخامسة: الحقبة الكلامية، المرحلة السادسة: سنوات النفي والانكفاء والخفوت، شيوخه وتلامذته، الآثار والتأثير.

وفي المقدمة الضافية التي وضعها الباحثان، الأرفه لي والسيد، يريان أن خصيصتين تجتمعان في هذه الطبعة لكتاب "الشبهات"، الأولى أنه يعود لشخصية من القرن الثالث الهجري هو الحارث بن أسد العنزي (ت. 243ه/857م) الملقب بالمحاسبي، الذي تميز سلوكاً وفكراً بين أهل عصره ولدى الأجيال اللاحقة حتى الغزالي (450-505ه/1058-1111م) وفي المغرب والأندلس بعد القرن الخامس أيضاً... والخصيصة الثانية أن كتاب "الشبهات" الذي قد يكون هو نفسه كتاب "دواء داء القلوب" الذي لم يعرف ولم ينشر من قبل، وبقي في مخطوطة وحيدة من القرن الخامس، منسوبة إلى أحمد بن عاصم الأنطاكي، صاحب المحاسبي ومستمليه أو سائله وقد توفي نحو عام 239ه/853 م.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لم تكن هناك عناية خاصة من كتاب السير والتراجم بسيرة المحاسبي، وربما كان سبب ذلك عدم تحدد الفئة التي انتمى إليها، وهذا صعب بالفعل. فالمحدثون على رغم كثرة مروياته في كل مؤلفاته وبخاصة في كتاب "الشبهات" لم يعتبروه واحداً من أعلامهم، وكذلك الفقهاء والمفسرون والمتكلمون، مع أن له كتباً في ذلك كله. ومع أن الصوفية اعتبروه واحداً من شيوخهم الكبار من الجيل الأول، فإنهم ما امتلكوا معلومات عن حياته باستثناء الثناء الجم.

مرويات وأسانيد

في الأبواب والفصول والأجزاء الـ60 أو الـ70 في الكتاب، هناك مرويات كثيفة متشبثة بالأسانيد التي نجد نماذج لقصصها وتقريراتها في كتب الحديث المعاصرة للمحاسبي. ولكن عندما يستطرد المحاسبي ويخرج من قصص وأحاديث التمثيل والنمذجة إلى المساجلات الفقهية، فإنه يدع الأسانيد ويذكر مالكاً وأبا حنيفة والشعبي وابن أبي ليلى (ت. 148ه/765م) وأصحاب الحديث، وفي أحايين قليلة الشافعي وأحمد بن حنبل. وفي مثل هذه الحالات التي تتكرر خمس مرات أو ستاً لا نعرف مصادر الاقتباس. هل كانت هناك كتب فقهية مالكية وحنفية وفي فقه التابعين موجزة بحيث يمكن الرجوع إليها؟ أو من أين يأتي المحاسبي باقتباساته؟

وكما سبق القول فإن المحاسبي كان يملك "مكتبة" في ما يبدو، وهو كما سبق ذكره أشاد في رسالة "مائية العقل" وحقيقة معناه بثقافة الكتاب. وهو أمر غريب لدى المحدثين، وبخاصة أن كتبه ليست تقارير عن اجتماعات أو مجالس لرواية الحديث، بل هي إملاءات أو إجوبة عن أسئلة ونقاشات توصل إلى رسائل ومؤلفات. وقد عرفنا من مصادره في مسائل الخراج والزكاة كتاب "الأموال" لأبي عبيد وكتاب "الخراج" ليحيى بن آدم. وكما سبق القول أيضاً فهو متحرر غير مقلد، يذكر الجميع ويأخذ من آرائهم ما يوافقه، ويرد على بعضهم الآخر بما في ذلك أهل الرأي (الأحناف) ومالك.

كتاب "الشبهات" من كتب التأسيس عند المحاسبي، وهو كتاب أزمة إذا صح التعبير. وهي أزمة تلونت في مراحل حياته ببغداد التي استغرقت نحو 30 عاماً، لكن معالمها الأساسية كما تبدو في كتاب "الشبهات" ظلت بارزة، فللكتاب مشابه وآثار في كتبه اللاحقة، وبخاصة كتاب "المكاسب". ويدل الكتاب على رغم غلبة المرويات عليه على شخصية مستقلة واسعة المعرفة بالحديث والفقه، وفي الكتب اللاحقة تظهر معارفه في علوم القرآن والتفسير والكلام والفلسفة.

أما بنية الكتاب فهي ليست ثابتة أو منتظمة، وتبدو الأبواب الأولى ومنها باب أصول العقل، كأنما هي مضافة في ما بعد، قبل أن ينصب الحديث على الشبهات وأنواعها ومزالقها التي يخالط أقسامها وأبوابها وفصولها تكرار كبير وكثير. هل لأن الكتاب من كتب المحاسبي الأولى إلى جانب كتاب "الخلوة والتنفل"، أم لأن الأجيال اللاحقة من متداولي الكتاب أضافت وعددت مع الالتزام بالأسلوب والمنهج؟

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة