Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

خريطة الترفيه في مصر... حفلات باهظة ونكات مريرة

ارتفاع قياسي لأسعار تذاكر المسرح والسينما ومقاعد الأوبرا محدودة العدد ومدرجات الكرة بلا جمهور

جمهور الحفلات الشبابية لا يزال يبحث عن متنفس يلائم ظروفه الاقتصادية  (صفحة الفنان عمرو دياب على فيسبوك)

لم يعد التندر على أسعار تذاكر الحفلات الغنائية، بخاصة التي تقام بالساحل الشمالي في مصر أمراً جديداً بعد أن بات "تريند" سنوياً معتاداً في موسم الصيف، تشتعل معه المقارنات ومخيلة رواد مواقع التواصل الاجتماعي، إذ كانت تلك النوعية من السهرات تتوازن بشكل أو بآخر مع طرق بديلة للترفيه أسعارها في متناول الفئة الأكبر من الجمهور، وما حدث هو أن تلك المساحة تقلصت بشكل يثير الحيرة والتساؤلات.

فإذا كان عمرو دياب وتامر حسني وروبي وغيرهم دأبوا على تقديم حفلات تتجاوز أسعار تذاكرها الـ500 دولار أميركي، وهو مبلغ يساوي أكثر من ضعفي الحد الأدنى للأجور في مصر، فإن من العدالة أن يقابل هذا المستوى حفلات أخرى جماهيرية لكبار النجوم تكون متاحة لفئات أوسع.

أين الحفلات العادية؟

لكن مساحة الاحتفالات التي تلائم ميزانية جماهير الدرجة الثانية والثالثة، مثلما جرى تسميتهم وفقاً لمصطلحات كرة القدم، تقلصت على الرغم من أن هذه الجماهير هي العصب الحقيقي لشعبية أي فنان والفئة الأعرض التي تعطي لأي نشاط روحه وقوته.

فالطلبة ومن لا يزالون في مقتبل حياتهم، وهم جمهور الحفلات الشبابية، يبحثون عن متنفس يلائم مصروفهم اليومي وظروفهم الاقتصادية، بالتالي فحفل بعض المطربين الذي تصل سعر الطاولة فيه إلى 100 ألف جنيه مصري (5500 دولار) غير موجه لهم بالمرة، وبالطبع فإن الحفلات التي تقام على شواطئ خاصة وبشروط حضور معينة وبكود ملابس محدد من الجيد أن تكون موجودة ضمن خريطة الترفيه المتنوعة، لكن "الحفلات العادية" باتت شبه غائبة، على الرغم من أن الأنشطة الفنية الجماهيرية التي تقام في أماكن متسعة وبأسعار قليلة لا ترهق الميزانية العائلية ولا تحتاج إلى خطط ومناورات لحضورها أثبتت نجاحها.

 

 

مع ذلك، فإن عدد هذه الحفلات يتراجع بشكل غير مفهوم، وباتت الحفلات الغنائية التي يمكن أن يحضرها أصحاب الدخل المتوسط شبه مقتصرة على حفلات دار الأوبرا المصرية التي تقيمها على مسارح عدة، حيث تحرص المؤسسة على تنظيم حفلات ضمن برنامجها الصيفي، وكذلك مهرجان الموسيقى العربية، لكن بنظرة سريعة سنجد أن عددها قليل للغاية، كما أن الحد الأقصى للحضور الجماهيري بالكاد يتجاوز الألف، وفي بعض المسارح يكون أقل من هذا الرقم بكثير، وعلى الرغم من أن أسعار التذاكر المطروحة تتراوح بين 15 و100 دولار، فغالباً ما يكون عددها محدوداً للغاية بسبب قلة المقاعد بطبيعة الحال، وهو سيناريو يتكرر كثيراً مع حفلات نجوم الأوبرا، ومن بينها حفل أنغام الذي أقيم أخيراً كافتتاحية لمهرجان الأوبرا الصيفي وشهد إقبالاً واسعاً.

إيناس عبد الدايم وزيرة الثقافة المصرية، قالت في بيان رسمي، إن الوزارة أعدت برنامجاً إبداعياً مكثفاً خلال الصيف يتم تنفيذه في جميع ربوع مصر. وأكدت أن "الفنون والثقافة إحدى أدوات بناء الإنسان وتطوير المجتمع والقوي الناعمة التي تسهم بصورة مباشرة في تشكيل الوعي وتنمية الإدراك، وتحرص المؤسسة على جعل الترفيه في متناول الجميع، لكن يظل بلد تعداده يزيد على الـ100 مليون بحاجة للمزيد".

محاولات غير كافية

حفل أنغام امتلأ بالجمهور، ومع ذلك هناك عدد أكبر لم يوفق في الحصول على تذكرة، لأن سعة المسرح في النهاية لا تزيد على الألف، يروي محمد خالد تجربته مع محاولة حجز ثلاث تذاكر بصحبة أصدقائه، مؤكداً أنه حاول حجز تذاكر من الفئة المتوسطة، وسعرها يعادل 35 دولاراً، نظراً إلى أن التذكرة الأقل لا تضمن متابعة جيدة للحفل، لكن التذاكر نفدت سريعاً ولم يعد أمامهم سوى شراء الفئة الأعلى سعراً، بالتالي تراجعوا بعد أن انتظروا مطولاً حضور حفل مطربتهم المفضلة، وهي معضلة متكررة تحاول دار الأوبرا تخطيها، مثلما تحاول وزارة الثقافة أيضاً التوسع في مشروع "سينما الشعب"، الذي تتراوح أسعار تذاكره بين دولار واحد ودولارين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن المبادرة لا تزال محدودة الانتشار أيضاً، وإذا كان نجم مثل محمد منير حقق معادلة "الترفيه الجماهيري" بامتياز أخيراً عن طريق حفل ضخم في محافظة الإسكندرية كانت أسعاره في متناول الجمهور، إذ لم تتجاوز التذكرة الأعلى 25 دولاراً، فإنها تظل حالاً لم تتكرر كثيراً في بلد تبلغ فيه نسبة الشباب من 18 إلى 29 عاماً 21 في المئة، وفقاً لتقرير الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، العام الماضي، والصيف بالنسبة إليهم متنفس يبحثون فيه عن وسائل ترفيه أكثر تنوعاً وملائمة.

دهشة وتعليقات مضحكة

بات معروفاً أن مناطق مثل رأس الحكمة وسيدي عبد الرحمن بالعلمين في الساحل الشمالي تمثل عنواناً لأنشطة يتم توجيهها لشريحة معينة من الجمهور المصري، فمثلاً حفل كاظم الساهر المزمعة إقامته في الرابع من أغسطس (آب)، وهو الأول له في مصر منذ نحو 12 عاماً، تتراوح أسعار تذاكره ما بين 80 و425 دولاراً، وهو الذي حقق شهرته الواسعة في مصر خلال مواسم "ليالي التلفزيون" التي كانت أسعار تذاكرها مناسبة لجميع الشرائح وكانت تشهد حضوراً جماهيرياً ضخماً، بخاصة تلك التي كانت تقام على المسرح الروماني في مارينا وهي المنطقة الساحلية التي أصبحت تصنف ضمن الكلاسيكيات حالياً وتسمى بـ"الساحل الطيب" نظراً إلى قلة أسعارها مقارنة مع مناطق مجاورة لها.

 

 

أسعار تذاكر الحفلات المرتفعة ساقت كثيراً من التعليقات الساخرة على منشور في الصفحة الرسمية لعمرو دياب يعلن من خلاله عن حفله المرتقب في العلمين الجديدة في الخامس من أغسطس المقبل، إذ قال أحدها، "يارب تطلع رخيصة، هنعمل جمعية علشان نحضر الحفلة"، والعبارة الأخيرة تشير إلى تقليد مصري يقضي باشتراك مجموعة من الأشخاص في دفع مبلغ صغير شهرياً على أن يتقاضى كل منهم مجموع المبالغ كاملاً بترتيب محدد، وحتى الإعلامي والمغني أسامة منير أسهم بفيديو ساخر للتعليق على ارتفاع أسعار الحفلات الغنائية في الساحل الشمالي متندراً على الفوارق الكبيرة في مستويات أماكن الجلوس والمشاهدة وفقاً لتكلفة كل مقعد.

تتسع دائرة الجدل في شأن منصات ووسائل الترفيه من أمسيات غنائية ودور سينما وحتى مباريات رياضية، ووصل الأمر أيضاً إلى "كورنيش النيل" بعد أن أصبح الممشى السياحي الذي افتتح على نيل القاهرة مرهوناً بمقابل مادي كذلك، وعلى الرغم من أن التذكرة تعادل تقريباً دولاراً أميركياً واحداً وتخص فقط الدور السفلي من الممشى، لكن فكرة إلغاء المجانية الكاملة أزعجت كثيراً من معلقي "السوشيال ميديا" والفئة التي اعتادت أن تكون "خروجة النيل" متاحة لها على الدوام من دون الاضطرار إلى الدفع.

هل تتغير قواعد الترفيه؟

من المؤكد أن فئة الشباب التي تبحث عن قضاء الوقت مع الصحبة، في مرحلة البحث عن بدائل منذ عشر سنوات تقريباً، بخاصة أن الاهتمام الأكبر الذي يجمع غالبية هؤلاء هو الرياضة وكرة القدم تحديداً، وهي نشاط يقام من دون جمهور في مصر منذ سنوات طويلة، حيث يقتصر حضور مباريات الدوري على ألفي مشجع تقريباً.

في المقابل، أصبحت أسعار تذاكر السينما، وهي بمتوسط أربعة دولارات، بالنسبة إلى جمهور الطبقة المتوسطة ومن هم أقل، تحتاج إلى تفكير وحيل، وبالطبع فهناك خدمة مهمة تقدمها المسارح التابعة للدولة، حيث لا يتجاوز سعر التذكرة بفئتها الأعلى خمسة دولارات، لكن جمهور تلك المسارح له طبيعة خاصة تبحث عن الأعمال ذات الطابع الثقافي، كما أن التنوع في وسائل ومستويات الترفيه هو عصب هذا المجال، فهل ستتجدد السجالات كل عام أم تتغير خريطة وقواعد الترفيه في مصر قريباً؟.

المزيد من فنون