Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف نمت الطائفية في سوريا؟

لم يكن الانتماء العرقي معياراً للحكم على الشخص أياً كان موقفه

لم تنجح سلطات اليوم حتى الآن في أن تكون كياناً صلباً يحكم سيطرته على مؤسسات الدولة ومن خلالها على الجغرافيا السورية كاملة (أ ف ب)

ملخص

قرن من حكم الأقليات والأكثرية في سوريا... يوم كانت المواطنة هي المعيار لا الهوية

بعد نهاية الحرب العالمية الأولى والانهيار الفعلي للدولة العثمانية عام 1918، دخلت سوريا مرحلة الدولة الحديثة، على رغم ما تبعها من انتداب فرنسي لنحو ربع قرن تقريباً حتى عام 1946. ومنذ بزوغ فجر الدولة الوليدة بحدودها الحديثة، لم تكن المشكلة يوماً مرتبطة بطبيعة الحكم العام بقدر ما كانت مرتبطة بتصور تعريفه القانوني.

ضمن ذلك الإطار عاشت سوريا مفارقات مستمرة حكمتها طوال قرن تالٍ من الزمن، خلاله وصل إلى رأس السلطة حكام من الأكثرية السنية وآخرون من أقليات طائفية كالعلويين أو عرقية كالأكراد، وضمن مفاصل كثيرة كان الدروز والإسماعيليون جزءاً من حكم الظل في البلاد، تحديداً في مرحلة اللجنة العسكرية البعثية خلال الستينيات. وعلى رغم ذلك كانت التعددية السياسية الغائب التام في معظم المفاصل، وإن كان جديراً أن يُقال إن سوريا عاشت ملامح تعددية نسبية، فقد يكون ذلك حصل بين الجلاء الفرنسي عام 1946 وبداية الوحدة مع مصر عام 1958. وعلى رغم ذلك فإن تلك الفترة شابها كثير من الانقلابات العسكرية والمؤامرات وهيمنة الجيش على القرار.

كل السلطات التي تعاقبت تعاملت مع التعددية على أنها خطر وجودي يجب تعطيله أو وأده وفي أفضل الأحوال احتواؤه واكتسابه. وعليه، لم يكن حضور الأقليات عملياً اعترافاً فعلياً بتنوع منطلق من شرعيات سياسية وسيادية، بل نتيجة خلل بنيوي عميق في جسد الدولة نفسها، وهو ما وضعها في لحظات احتراب وقلق وغموض واختراق استخباراتي واضطراب عام جعلها رهينة اللحظة، لا العقد الاجتماعي الذي سينظمها وينقلها من سلطة لأخرى تحفظ البلاد وأهلها حقوقهم.

حياد الهوية

الدولة التي خرجت من رحم الإمبراطورية العثمانية، احتاجت كثيراً من الوقت لتعيد ترتيب مفرداتها وصياغتها، بعيداً من التصنيفات الجاهزة والطوائف والأعراق، على رغم أنها اليوم تبدو كمن فشل فشلاً ذريعاً في ذلك بعد كل هذه العقود.

الأهم أنه خلال تلك المراحل المبكرة من عمر الدولة السورية، حضرت شخصيات كردية وتبوأت مناصب عليا في الجمهورية بين رئيس لها أو رئيس لحكومتها أو وزير، إضافة لضباط وغيرهم. وفي التاريخ المعاصر، وصل محمد علي العابد إلى سدة الحكم كأول رئيس للجمهورية وهو كردي، لكن تلك الميزة لم تكن خلف وصوله، إنما انتماؤه لطبقة سياسية تجيد فن الإدارة متغلغلة في طبقات المجتمع، موضعاً وحكمة واندماجاً وشأناً، لذا، كان لا ينظر إليه من منطلق الهوية الكردية القادم منها، وبخاصة أن الأكراد السوريين موجودون من دمشق جنوباً إلى حلب شمالاً فالجزيرة شرقاً. كذلك وصل للمناصب العليا كل من الرئيس أديب الشيشكلي والرئيس حسني الزعيم والرئيس فوزي السلو، إضافة لوزراء ورؤساء حكومات وبرلمانيين وضباط.

خلال تلك الأيام لم يكن الانتماء الطائفي أو العرقي معياراً للحكم على الشخص أياً كان موقفه. فالسياسي والوزير والسفير والشخصية الأكثر شعبية في تاريخ سوريا خلال القرن الماضي كان المسيحي فارس بيك الخوري، والذي كان من جملة ما استلم من مناصب، أن استلم وزارة أوقاف المسلمين الذين عهدوها له مطمئنين على أحوالهم معه، وفي ذلك إشارة عميقة إلى أن الطائفية في سوريا ولدت وتنامت تباعاً، ولم تكن يوماً جزءاً أصيلاً من المفهوم السوري.

خلال تلك الأعوام، كان الأجدر بالحكم أقدر الناس على تقديم نفسه كجزء من نخبة النخبة لا كشخص محسوب على تكتل اجتماعي أو هوياتي ضيق حتى ولو كان حزبياً. ويتضح ذلك من أن مسؤولين سوريين كثر وصلوا إلى مناصب رفيعة من دون أرضية شعبية واسعة، إنما اعتمدوا على منطق التوازنات داخل جسد الدولة. ولم يكن الأكراد أكثر من عائلات تتفوق أمام نظيراتها أو تخسر في معركة العلم والإدارة والعلاقات، وحتى ما بعد منتصف الخمسينيات في أقل تقدير، لم يطرح الملف الكردي كخطر أمني وقومي على الدولة نفسها.

هذا الحياد في الهوية، الذي قد يبدو لبعض الباحثين اليوم مؤشراً إيجاباً في عمر مبكر لسوريا، قد يكون مجافياً للصواب قليلاً، فالحياد عينه يعكس الهشاشة غير القادرة على إنتاج مؤسسة تستطيع تضمين التعدد داخلها وحفظ حقوقها بعيداً من مصادرة السلطة والاستئثار بها وتحويلها من خلفية صامتة لا وزن جماعياً لها إلى عنصر تفسير مركزي يشعل فتيل صراع على حكم أو إقليم أو جماعة بأكملها.

 

عهد الانقلابات

سريعاً ما بدأت الانقلابات العسكرية داخل سوريا بعد الجلاء، لم تكد تتنفس البلد أجواء الديمقراطية والحرية، ثلاثة أعوام فقط تقريباً، حتى جاء انقلاب الضابط الكردي حسني الزعيم وسيطرته على الحكم، وبهذا أعاد تعريف معنى السلطة من جديد، فخرق مفهوم توازن القوى الاجتماعية النخبوية المدنية وأحل الجيش مكانهم ككيان أدرى بمصالحهم.

هنا، بدأت تتراجع الأصوات المدنية ومعها أهمية الانتماء العام رضوخاً أمام هول قوة المؤسسة العسكرية ذات الدبابات الكثيرة، والزعيم، ومن بعده السلو. كان كلاهما كردياً بالمواطنة لا الهوية الصراعية اليوم. ولم يشكل صعودها سلماً للأكراد سياسياً ولا إعادة توزيع مناصب وتمثيل، بل فراغ يسوده منطق الولاء لا العشيرة، وذاك الولاء محمي بفوهات البنادق.

الانقلابات المتتالية ألغت دور الشرعية الشعبية والرقابية والمدنية والاقتراعية في الصناديق حتى، وصار من الممنوع سؤال الحاكم عن وظيفته وتحالفاته ومدة حكمه ورؤيته المستقبلية، بل فحسب عن كيفية إدارته لعنكبوتية شبكة الولاء داخل الجيش والقوات المسلحة. وهذا يعني أن الهوية الأساس الكردية أو غيرها لم تكن موضع نقاش أو امتياز يصنع ثقلاً سياسياً شعبياً، فالصراع كله تحول لحصول أكبر كم ممكن من النفوذ بين القوى والطوائف والعرقيات، ولكن أيضاً من دون تكتلات.

على رغم ذلك، وبين انقلاب وآخر، كانت سوريا تشهد أحياناً وصول رئيس مدني توافقي إجماعي تنتعش معه البلاد مثل شكري القوتلي، ثم يعود آخرون للانقلاب أو توقيع اتفاقات دولية على رغم عنه ومن دون إخباره، وتجلى ذلك حين أجبر ضباط الجيش الرئيس الشرعي المنتخب شكري القوتلي على التنازل عن الحكم بعدما علم بتوقيعهم اتفاق وحدة مع مصر – عبدالناصر عام 1958، ومنذ ذلك الوقت فعلياً قضي تماماً وحتى الآن على أي مناخ متاح للحرية.

أديب الشيشكلي... رئيس كردي من "فولاذ"

كان القائد العسكري أديب الشيشكلي ذو الهوية الكردية صاحب الانقلاب الثالث في تاريخ سوريا الحديث خلال ديسمبر (كانون الأول) 1949 لكنه لم يحكم من خلاله، الهدف كان الإطاحة بالرئيس الكردي أيضاً حسني الزعيم الذي وصل بانقلاب إلى السلطة، وكان هدف انقلاب الشيشكلي عليه احتجاجاً على تسليم حسني لمؤسس "الحزب السوري القومي الاجتماعي" أنطون سعادة للسلطات اللبنانية وإعدامه هناك لاحقاً. ويقال إن الشيشكلي كان متأثراً بأفكار سعادة، وخلال عام 1951 أعاد الشيشكلي تنفيذ انقلابه الخاص ليحكم هو حتى عام 1954.

ينظر باحثون لتجربة الشيشكلي على أنها واحدة من أعقد أنماط الحكم في سوريا. فالرئيس الجديد سعى لبناء منظومة دولة فعلية، ولم يقحم فيها كرديته كهوية، لذا عمل على تفكيك المجال السياسي المحيط والبعيد من حوله، وحاول معه بناء دولة شرق أوسطية قوية وقابلة لتلقي الصراعات وخوض المجازفات، وإن كان ذلك لا يعطيه صك براءة من جملة انتهاكات واسعة وقعت في عهده، على رأسها قصفه مدينة السويداء بالطيران إثر تمرد ضده قام هناك.

حاول الشيشكلي التعلم من التجارب السابقة له بسحق محاولات التعددية السياسية، وسحق مراكز القوى العسكرية، والعمل بجد لإنهاء فوضى الانقلابات والفوضى. ومن أجل ذلك، كمم الأفواه، وحل ما بقي من أحزاب، وقيد الصحافة بأغلال لا تفك، وجعل البرلمان صورياً، والحكومة أيضاً، وسعى لحصر السلطات بيده، معلناً نفسه زعيماً أوحداً بيده مفاتيح الاستقرار ومنع الانقسامات.

اللافت في تجربته أن خلفيته الكردية الأقلوية كانت واحدة من أولى الهويات التي حوربت في عهده، مقوضاً معها أي تعددية ممكنة تهدد السياق القومي الجامع في عصر كان يزدهر به العالم العربي بالأفكار القومية العابرة للحدود التقليدية. أخيراً، سقط الشيشكلي ضمن حركة تمرد عسكرية واسعة قادها الضابط فيصل الأتاسي وآخرون، مدعومين بحراك شعبي استمر بين عامي 1953 و1954 ضد سياسات الشيشكلي، الذي حاول التنازل عن الحكم مبرراً قراره بأنه جاء حفاظاً على وحدة الجيش، قبل أن يفر إلى بيروت، ومن هناك إلى منفاه الأخير في البرازيل، حيث عمل في الزراعة قبل أن يُغتال عام 1964 على يد شاب سوري درزي، بحسب ما ذكرت المصادر. وبإسقاط الشيشكلي، عادت الشرعية الديمقراطية لتحكم عبر الرئيس هاشم الأتاسي، الذي يلقب بأبو الدستور السوري، وأبو الجمهورية، وهو ذاته الذي أطاحه الشيشكلي سابقاً عام 1951.

 

الراديكالية القومية

مع بزوغ نجم حزب "البعث" خلال عشرينيات القرن الماضي، قبل أن يكتسب هذا الاسم فعلياً، على يد المفكر زكي الأرسوزي، وما تبع ذلك من تحالفات مع الزعيم أكرم الحوراني والمفكر ميشيل عفلق والمفكر صلاح الدين البيطار والاتحاد لتشكيل حزب "البعث العربي الاشتراكي"، كان الحزب رفقة أحزاب أخرى تنشط في السر، إما مُكممة الأفواه، أو تبحث عن مساحتها بين الانقلابات. وصل أخيراً البعثيون إلى الحكم، لكن ليس كفكرة موحدة في رؤيتها وطبيعتها، فالحزب نفسه أعيدت مصادرته من قبل الضباط البعثيين صغار الرتب على حساب مفكريه الكبار، وعلى رأسهم المقدم محمد عمران والرائد صلاح جديد والنقيب حافظ الأسد (علويون)، والضباط عبدالكريم الجندي وأحمد المير (إسماعيليان) وسليم حاطوم (درزي) وغيرهم من ضباط سنة، نواتهم الأولى كانت عبر الأسماء الخمسة الأولى المذكورة، وكان ذلك بعهد الوحدة مع مصر عام 1958، قبل تشكيل اللجنة العسكرية لحزب "البعث" بعد انفضاض الوحدة عام 1961، وانضمام مزيد من الضباط البعثيين والناصريين إليها من طوائف مختلفة. وعلى رغم ذلك كان عددهم قليلاً جداً، إلا أنهم تمكنوا من القيام بما يعرف بثورة الثامن من مارس (آذار) 1963.

تلك الثورة أطاحت نظام الرئيس المنتخب ناظم القدسي ورئيس حكومته خالد العظم، وجاءت بلؤي الأتاسي رئيساً قبل أن يستقيل بعد بضعة أشهر، لتقوم اللجنة بتعيين الضابط أمين الحافظ بديلاً عنه كرئيس للبلاد وكواجهة سنية في الوقت ذاته. وخلال عام 1966 قام الضابط صلاح جديد والذي كان صاحب النفوذ الأوسع في حزب "البعث"، وأمينه العام ومدير مكتب الضباط في الجيش، بانقلاب دموي أطاح بالحافظ بعد خلافات بينية واسعة عصفت ما بينه واللجنة العسكرية. وكان أساس تلك الصراعات هو المنافسة بين الحرس القديم (صلاح الدين البيطار – ميشيل عفلق – منيف الرزاز/ آباء الحزب)، واللجنة العسكرية الشبابية المندفعة. وانتهى الأمر بنفي الحافظ، وهرب الآباء المؤسسين خارج سوريا، وتولدت صراعات عميقة مع بعث العراق. وكان في كل ذلك تيار إصلاح جديد، الأكثر راديكالية قومية ويسارية والتحاماً مع الاتحاد السوفياتي.

ولكن، في خضم ذلك النوع من الحكم، وعلى رغم أن الحافظ كان نفسه خيار اللجنة، كانت سوريا على موعد مع تمرد واسع لـ"الإخوان المسلمين" في محافظات عدة أبرزها حماه، كان ذلك عام 1964. وبوصفه القائد الأعلى للجيش والقوات المسلحة، اتخذ الرئيس أمين الحافظ قراره بلا تردد بحصار حماه وقصفها بالدبابات والمدافع، وقتل الإسلاميين فيها ودمر عدداً من مساجدها. وعلى رغم أن "الإخوان المسلمين" كرروا تمردهم بحماه أيضاً عام 1982، فقام حافظ الأسد (وكان حينها رئيساً للجمهورية) بقصف مدينتهم. إلا أن التركيز دائماً ضمن السياقات التاريخية يتناسى أن الرئيس الحافظ فعل الشيء ذاته، وقبل 20 عاماً من الرئيس حافظ الأسد، وهنا يبدو بوضوح أن التحميل في المسؤولية ينطلق من طائفة الحكم لا شخصه، كما ذكر متابعون للوضع السوري في مواضع متعددة جاءت ضمن سياقات التاريخ المقارن.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بعد نفي الحافظ، سلمت اللجنة العسكرية رئاسة سوريا لنور الدين الأتاسي وهو شخصية مدنية، وأيضاً استُخدم كواجهة سنية. وفي كل الأحوال، كانت اللجنة العسكرية - الحزبية تحكم كل مفاصل البلاد وكان موضع الرئيس شكلياً لا أكثر. وفي الأثناء، نشبت صراعات كبرى داخل اللجنة العسكرية، أبرزها تمرد الضابط الدرزي سليم حاطوم واختطافه صلاح جديد ورئيس الجمهورية وقادة آخرين خلال زيارتهم إلى السويداء، قبل أن يتمكن حافظ الأسد من تحريرهم ليهرب حاطوم إلى الأردن، ثم يعود لبلده بموجب تطمينات وهمية انتهت بمقتله.

وخلال عام 1970 وخلال أحداث سبتمبر (أيلول) الأسود في الأردن، كان الصراع المفصلي داخل جسد "البعث"، صلاح جديد بما يملك من صلاحيات دستورية وعسكرية، قرر دعم الفلسطينيين وأرسل قوات برية للمشاركة في المعارك، وأرسل بطلبه لحافظ الأسد الذي كان أصبح وزيراً للدفاع محتفظاً بإدارة القوى الجوية، ليرسل أسراب طيران داعمة، فرفض الأخير مما أدى إلى خسارة واسعة مُني بها من جديد، وليشتعل الصراع بين رفيقي الدرب للمرة الأولى والأخيرة.

ذاك الصراع انتهى بطريقة دراماتيكية بعدما حاصر حافظ الأسد اجتماع القيادة البعثية التي التأمت لمناقشة مجريات ما حصل، فاعتقل الحاضرين حينها عام 1970، ومن بينهم جديد. وفي ذاك الاجتماع كان مقرراً فصل الأسد من مناصبه وعزله سياسياً واجتماعياً واتخاذ إجراءات رادعة بحقه، لكنه باغتهم وأودعهم السجون حتى وفاتهم. وهكذا ظل قائد الدولة وراسم سياساتها صلاح جديد سجين سجن المزة العسكري حتى وافته المنية عام 1993. وفي ذلك الانقلاب الأبيض، كان داعمو الأسد ضباط الجيش السنة من الرتب العليا، وعلى رأسهم مصطفى طلاس الذي صار لاحقاً وزير الدفاع التاريخي لسوريا.

كانت تلك الأحداث خلال نوفمبر (تشرين الثاني) 1970، وسميت "الحركة التصحيحية"، وبعدها جاء الأسد بأحمد حسن الخطيب ليتسلم رئاسة الجمهورية، وهو شخص سني من خلفية غير سياسية أو عسكرية، واحتفظ به في مكانه بضعة أشهر حتى أعلن عن استفتاء جماهيري عام 1971، نال بموجبه نسبة مئوية شبه تامة، فصار حافظ الأسد رئيساً لسوريا حتى توفي عام 2000، حينها بدأت مرحلة صعود الأقليات التي لا يمكن حجبها نظرياً.

 

الفلاح القروي الذي لم يتمكن من إتمام تعليمه لفقره، صار رئيساً حكم ثلاثة عقود متتالية، خلال وقت باتت فيه الهوية والانتماء مشكلة بعد جملة الصراعات مع "الإخوان المسلمين" في سوريا وظهور الإسلام السياسي داخل المنطقة وعودة النشاط المتطرف لجماعات كثيرة، رفقة التدخلات الغربية القاهرة والحروب التي لم تتوقف في الإقليم والعالم.

وفي عصر الهويات هذا لم يكن الأسد الأب هو أول من بدأ حربه على الهوية الكردية، والحرب على الهوية هنا هو اصطلاح دقيق، فقد حرموا التعليم في مناهجهم والحديث بلغتهم وكثر منهم حرموا من الهوية الشخصية وجواز السفر وحقوق المواطنة المدنية والسياسية. تلك الحرب فعلياً سبقت الأسد بوصف أي تكتل جماعي طائفي وعرقي هو تهديد أمني محتمل يحمل بذور الانفجار داخله، وتلك كانت رؤية الشيشكلي الكردي نفسه، وذلك أيضاً كان مستوحى من تجربة "الإخوان" نفسها، فصارت الهوية الدينية والقومية معياراً للرقابة والملاحقة.

لاحقاً، ازداد التضييق على الأكراد شيئاً فشيئاً في ظل رفضهم التخلي عن قوميتهم التاريخية لمصلحة فكرة القومية العربية، وامتناعهم عن الانخراط بأية صورة في نموذج حزبي يكون فيه الولاء للعقيدة القومية العربية التي تعطي لهم شرعية الوجود. فلا يمكن للأكراد بطبيعة الحال أن يكونوا جزءاً من حزب شعاراته "أمة عربية واحدة – ذات رسالة خالدة"، فكلا المعنيين لا يعنيان الأكراد، وبذلك أصبح وجودهم التاريخي في الدولة غير مرحب به أساساً.

الحق الذي أريد به باطل

كان حكم حافظ الأسد لسوريا في ظاهره حكماً منطلقاً من أقلية طائفية لا مكان لها فعلياً في الدوائر السياسية، وهي التي قضت قرونها الماضية ما بعد الدولة الحمدانية والتنوخية، شريدة هاربة طريدة من قبل الأيوبيين والمماليك والعثمانيين وكل من طالتهم يده. وبذلك يتضح أن الأمر أكثر إرباكاً وتعقيداً ودقة وحاجة للتمعن والبحث، فهل العلويون حكموا الدولة بكل ما فيها ولكل تلك العقود؟ الجواب الأقرب يقول، نعم، وذلك لأن وزير خارجية السلطة الحالية أسعد الشيباني قال ضمن مؤتمر دولي قبل أشهر، إن حكم الأقلية لسوريا خلال 54 عاماً مضت قتل وهجر الملايين، وإن سوريا كانت سبية.

بعد تمرد رفعت الأسد على أخيه حافظ وإقصائه ونفيه إلى فرنسا بحدود عام 1984، عقد لاحقاً عام 1985 المؤتمر القطري الثامن لحزب "البعث" في دمشق. كان المؤتمر آخر مؤتمر قطري في حياة حافظ الأسد، وكان المؤتمر القطري أعلى هيئة تنظيمية في حزب "البعث".

بقيت هذه القيادة القطرية المعينة وقتها حتى وفاة الأسد عام 2000، وضمت القيادة القطرية الجديدة لحزب "البعث" كلاً من حافظ الأسد وأحمد قبلان وعبدالله الأحمر وزهير مشارقة ومحمود الزعبي وعبدالرؤوف الكسم، ومصطفى طلاس وعبدالحليم خدام ووليد حمدون وسليمان قداح وسعيد حمادي وعبدالقادر قدورة ووهيب طنوس، وتوفيق صالحة وعز الدين ناصر وحكمت الشهابي ورشيد اختريني وأحمد درغام وعبدالرزاق أيوب. هؤلاء عملياً، إضافة لمناصبهم السيادية الأخرى، هم من كانوا يحكمون البلد إلى جانب شخصيات أخرى بالطبع، ولكنهم كانوا هيئة الحكم العليا، ومن بينهم كلهم هناك اثنان فقط علويان وواحد مسيحي وواحد درزي والبقية من أهل السنة.

وإن كان القرار النهائي بيد حافظ الأسد أو وريثه بشار لاحقاً، لكن ذلك القرار لا يمكنه في أحيان كثيرة أن يتجاوز ركائز أساس في الملفات الأمنية داخل الدولة، كمثل اللواء حسام لوقا مدير إدارة الاستخبارات العامة، واللواء رستم غزالة مدير إدارة الأمن السياسي، والأهم بينهم اللواء علي مملوك مدير مكتب الأمن القومي ونائب الرئيس للشؤون الأمنية، وعشرات أو مئات الأمثلة الأخرى. وفي الوقت ذاته، لا يمكن التغافل عن ذكر ضباط كثر برتب عليا وفاعلية قياسية من الطائفة العلوية في مواقع حساسة، كمثل علي دوبا رئيس شعبة الاستخبارات السابق وعلي حيدر قائد القوات الخاصة وقادة فرق مركزية مثل اللواء شفيق فياض واللواء توفيق جلول والعماد علي أصلان وغيرهم كثر، وأولئك ما كانوا يُعرفون بالحرس القديم والذين أقصاهم بشار أثناء بداية حكمه.

في جوهر حكم الأسدين ذاك، بقي جوهر السلطة واضحاً، أقلية رأسها ظاهر، ونخبة مضمونة الولاء في كل الظروف تحسن إدارة مفاصل الدولة خلال كل لحظة من دون أن تؤثر في شرعية قائدها، طالما أنها تستمد قوتها المبرمة منه. وهنا يبدو ثمة مجال لذكر أمر، على خلاف حافظ كان بشار، فحافظ أمسك الدولة بقبضة من حديد وعرف كيف يعطي دائرته وما أبعد منها حقوقها وامتيازاتها فوق ما تريد وتستحق بكثير. كان مغدقاً بصورة كبيرة، ضامناً وكاسباً للولاء، ولولا ذلك لكان رفعت الأسد نجح في انقلابه، وكل السبل كانت مهيأة أمامه لولا أن وقف في وجهه كل قائد عسكري، على رغم أن حافظ الأسد حينها كان في شبه غيبوبة وغياب عن الوعي فتصرف رجاله ليستمر قائداً عليهم. أما بشار، بحسب ما ينقل عنه أشخاص كانوا مقربين منه، أنه كان هوائياً في تعامله ومزاجياً وبخيلاً، يبحث كل يوم في دفاتر مسؤوليه ليرى كم جنوا سرقة ونهباً من المعابر والحواجز والإتاوات، ليقوم بدوره بإعادة استملاك هذا المال، ثم إعادة تدوير جزء بسيط للقيادات. وهذا كان سبباً مباشراً في بيئة أساساً لم يكن يسود فيها دائماً الارتياح بالتعامل معه كشخص. وهنا أيضاً يختلف بشار عن أخيه ماهر الذي كان يشبه والده في الإغداق على جنوده وقادته والمقربين منه.

إعادة تدوير الطوائف

تمكن "البعث" عبر الأسدين من اجتثاث ما بقي من ملامح متأخرة من مشاريع حياة سياسية يمكن التعويل عليها، فصار "البعث" قائداً للدولة والمجتمع بموجب مادة دستورية نافذة. وقبل وفاة جمال عبدالناصر كان له تصريح شهير قال فيه "حزب البعث قسم سوريا إلى بعثي وسوري، البعثي له كل شيء، والسوري ليس له شيء".

وفي السياق نفسه أعاد "البعث" إنتاج مفهوم المواطنة القائمة على معايير هوياتية طائفية تعيد تفسير المجتمع وسياساته. فاضمحلت الأحزاب الكلاسيكية حتى تلاشت في عباءة "البعث" نفسه عبر "الجبهة الوطنية التقدمية" التي كان يقودها، كذلك قيد الصحافة والإعلام، وأعدم البرلمان والمعارضة التقليدية معه، الداخلية والخارجية. وبهذا يكون الحزب السياسي اغتال السياسة نفسها وحول مفاهيمها لأصناف طعام تُقدم على طاولة المكاسب الفردية، ضمن مرونة هرمية تدار من أعلى إلى أسفل.

تلك السياسات المتتالية أفضت لتمترس واضح للجماعات خلف طوائفها ومذاهبها وأديانها وقومياتها في سبيل تكتل قد ينجم عنه إصلاح بنيوي متراكم، تفجر فعلياً في الأزمة السورية عام 2011. وخلال تلك الأعوام لم تكن مصطلحات الأقليات والأكثرية معياراً يعتد به في بناء نموذج إصلاح تفاهمي، فمقولة عبدالناصر السابقة لخصت سياقاً طويلاً من الحكم الشمولي، وحتى لحظة سقوط الأسد الابن. وعلى خلاف ما هو سائد ومتوقع، فإن غالبية جيشه النظامي كانت من السنة، في حين كانت ميليشياته المحلية طائفية خالصة، وهنا يتضح حجم الفجوة الفعلية في تدوير الطوائف لاستخدامها خلال الحروب.

 

سلطات التحرير

تحكم سوريا اليوم جماعة شبه موحدة عقائدياً في المفهوم العام بعدما نبتت من رحم تنظيم "القاعدة" في العراق بعد الغزو الأميركي، قبل أن تنتقل إلى حضن تنظيم "داعش"، ومن ثم تنسلخ عنه عائدة لـ"القاعدة" قبل أن تعود مجدداً لتطرح نفسها بلباس جديد تحت مسمى "جبهة النصرة" في سوريا، وهي بصورة أو بأخرى امتداد لـ"القاعدة" لكن بصورة محلية ترى في الأهداف القريبة ذات مشروعية أهم من الأهداف البعيدة. وفي هذا اختلاف واضح مع فكري بن لادن والظواهري حول "جهاد العدو القريب والبعيد". أخيراً قررت من جديد خلع لباسها لتندمج مع فصائل أخرى وتصبح تحت مسمى "هيئة تحرير الشام"، وهو الاسم الذي وصلت به إلى السلطة في سوريا.

قاد تلك الجماعة العسكرية أبو محمد الجولاني، وهو ذاته أحمد الشرع، الذي بات رئيساً لسوريا اليوم، منذ إسقاطه نظام الأسد أواخر عام 2024. وفي ذلك استمرار لنمط قديم – جديد من سلسلة نمذجة الحكم السوري في آليته وطريقته وسبل الوصول إليه، لكن الفارق أن هذه المرة المرحلة معقدة أكثر بكثير من أي وقت خلال قرن مضى. فسلطات اليوم لم تنجح حتى الآن في أن تكون كياناً صلباً يحكم سيطرته على مؤسسات الدولة ومن خلالها على الجغرافيا السورية كاملة، بل ما زالت تعمل ضمن أطر محدودة تغلب عليها الكفاءات الأيديولوجية وحكم الشيوخ. ونجحت هذه السلطة أحياناً في إدارة ملفات معقدة خصوصاً على الصعيد الخارجي، فيما فشلت كثيراً في إدارة ملفات متنوعة داخلياً وعلى رأسها السياقات الأمنية والعسكرية والاجتماعية والاقتصادية والسلم الأهلي والعدالة الانتقالية.

يقف الشرع اليوم في مكان صعب على أرضية غير ثابتة يمكن أن تخرقها أية تعطيلات مقلقة، سواء تلك التي تأتيه من خصومه المحليين، كالدروز في الجنوب أو العلويين في الساحل وحمص وريف حماه، أو الأكراد في شمال شرقي سوريا، وهؤلاء معاً ينتشرون على أكثر من نصف مساحة سوريا المفيدة نظرياً، عدا عن الخصام الداخلي ضمن بيئة الحكم نفسها والذي تزداد عبره التشنجات يومياً بين الهرم والقاعدة في هيكلية الحكم، مما يجعل أوامر القيادة قابلة للخرق والرفض والتحدي، وبخاصة إذا ما أخذ بعين الاعتبار أن داخل حركة الشرع نفسها، ثمة تيار راديكالي قاسٍ بدأ بتكفيره منذ انفتاحه على الغرب.

أزمة السلطة الحالية تكمن في قدرتها على الوقوف في وجه التحديات، ففضلاً عن المواجهات الداخلية والخصومة القائمة مع الأطراف المحلية المعارضة والموالية، ثمة وجود عسكري بحكم الأمر الواقع لقوى دولية على الأرض السورية، إسرائيل جنوباً وتركيا شمالاً وروسيا غرباً، وفيما تسرح في بقية المدن عشرات أجهزة استخبارات دول أخرى. وهذه كلها تحديات لا يمكن تجاوزها ببذل القليل ولا المعقول، فتصير المسألة بانتظار فرج كبير مأمول يبذل من أجله أي تنازل، على أن يكون ذلك التنازل وأي تنازل آخر، كبر أم صغر، مقروناً بإعادة تعريف الهوية والمواطنة والانتماء وتحييد مفاهيم الأقلية والأكثرية وإعادة صياغة دستور وطني توافقي وحوار وطني شامل وعدالة انتقالية حقيقية، وإيجاد صيغة لعقد اجتماعي يوحد السوريين تحت مظلة الحقوق والواجبات، ويأخذ بيدهم بعيداً من الاحتماء خلف العشيرة والطائفة والفزعة والاستفزاز وأسلمة الدولة أو فرض قومية جامعة على مكوناتها، التي لا تقتصر على الكرد الذين ينضم إليهم الآشوريون والكلدان والسريان والتركمان والشركس والأرمن والداغستان وغيرهم.

المزيد من تحقيقات ومطولات