Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يذيب الاقتصاد جليد السياسة بين مصر وسوريا؟

اتفاق تصدير الغاز يوفر حاجات دمشق ويطرح مصر شريكاً موثوقاً ومراقبون: القاهرة وجدت ضالتها في المسار الاقتصادي باعتباره الأكثر أماناً وقابلية للبناء التدرجي

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره السوري أحمد الشرع (رويترز)

ملخص

بينما يعتقد مراقبون أن مسار العلاقات الاقتصادية بين مصر وسوريا منفصل عن المسار السياسي، فإن آخرين يرجحون بداية حقيقية لعلاقات متينة ومستدامة بين البلدين في ضوء اتفاق الغاز بين القاهرة ودمشق.

جاء أسبوع واحد ليمحو آثار جمود امتد لأكثر من عام في العلاقات المصرية السورية، وإن كان في شقها الاقتصادي أساساً، فبعد أيام من توقيع البلدين مذكرتي تفاهم في قطاع الطاقة لتلبية احتياجات سوريا من الوقود، جاء استقبال الرئيس أحمد الشرع وفد اقتصادي مصري ليكون التحرك الأكثر دفئاً من دمشق تجاه القاهرة منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، وهو ما بعث آمالاً بتلطيف الأجواء وإعادة الدفء لعلاقات البلدين التي تشهد فتوراً منذ أكثر من عام بحسب مراقبين.

في أول اتفاق بين حكومتي القاهرة ودمشق منذ سقوط نظام بشار الأسد، وقع البلدان مذكرتي تفاهم في قطاع الطاقة لتلبية حاجات سوريا من الوقود، في خطوة أثارت آمالاً بتلطيف الأجواء وإعادة الدفء إلى علاقات البلدين التي تشهد فتوراً منذ أكثر من عام، بحسب مراقبين.

الاتفاقان اللذان وقعا في القاهرة بين وزير البترول المصري كريم بدوي ومعاون وزير النفط السوري غياث دياب، الأسبوع الماضي، تضمنا توريد الغاز الطبيعي المصري لتلبية حاجات سوريا من الكهرباء، سواء من خلال شبكات نقل الغاز أو سفن التغييز، إضافة إلى توريد منتجات بترولية.

وتعد إمدادات الغاز المصري ضرورة لقطاع الكهرباء السوري الذي يعاني عجزاً يصل إلى 80 في المئة من حاجات البلاد، وفق تصريحات رسمية، وذلك على رغم التحسّن نتيجة شحنات الغاز المسال في الأشهر الماضية من قطر وأذربيجان.

وتمتلك مصر ميزة تسهل وصول الغاز إلى سوريا هو خط الغاز العربي الذي يبدأ من العريش في شمال سيناء إلى طرابلس في لبنان مروراً بالأردن وسوريا، والذي أنشئ على أربع مراحل بين 2003 و2009، بقيمة بلغت 1.2 مليار دولار، لكنه تعثر منذ أحداث عام 2011، واقتصر استخدامه على مصر والأردن.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى رغم الطابع الاقتصادي لمذكرتي التفاهم فإنهما حملتا أنباءً إيجابية للمرة الأولى منذ أشهر في علاقات القاهرة بدمشق ما بعد الأسد، التي وصفها الرئيس السوري أحمد الشرع بـ"المقبولة"، في حين وصف علاقة بلاده مع السعودية والإمارات وقطر وتركيا بـ"المثالية"، وذلك خلال لقاء جماهيري في ديسمبر (كانون الأول) 2025. وقال الشرع في أكتوبر (تشرين الأول) إن "سوريا اليوم لديها علاقات مثالية مع تركيا والسعودية وقطر والإمارات، وهذه الدول ناجحة، مع الاحترام لبقية الدول، دول مثل مصر والعراق لديها نجاح، لكن هذه الدول تعمل بجهد مضاعف، وتواكب التطور التقني والتكنولوجي الحاصل في العالم"، ما اعتبره إعلاميون ونشطاء على مواقع التواصل "تقليلاً من قدر مصر" على حد وصف أكثريتهم.

إلا أن استقبال الشرع وفد من اتحاد الغرف التجارية المصرية شهد تحولاً في لهجة الخطاب ليبدو أكثر حميمية، حيث قال إن "مصر أصبحت على مسار النمو والتطور برعاية ورئاسة فخامة الرئيس السيسي" خاصة في البنية التحتية والطاقة، معتبراً أن "الشركات المصرية من أولى الناس للمساهمة في إعادة إعمار سوريا"، وأشار إلى أن الاستقرار الاقتصادي في مصر وسوريا هو استقرار للإقليم وسينعكس على المسائل السياسية والاستراتيجية والأمنية.

وأكد الشرع أن المصالح الاقتصادية تقود إلى مصالح سياسية، "لتكون غطاء يحمي المنطقة من التوسعات والأطماع"، مضيفاً أن "مصر وسوريا تواجهان تحديات وإشكالات متشابهة وأن التقارب بينهما عبر التاريخ كان دائماً مصدر قوة للأمة العربية".

وقدم الشكر للشعب المصري على استقباله الحافل للاجئين السوريين معتبراً أن "هذا ليس غريباً على المصريين"، كما أشار الرئيس السوري إلى أن والده يتبنى الفكر الناصري وكان معارضاً للانفصال بين مصر وسوريا، حيث كان البلدان يشكلان "الجمهورية العربية المتحدة" بين 1958 و1961.

ولم يزر الشرع مصر منذ توليه الحكم سوى مرة واحدة، للمشاركة في القمة العربية مارس (آذار) 2025، فيما لم يزر الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي أو وزير الخارجية بدر عبدالعاطي دمشق، في وقت توافد فيه مسؤولون عرب وأجانب على سوريا منذ سقوط الأسد، بينما عقد عبدالعاطي لقاءات عدة مع نظيره السوري أسعد الشيباني على هامش مؤتمرات دولية.

ونفى وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي، في تصريحات إعلامية أخيراً، وجود مشكلة بعينها مع سوريا، مشيراً إلى "تقديم النصح" للجانب السوري، باحتواء الأقليات والتمسّك بقيم المواطنة، قائلاً إن دمشق تقوم بجهود لـ"ضمان ألا تكون مركزاً للعناصر الإرهابية أو المقاتلين الأجانب".

هل خرجت مصر من مرحلة التوجس؟

يرى الكاتب المتخصص في الشؤون العربية أسامة عجاج أن العلاقات بين مصر وسوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 مرت بمراحل متباينة عدة، عكست حجم التحولات السياسية الإقليمية والدولية المحيطة بالملف السوري، موضحاً "المرحلة الأولى من هذه العلاقات يمكن وصفها بمرحلة التوجس، في ظل عدم التوافق التاريخي بين طبيعة النظام الجديد في سوريا والوضع السياسي في مصر، وبخاصة بعد عام 2013، مما دفع القاهرة إلى التعامل بحذر مع النظام الذي ورث حكم بشار الأسد".

كانت المخاوف المصرية من خلفية القائمين على النظام السوري الجديد قد تعززت بعد أسبوعين فقط من سقوط الأسد، إذ ظهر الشرع في صورة إلى جانب أحد المنتمين إلى جماعة الإخوان الهاربين إلى الخارج، وهو محمود فتحي، المصنف إرهابياً والمحكوم عليه بالإعدام في قضية اغتيال النائب العام هشام بركات، إلى جانب إدانته في قضايا أخرى.

يضيف عجاج "مرحلة التوجس شهدت أيضاً مساعي سورية لتقديم تطمينات أمنية للقاهرة، وبخاصة في ما يتعلق بانتهاء دور العناصر السابقة المنتمية إلى (جبهة النصرة)، وتأكيد أن المصريين الذين كانوا ينتمون إلى تلك الجماعات لن يشكّلوا أي تهديد للأمن المصري"، لافتاً إلى نشر أحد العناصر المصريين المنتسبين سابقاً إلى "جبهة النصرة" فيديو انتقد فيه الحكومة المصرية، موضحاً أن الحكومة السورية سارعت إلى التبرؤ من تصريحاته، في خطوة عكست رغبتها في طمأنة القاهرة.

يستكمل عجاج، في حديثه إلى "اندبندنت عربية"، "حجم التحولات الكبيرة التي شهدتها علاقات دمشق مع محيطها العربي، لا سيما مع قطر والسعودية والإمارات، إلى جانب التغير اللافت في مستوى العلاقات بين سوريا وواشنطن في ظل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، شكّلا دافعاً رئيساً لمصر للتقدم خطوة إلى الأمام، والانتقال من مرحلة التوجس إلى مرحلة التعامل مع النظام السوري باعتباره نظام أمر واقع، وهو المصطلح الذي استخدمه وزير الخارجية المصري".

وأشار المتخصص في الشؤون العربية إلى أن هذا الدعم الإقليمي والدولي المتزايد للنظام السوري دفع القاهرة إلى "إعادة تقييم رؤيتها تجاه دمشق، والبحث عن آلية جديدة للتعامل معها"، معتبراً أن مصر "وجدت ضالتها في المسار الاقتصادي باعتباره المسار الأكثر أماناً وقابلية للبناء التدرجي"، لافتاً إلى أن فكرة التعاون الاقتصادي تستند إلى مشروع قديم يتمثل في تصدير الغاز المصري إلى لبنان مروراً بسوريا وصولاً إلى الأردن، ضمن ما يُعرف بـ"مشروع الغاز العربي"، معتبراً أن هذا المسار قد يمهّد لعودة العلاقات المصرية–السورية إلى طبيعتها بصورة تدرجية.

وعلى رغم مشاركة الرئيس السوري في قمة القاهرة خلال مارس 2025، ووجود وزير الخارجية السوري في عدد من اجتماعات جامعة الدول العربية، مما صبّ في إطار محاولات التقارب الدبلوماسي مع مصر، فإن الاقتصاد، بحسب عجاج، يظل "كلمة السر" في التغير المتوقع في العلاقات خلال المرحلة المقبلة، مضيفاً "عدد من الدول العربية لعب دور الوسيط، ونقل رسائل متبادلة بين القاهرة ودمشق، بهدف دفع العلاقات نحو مسار طبيعي، وهو ما أسهم في تعديل الموقف المصري تدرجاً تجاه سوريا".

مساران منفصلان

في المقابل، يعتقد مساعد وزير الخارجية المصري السابق السفير يوسف زادة أن مسار العلاقات الاقتصادية بين مصر وسوريا "منفصل عن المسار السياسي"، موضحاً أن علاقات البلدين على المستوى السياسي "لا يمكن وصفها بالممتازة"، مشيراً إلى وجود "تحفظات متبادلة" بين الجانبين، إلا أن هذه التحفظات لم تنعكس سلباً على العلاقات الاقتصادية بين البلدين.

يقول زادة، في حديثه إلى "اندبندنت عربية"، إن التعاون الاقتصادي لم يتوقف، حيث تستمر قوافل السلع المصرية في التوجه إلى سوريا، ولم تتوقف المنتجات السورية عن دخول السوق المصري، وبخاصة في ظل وجود جالية سورية كبيرة في مصر، مؤكداً أن التبادل الاقتصادي ظل قائماً على رغم التحديات السياسية.

وأشار زادة، الذي شغل سابقاً منصب قنصل مصر لدى دمشق، إلى أن الاقتصاد السوري تضرر بصورة بالغة خلال الأعوام الأخيرة، موضحاً أن أكثر من 75 في المئة من الشعب السوري باتوا تحت خط الفقر، وهي أوضاع وصفها بـ"المؤسفة"، ولم تكن موجودة بهذا الحجم قبل نحو 10 أعوام، لافتاً إلى أنه على مدار العقود الماضية لم تؤثر الخلافات السياسية التي كانت تظهر في بعض الأحيان بين القاهرة ودمشق على الجوانب الأخرى من العلاقات مثل الاقتصاد والثقافة، مؤكداً أن العلاقات بين الشعبين المصري والسوري "ظلت قوية وراسخة عبر التاريخ، ولم تتأثر بالأزمات السياسية".

وأضاف مساعد وزير الخارجية المصري السابق، أن سوريا، كغيرها من الدول الراسخة، تمتلك خبرات وكفاءات في مختلف المجالات، تستفيد منها الحكومة الجديدة، التي من المؤكد أنها نصحت بالتعاون مع دول مثل مصر، عبر إحياء مشاريع كانت قائمة بالفعل، وجمّدت كخط الغاز العربي.

وكانت مصر وسوريا والأردن ولبنان قد وقعت اتفاقاً عام 2021 لإحياء خط الغاز العربي، لكن المشروع لم يتم بسبب عراقيل العقوبات الأميركية، التي عرفت باسم "قانون قيصر"، الذي ألغي رسمياً الشهر الماضي.

وحسب تقارير إعلامية تستفيد سوريا في الاتفاق الجديد من 60 مليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي، مقابل بدء مرور الغاز المصري عبر أراضيها إلى لبنان، وفي ديسمبر 2025، وقع لبنان ومصر مذكرة تفاهم لإمداد محطة دير عمار في لبنان بالغاز الطبيعي لتوليد الطاقة الكهربائية.

هل هي بداية جديدة؟

إلى جانب الأهمية الاقتصادية يرى المحلل السياسي السوري ميلاد الأطرش أن الاتفاقات التي أُبرمت أخيراً بين الجانبين المصري والسوري في شأن تصدير الغاز إلى سوريا تمثل "بداية حقيقية لعلاقات متينة ومستدامة بين البلدين، ستشهد تطوراً ملحوظاً خلال الفترة المقبلة".

وأضاف الأطرش، في حديثه إلى "اندبندنت عربية"، "مصر عبّرت في أكثر من مناسبة عن دعمها لوحدة سوريا، ودمشق تعوّل كثيراً على الدور المصري في المرحلة المقبلة، في ظل ما وصفه بعلاقات أخوية تتجاوز الإطار التقليدي للعلاقات بين الدول العربية".

وطرحت مصر في ديسمبر 2025 مشروع قرار يدعو إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للجولان السوري، وافقت عليه الجمعية العامة للأمم المتحدة بغالبية كبيرة.

وأوضح الأطرش أن العلاقات السورية – المصرية اليوم تتسم بـ"الهدوء الإيجابي" القائم على الثقة والتفاهم، وليس "هدوءاً حذراً"، مؤكداً عدم وجود أي مخاوف من الجانب السوري تجاه مصر، ومشدداً على أن العلاقات بين الشعبين "ممتازة"، وتسير نحو ترجمتها عملياً عبر أعلى مستويات التمثيل الدبلوماسي، معرباً عن أمله في أن تشهد المرحلة المقبلة زيارة للرئيس المصري إلى دمشق، أو زيارة للرئيس السوري إلى القاهرة، على أن تُتوَّج هذه الزيارات باتفاقات شاملة تعزز التعاون السياسي والاقتصادي بين البلدين.

وشهدت دمشق، أمس الأحد، عقد الملتقى الاقتصادي المصري السوري لبحث تعزيز العلاقات الاقتصادية وفتح مسارات جديدة للتكامل الاقتصادي، بحسب وكالة الأنباء السورية (سانا)، وهو ما وصفه القائم بأعمال السفارة المصرية في سوريا أسامة خضر، بـ"بداية لمسار جديد بين العلاقات المصرية السورية"، لافتاً إلى أن القاهرة تضع كل إمكانياتها الفنية واللوجستية في خدمة التنمية الاقتصادية السورية.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير