ملخص
بعد سقوط نظام الأسد، كانت العلاقات السورية العراقية تمر بمرحلة من البرود، ويقتصر التعاون بين البلدين على الملف الأمني، لكن وبوساطة أميركية بدأت العلاقات تتحسن تدرجاً، وسط ارتياح عراقي من الخطوات التي تتبعها الحكومة السورية في ملف أمن الحدود.
هناك تواصل استخباراتي شبه يومي بين دمشق وبغداد، يتناول تحركات الجماعات المتطرفة وخطوط التهريب والأنشطة العابرة للحدود، في مؤشر على أن الثقة الأمنية بدأت تتقدم على التردد السياسي.
في مدينة حماة، وقعت يوم الخامس من ديسمبر (كانون الأول) 2024، معارك طاحنة بين قوات المعارضة السورية وقوات النظام السابق الذي سقط بعد أيام قليلة، إلا أن المعارك التي قادها قائد العمليات العسكرية آنذاك أحمد الشرع، لم تكن لتمنع الزعيم الصاعد من العمل سياسياً بالتوازي مع العمل العسكري الذي يحرز تقدماً سريعاً، إذ وجه الشرع رسالة مقتضبة عبر الفيديو، إلى رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، يطمئنه فيها بأن "عمل قوات المعارضة هدفه إسقاط نظام الأسد ولن يشكل أي تهديد لدول الجوار"، متعهداً بحماية الحدود السورية - العراقية، وبقية حدود سوريا مع دول الجوار.
في تلك الأيام كان الذهول سيد الموقف، عقارب الساعة متوقفة، الدول لا تصدر سوى بيانات تحذر من الوضع في سوريا من دون أن تبدي دعمها لأي طرف، بما في ذلك تلك الدول التي كانت داعمة للنظام السابق مثل روسيا وإيران.
وبعد سقوط الأسد، انفتحت سوريا الجديدة على الدول العربية والإقليمية والعالم الغربي، فتلقت بغداد رسائل إيجابية من المسؤولين السوريين، وأجرى وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني زيارة إلى العراق، وأجرى عدد من المسؤولين العراقيين زيارة إلى سوريا.
إلا أن الانفتاح العراقي على دمشق لم يكن مشابهاً للانفتاح الخليجي أو الأردني، إذ بقي موقف بغداد حذراً لأسباب عدة، أبرزها الملف الأمني، وكذلك العلاقات الإيرانية - العراقية التي تؤثر بصورة أو بأخرى في العلاقات مع سوريا، لكن العلاقات بين الجارتين تحسنت بصورة كبيرة خلال الأسابيع الأخيرة، وفق ما أفادت به مصادر دبلوماسية لـ"اندبندنت عربية".
واشنطن تدفع بغداد نحو دمشق
وأفادت مصادر رسمية سورية بأن "العلاقات بين دمشق وبغداد بدأت تشهد تحسناً ملحوظاً خلال الأسابيع الماضية، بعدما كانت مقتصرة على التعاون الأمني في مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد".
ووفق المصادر، فإن "هذا التحسن لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة جملة من الاتصالات الإقليمية والدولية التي شجعت على إعادة بناء الجسور بين البلدين، في ظل قناعة متزايدة لدى بغداد بأن استقرار سوريا بات عنصراً حاسماً لأمن العراق الداخلي".
وأوضحت المصادر أن "المبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك زار بغداد في الـ30 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، والتقى رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، حيث تركزت المحادثات على أهمية دعم العراق لجهود دمشق في توحيد البلاد واستقرارها، باعتبار أن أي فراغ أمني أو سياسي في سوريا سينعكس بصورة مباشرة على الحدود العراقية، التي عانت أعواماً طويلة تسلل الجماعات المسلحة وتهريب السلاح والمخدرات".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ثقة أمنية تنعكس على العلاقات السياسية
وبحسب المصادر ذاتها، فإن "التعاون الأمني بين البلدين بلغ مستوى غير مسبوق، إذ عبرت الأجهزة الأمنية العراقية في أكثر من مناسبة عن ارتياحها الواضح لجهود الحكومة السورية الجديدة في وقف تهريب الأسلحة والمخدرات عبر الحدود المشتركة، وهي أحد أبرز الملفات التي شكلت هاجساً دائماً لبغداد خلال العقد الأخير.
وهناك تواصل استخباراتي شبه يومي بين دمشق وبغداد، يتناول تحركات الجماعات المتطرفة وخطوط التهريب والأنشطة العابرة للحدود، في مؤشر على أن الثقة الأمنية بدأت تتقدم على التردد السياسي".
شبكة مترابطة
أستاذ العلاقات الدولية والباحث العراقي أيمن الخالد يقول إن "تطور العلاقة بين سوريا والعراق يسير في اتجاهه الطبيعي، لأن الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني في البلدين لا يمكن بناؤه عبر ملفات منفصلة، بل من خلال تعاون متوازن يعالج هذه الملفات مجتمعة بوصفها شبكة واحدة مترابطة.
وما يلفت في هذا المسار أن الحضور الأميركي، عبر توم باراك، لا يبدو تفصيلاً عابراً، بل يبدو مؤشراً واضحاً على اهتمام واشنطن بدعم المسار السياسي في سوريا ونظامها القائم حالياً، بغض النظر عن اختلاف التقديرات داخل المنظومة السياسية والحزبية العراقية".
ويضيف الخالد أنه "في الوقت ذاته، يعكس هذا التطور استمرار قدرة الولايات المتحدة على التأثير في اتجاهات السياسة الخارجية العراقية، مع سعي واضح إلى إغلاق ملفات إقليمية ظلت مفتوحة لأعوام، وفي مقدمتها الملفات المرتبطة بالحدود السورية–العراقية ومحاربة الإرهاب وإنهاء وجود تنظيم ’داعش‘ الإرهابي في غرب العراق وشرق سوريا، إلى جانب حسم ملف ’قوات سوريا الديمقراطية‘.
هذا الواقع يدفع العلاقات السورية–العراقية نحو تنسيق أوسع في السياسة الخارجية، يلتقي مع الشريك الأميركي، ويبتعد تدرجاً عن النفوذ الإيراني الذي يواجه اليوم محاصرة خارجية وفك ارتباط متسارعاً داخل العراق وسوريا، وذلك ضمن مظلة أميركية وبالتنسيق مع المنظومة الإقليمية العربية وتركيا".
ويرى الباحث العراقي أنه "على المستوى الاقتصادي، فإن تفعيل العلاقة بين دمشق وبغداد لم يعد خياراً ثانوياً، بل ضرورة تتصل بالطاقة والتجارة والاستثمار، بوصفها عناصر أساسية لأي استقرار طويل الأمد، أبعد بكثير من كون الأمر متعلقاً بالتهريب عبر الحدود والتجاوزات بملفات تهريب الأسلحة والمخدرات".
في المحصلة، يمكن القول إن العلاقات السورية – العراقية تمر بمرحلة إعادة تشكيل، انتقلت فيها من برود حذر في بداية عهد ما بعد الأسد، إلى تحسن تدرجي تقوده الضرورات الأمنية والمصالح المشتركة، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام تطور أوسع، رهناً بتوازنات الداخل العراقي وقدرة القيادة السورية الجديدة على ترجمة الهدوء الأمني إلى استقرار سياسي شامل يعيد لسوريا دورها الطبيعي في محيطها الإقليمي.