Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بين موقتة وانتقالية... تعدد تسميات السلطة السورية بنظر القانون

عام من التيه السياسي في التوصيف الدستوري للحكومة القائمة

ور عام من دون إيجاد صيغة دستورية مناسبة لتوصيف السلطة السورية يعني غياب مرجعية أساسية تبني عليها السلطات منطلقها بحسب حقوقيين (أ ف ب)

ملخص

يقتضي الفقه الدستوري على أية سلطة سياسية انتقالية أن تحدد جدولاً زمنياً لمهماتها، وقد فعلت ذلك السلطات السورية سابقاً وحددته بنحو خمسة أعوام، لكن المتابعين للملف يشيرون إلى أن هذا مجرد افتراض أولي.

"المراحل الانتقالية التي تلي وصول قوة عسكرية بالدبابات إلى الحكم غالباً ما تتسم بالفوضى، لأنها لا تمتلك أدوات إدارة الدولة الفعلية، وبالضرورة ستخطئ كثيراً، وستحاك ضدها مؤامرات أكثر، وسيكون لديها خصوم بحجم الأصدقاء".

بعد مضي أكثر من عام على وجود السلطة الحالية في موقع حكم سوريا، يظل السؤال الأكثر طرحاً في الأوساط القانونية والدستورية حول طبيعتها الفعلية. وبمرور عام وأكثر يفترض أن يكون صار لهذه السلطة صورة ثابتة متمحورة حول قيم الشرعية الكاملة، لكن في الواقع السوري تبدو كثيرة من المعطيات مغايرة لما هو حقيقي على الأرض، وهو ما يزيد الارتباك والالتباس وصعوبة مهمة التوصيف لنوع السلطة، مما يجعل تراكم المسميات عبئاً لا حلاً ما دام أن أياً منها لم يصبح ملزماً في الإطار المحلي والإقليمي والدولي وما يترتب على ذلك من تباين أساليب التعامل معها، سياسياً وأمنياً وجغرافياً وتجارياً حتى.

تحاول السلطات الحالية أن تتحاشى رسمياً إطلاق توصيف الشرعية فتستخدم في مواضع متعددة مصطلحات على صورة "مرحلة إدارة البلاد أو قيادتها"، فيما تسعى بأماكن أخرى إلى أن تصف نفسها بالموقتة، وبالحالين تتجنب ذكر الصفة الموقتة، فيما تسعى جاهدة إلى أن تمرر بين الأسطر من خلال أنصارها مفاهيم حول شرعيتها التامة، انطلاقاً من علاقاتها الخارجية المتبلورة بصورة مميزة في الأشهر الأخيرة.

إعلامياً يتباين وصف السلطة بين وسيلة وأخرى، وحتى بين بلد وآخر، ويتراوح ما بين الموقتة والانتقالية والحكم الواقع والشرعية أو القوة الميدانية التي وصلت بانقلاب عسكري لقيادة البلاد. البيانات الدولية تتمسك بلغة قانونية حذرة جداً، تعتمد في مواضع كثيرة على توصيف السلطة بكلمات "سلطة إدارة سوريا - شركاؤنا في الشرق الأوسط - الجهات المسيطرة - السلطات القائمة - سلطات المرحلة الانتقالية".

في الفقه الدستوري

يرى أستاذ القانون الدستوري أحمد محاميد أن "الأمر ينضوي على لبس عميق وصارخ في تناقضه وليس مجرد تفصيل عابر، فمرور عام من دون إيجاد صيغة دستورية مناسبة لتوصيف السلطة يعني غياب مرجعية أساسية تبني عليها السلطات منطلقها، لتكون في موقع واضح ضمن ملفات ذات أبعاد لها انعكاسات كبرى في الداخل والمحيط. فالشرعية كما نعرفها في الفقه الدستوري هي أنها حالة قانونية تامة المعايير والأركان والشروط، ولا يمكن الحصول عليها إلا بموجب شروط واضحة ومحددة لا لبس فيها".

وأضاف "المراحل الانتقالية التي تلي وصول قوة عسكرية بالدبابات إلى الحكم غالباً ما تتسم بالفوضى، لأنها لا تمتلك أدوات إدارة الدولة الفعلية، وبالضرورة ستخطئ كثيراً، وستحاك ضدها مؤامرات أكثر، وسيكون لديها خصوم بحجم الأصدقاء. واستمرار هذه الإشكالية التوصيفية يمثل فشلاً في الانتقال من مفهوم السيطرة المجرد إلى امتلاك زمام الحكم وما يرتبط به من تفعيل مؤسسات حقيقية وإقرار قوانين فعلية وإيجاد دستور توافقي، والأهم إيجاد عقد اجتماعي ومنه يجري الانطلاق لبناء مجتمع ما بعد الحرب، وهذه الأشياء ما زالت غائبة حتى اليوم على رغم كل هذه الأشهر".

بالمجمل فإن السؤال عن شكل السلطة كان يجب أن يحسم باكراً جداً لئلا يتحول لمسار بحث أكاديمي يعتمد على الاجتهادات. فما قيل في البداية إنه مرحلة انتقالية تحول لشيء مشترك ما بين الأمر الواقع ونصف الشرعية المستمدة من أنصار السلطة داخلياً وحلفائها الأقرب خارجياً، وفي الحالين خلقت لنفسها خصوماً داخليين وخارجيين لا يعترفون بها، ومن هنا جاء توصيف نصف الشرعية.

الحق في التوصيف

تكاد تكون السلطة السورية واحدة من أكثر السلطات العالمية حظوة بالتوصيفات المتباينة، وهي نفسها تتجنب إطلاق توصيفات دستورية مباشرة، فلا تعتمد كلمة "حكومة توافقية أو تشاركية"، بينما ترى في مجلس الشعب أنه دستوري بالتمام ومنتخب على رغم أنها نفسها هي من انتخبته.

الارتكاز الأساسي في هذه الجزئية ينطلق من كلمة الرئيس أحمد الشرع بدايات العام الماضي حين وصف سلطته بالانتقالية، لكن ذلك حمل لبساً مضاعفاً، لأنه أعلن أنها ستكون لمدة خمسة أعوام، وذلك في الأعراف الدولية مدة طويلة جداً لحكم انتقالي، خصوصاً في ظل وجود القرار الأممي 2254/2015 القاضي بالانتقال السلمي للسلطة والجاهز للتنفيذ في أي وقت، مع إضافة القرار الأممي 2977 (نوفمبر / تشرين الثاني 2025)، القاضي بشطب اسم الشرع ووزير داخليته أنس خطاب من لوائح الإرهاب، إضافة إلى تأكيد القرار الجديد بضرورة الالتزام بالقرار 2254، مما يجعل من إطالة الفترة الانتقالية لا ضرورة لها، ما دام أن الإدارة الحالية بشخوصها القائمة قادرة أن تكون جزءاً كبيراً من المجلس الانتقالي وحتى السيادي ما بعده، بحسب ما تؤول إليه الأمور الانتخابية.

الإعلام المحلي الموالي للسلطات يذهب أبعد في توصيفها أنها تتمتع بشرعية سياسية مطلقة محلياً وخارجياً، فيما يستخدم الإعلام المعارض وبعض من الإعلام المستقل توصيفات ثابتة "سلطة موقتة - حكم غير شرعي - سلطة أمر واقع - سلطات موقتة - قيادة انقلابية"، وبين التوجهات الإعلامية تلك تنعكس رؤى سياسية أكثر منها قانونية مبرمة.

وعلى الصعيد الدولي، فإن الجهات الفاعلة تتحاشى إطلاق توصيفات حازمة، تفضل البقاء في المنطقة الرمادية من التوصيف، تستخدم مصطلح "حكومة سورية" من دون اعتراف أو إنكار، وتقول أيضاً "سلطات قائمة"، وقد تعكس تلك التوصيفات شكلاً من البحث عن مسار تواصل عملي مستمر من دون إضفاء صبغة قانونية عليه، مع الأخذ بالاعتبار أن المصالح السياسية كلما كبرت التزمت الدول الأخرى بإبراز الشرعية السورية، كما في بعض الخطابات الأميركية والتركية والروسية أحياناً وغيرها.

لا شرعية مجانية

الخبير في القانون الدولي علي حازم يقول "التعامل الأمني والسياسي والعسكري والتجاري مهما بلغ من تقدم، فهذا لا يعني أن الشرعية يمكن أن تمنح من دون موجبات قانونية ودستورية ناظمة وتخضع لأعراف بيروقراطية معقدة تتخطى أحياناً ضخامة المصالح. على سبيل المثال، الأكراد قاتلوا جنباً إلى جنب مع الأميركيين في مواجهة ’داعش‘ خلال الحرب السورية لمدة تجاوزت عقداً، لكنهم لم ينالوا اعترافاً واضحاً منها بشرعية تشكيل إقليم مستقل على الأرض وبحماية دولية. وقد أشار لذلك المبعوث الأميركي توم براك في الأشهر الأخيرة من العام الماضي، خلال تصريحاته بأن بلاده غير ملزمة بشيء اتجاه ’قسد‘، بل مارس عليها دوراً ضاغطاً جداً لجهة اتفاقها مع حكومة دمشق".

ويتابع "الآن تعدد تسميات السلطة القائمة ينبع منها أساساً، إذ لم تلتزم بوضع معايير عقد تأسيسي لمنهج الحكم، واعتمدت على الاجتهاد في إدارة الملفات البسيطة والمعقدة مع إقصاء واسع لشرائح كثيرة من المجتمع السوري. السلطة تعترف بنفسها، خصومها لا يعترفون، الخارج يتعامل بحذر ودقة، وما يحصل في هذه الحالة يتعدى كونه خلافاً في المصطلحات، بل إشكالاً دولياً عميقاً".

اكتساب أم إعلان

قد يكون السؤال الأهم حول توصيف السلطة هو إمكان أن تعلن نفسها شرعية بصورة ذاتية، أم أن ذلك الإعلان يجب أن يكون مقروناً بشروط محددة ودقيقة للغاية والاستناد لشهر عسل خارجي، أو فزعات محلية مناصرة كثيفة العدد والعتاد؟

يدرس الحقوقيون في مناهجهم أن القانون بصورته العامة جاف لكنه يحتمل الاجتهاد وكذلك تفعيل روحه الحيوية، لكن المسائل المرتبطة بالقانون الدولي حصراً لا تحتمل التلاعب والالتباس، فالقوانين الدولية والاتفاقات المبرمة والمواثيق الأممية واضحة جداً، وتقول إن السلطة لا تكتسب بالخطابات والسيطرة فقط، بل تقوم على ركائز أساسية: الشكل الدستوري التوافقي وخضوع السلطة للمساءلة الفعلية، والمصدر الذي انطلقت منه لتفويضها بالحكم.

لا شك أن السلطات السورية الحالية قوية، لكنها تستند إلى إعلان دستوري شبه أحادي غير متوافق عليه داخلياً، كما أنها فوق المحاسبة الشعبية والخارجية (أحداث الساحل والسويداء وجرمانا وأشرفية صحنايا وتفجير دور العبادة وآلاف القتلى المدنيين على خلفيات طائفية أو ثأرية أو مناطقية)، بحسب ناشطين حقوقيين. وعن مصدر التفويض للحكم فقد استمدته من "مؤتمر النصر" أواخر يناير (كانون الثاني) من العام الماضي، الذي حضره قادة فصائل عسكرية بايعوا الشرع رئيساً انتقالياً. وعليه تنتفي أسس الركائز القانونية في الشرعية العامة، لتصير شرعية مفترضة من دون سند قانوني لا شرعية مكتسبة بصندوق انتخابات.

الرهان على الوقت

المحامي ماجد رحمون يرى أن "أية مرحلة تلي سقوط نظام بغض النظر عن شكل إسقاطه، فإن المفاهيم القانونية تختلط فيها بين الأمر الواقع والفراغ الدستوري. لذا تصبح القوى المسيطرة التي يمكنها المحافظة على أية درجة من الاستقرار داخلياً، هي الأكثر اقتراباً من الشرعية بحكم الأمر الواقع. ولكن هذا الاقتراب لا يصمد قانونياً لفترات طويلة، ولا يمكن التعويل عليه في بناء شكل دولة قوية تماماً". ويكمل "الحكم بالأمر الواقع ينحو دائماً باتجاه التعزيز والتكريس ليصير أمراً قائماً باعترافات شرعية واسعة مع مرور الوقت، وهذا العامل الذي تلعب عليه أية سلطة وليدة، ولكن غياب الإجراءات المكتوبة والمعلنة والشفافية والحدود المنطقية يبقي السلطة ولا ينظمها، وإلا ماذا يعني سلطة انتقالية لخمسة أعوام؟ هذه فترة طويلة جداً".

التوصيف المقنع

يبدو مصطلحا "السلطة الانتقالية - الحكومة الانتقالية" هما الأقرب للخروج من المأزق التوصيفي للحالة السيادية الراهنة في سوريا، والأبعد من إثارة مشكلات تتعلق بالإعلان الشرعي الكامل. ولكن هنا يبرز سؤال أكثر إلحاحاً من أساتذة قانونيين، حول آلية الشروط التي جعلت من السلطة نفسها انتقالية بالمعنى القانوني؟

يشير الأكاديمي في فقه القانون المقارن إلياس ملحم خلال حديثه إلى أن "تعريف السلطة الانتقالية يقوم على حالتها الاستثنائية التي وجدت لأجلها، فيجري تحديدها بقانون دستوري واضح يشرح موجبات المدة التي ستحكم بها ومتى تنتهي والخطوات التي تليها بشفافيات تامة، على أن يكون كل ذلك مقروناً بتفويض شعبي أو سياسي داخلي توافقي. وعليها بوصفها الانتقالي أن تسعى إلى تطبيق قرارات مجلس الأمن، وبالتالي العمل من البدايات على تهيئة أرضية مناسبة لانتقال الحكم إلى نظام دستوري آخر تكون شريكة فيه أو بعيدة منه، ولكن عبر صناديق الاقتراع، ما لم يطرأ تعديل جوهري حاسم على شكل الدستوري عينه، ليكون الأمر بيد البرلمان بدل الجماهير أسوة بأنظمة أخرى. وفي الحالة السورية، فإن الشعب ما زال مصدر كل السلطات والتشريعات والانتخابات".

حكم قابل للتجديد

يقتضي الفقه الدستوري على أية سلطة سياسية انتقالية أن تحدد جدولاً زمنياً لمهماتها، وقد فعلت ذلك السلطات السورية سابقاً وحددته بنحو خمسة أعوام، لكن المتابعين للملف يشيرون إلى أن هذا مجرد افتراض أولي. فمعطيات تحرك السلطات على الأرض توحي بتمهيدها لوجود طويل الأمد في سدة الحكم، ويمكن الاستدلال على ذلك في عدم التقدم بملفات جوهرية كثيرة يعتمد عليها في بناء الدولة، ومنها الإعلان الدستوري غير التوافقي وغياب حوار وطني حقيقي وتسجيل انتهاكات واسعة ترقى لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وحملات تطهير عرقي وسياسات مالية مبهمة واتفاقات دولية غير معلنة بوضوح وتنازل عن ملفات تتعلق بالسيادة على أراض سورية، إلى جانب تكوين قوى عسكرية تستثني كل شرائح المجتمع عدا واحدة، وتهميش وإقصاء للمكونات السورية والفكرية والثقافية، ومسار انتقائي لعدالة انتقالية منتظرة.

يرى باحثون في العلوم السياسية أن المراحل الموقتة غاية في التعقيد لما تولده من كيانات هشة داخل الدولة، ما لم تدر بعقلية جامعة وجماعية. أيضاً هي تلجأ لخيارات الضرورة مستندة إلى ردود أفعال تسبق الأفعال أحياناً فتحجب عن نفسها المساءلة بالقوة، وتبعاً لذلك تتراكم سلطات استثنائية فوق العادية متجاوزة أصول الرقابة، ليترك البلد بعد تلك المرحلة في تيه أوسع مما كان عليه خلال الحكم الانتقالي نفسه.

الحكم بالقوة

سيناريو تسلسل أحداث وصول الحكام الجدد إلى قيادة سوريا يحاكي نموذجاً من الاستناد على القوة العسكرية والتنسيق الخارجي في آن، ولكنه بعد ذلك لن يلعب دوراً جوهرياً في تحويل الأمر من سيطرة بالقوة إلى مرحلة بناء دولة، على رغم أن السلطات السورية تتلقى نصائح دورية من مراكز قرار عالمية ومن أجهزة استخبارات ضليعة في شؤون مشابهة. وهنا تبرز مفارقة مهلكة، وهي البراغماتية التفاعلية للمستوى الأعلى من السلطات في مواجهة الاحتراب الداخلي، والتحركات الذاتية للمستويات الأدنى.

بحسب عدد من الأكاديميين المتخصصين ما بين القانون العام والقانون الخاص، فإن التمييز بين مفهومي "ممارسة السلطة" و"الاستيلاء عليها"، يشكل عائقاً كبيراً، فالفرق كبير جداً بين الحالتين، الأولى لا تسمح بالابتعاد نظرياً من جوهر العسكرة واستخدامها كذراع قوي عند كل مفترق، الثانية تكون أقل ضرراً، إذ يمكن لاحقاً الاستناد من خلالها على أطر دستورية وقانونية تخضع لقواعد عامة متعارف عليها. فالقوة التي تسقط نظاماً، ليست بالضرورة قادرة على إنشاء نظام بديل ما لم تقونن نفسها وتنتهج معايير إصلاحية واسعة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

سلطة الأمر الواقع

كثيراً ما يستخدم مصطلح "سلطة أمر واقع" للإشارة إلى السلطات السورية، وعلى رغم ذلك فإنه لا يعتد به كثيراً في دوائر الفقه السياسي والقانوني والدستوري كإعلان شامل يوصف حالة قائمة لا يمكن تغييرها، إنما يمكن اعتباره توصيفاً لحالة موجودة توافرت فيها عوامل وشروط محددة.

الخبير في الشؤون الدبلوماسية عثمان الشيخ حسن قال "في التعريف الأكاديمي، فإن سلطة الأمر الواقع تخضع مجموعة من السكان، بغض النظر عن تعدادهم مع إقليم جغرافي معين لحكم مباشر، كالحال اليوم في شمال وشرق سوريا وفي جنوبها. وتقوم تلك السلطات بتفعيل دور المؤسسات وممارسة وظائف وصلاحيات الدولة العامة، ولكنها لا تحظى بقبول أو اعتراف دولي تام. فمثلاً السويداء اليوم، لو نجحت بأن تقيم حكم أمر واقع في منطقتها وحصلت على اعتراف من إسرائيل والأردن على سبيل المثال، فهذا لا يلزم فرنسا وإسبانيا وتركيا وغيرها بالاعتراف ذاته. لذا سلطة الأمر الواقع تظل منقوصة حتى تتحول إلى سلطة شرعية. وفي الحالة السورية، يمكن أن يحصل هذا إذا تقسمت سوريا فعلياً، وحينها يصير على الدول الباقية الاعتراف بالكيانات الجديدة".

ويتابع "اليوم هناك انفصال بين الواقع العملي والرؤية السياسية والمساعي نحو الشرعية الدولية للسلطات السورية، وهو ما يجعل بعضهم يصفها بسلطات الأمر الواقع. فهي لا تملك سنداً دستورياً واضحاً، والأسوأ أنها تلقى رفضاً واسعاً في مناطق كثيرة من الجغرافية السورية. سأشرح ذلك، في مناطق قسد شمال شرقي سوريا، وهي مساحة تعادل ربع إلى ثلث سوريا، وفي السويداء جنوباً والساحل مع غرب حمص، كل هذه المساحات بسكانها لا تعترف غالباً بالسلطة القائمة فتراها سلطة أمر واقع، من دون أن ننسى أن البادية باتساعها الكبير ليست تحت السيطرة الفعلية. إذاً، السلطات اليوم تسيطر على مساحات جغرافية محدودة من سوريا، ليست قليلة بالطبع، ولكن لا تسيطر على كامل الخريطة، فضلاً عن حضور إسرائيل الواسع جنوباً، وملف التنازل عن الجولان".

نماذج مشابهة

لا يمكن القول إن سوريا استثناء عالمي في حالة الالتباس الوصفي الذي تمر به الآن، إذ يختلط القانون بالدستور وبالسياسة وبالشرعية وبالمصالح. فهناك كثير من الدول مرت بتجارب مشابهة من تنازع التوصيف السياسي حول السلطة الجديدة، التي وصلت عبر نزاعات أو انقلابات وحتى عبر صناديق الانتخاب أحياناً. وقد يكون من غير المتاح إجراء تجارب مقارنة مباشرة مع تلك الدول، لكن في الأقل يمكن التفكير بها على صعيد القياس، ويمكن تقسيمها إلى ثلاثة نماذج:

أولاً، سلطات أمر واقع لم تحظ بقبول واعتراف دوليين تامين: وهنا تبرز حكومات وسلطات نشأت في ظل صراعات مريرة وانقسامات دامية كحال العراق بعد سقوط نظام صدام حسين في عام 2003، إذ جرى التعاون مع الحكومات التالية الجديدة سياسياً ودبلوماسياً وأحياناً اقتصادياً، ولكن بحذر ومن دون اعتراف دستوري كامل بشرعيتها، وهو ما يؤثر في القدرة التنفيذية في المشاركة بالاتفاقات الدولية وتمثيل الدولة بكل صلاحياتها المعترف بها أممياً. كذلك كان الأمر مشابهاً في الصومال خلال تسعينيات القرن الماضي، وصولاً إلى الأمس القريب.

ثانياً، السلطات التي تحكم عبر انقلابات عسكرية: أبرز مثال هو سوريا اليوم، وسوريا التي حكمها حافظ الأسد عبر الإطاحة الانقلابية الناعمة برفاق دربه في عام 1970. وقبلها إطاحة الضابطين صلاح جديد وحافظ الأسد بالرئيس أمين الحافظ في عام 1966، وكان انقلاباً دموياً. وقبلها إطاحة جديد والأسد أيضاً ورفاقهما بالشرعية عبر ما سمي بـ"ثورة الثامن من مارس" (آذار) في عام 1963، وكانت اللحظة التي تسلم بعدها "حزب البعث" حكم سوريا لقرون.

كذلك أحداث مشابهة في بعض الدول الأفريقية وأميركا اللاتينية، تحديداً في تشيلي والأرجنتين في السبعينيات، وزيمبابوي في الثمانينيات، وكانت كل تلك السلطات أمراً واقعاً قصرت مدة حكمها أم طالت، واستندت بمجملها إلى قوانين طوارئ ومحاكم على الشبهات. وعلى رغم ذلك تباين التعامل الدولي العام مع تلك الدول، فثمة منها من حظي باعتراف شرعي ودستوري وقانوني، ودول أخرى ظلت تحت المراقبة.

ثالثاً، حكومة انتقالية بلا سند دستوري واضح: في هذه الحالة يمكن الاستشهاد بدول قريبة مثل ليبيا في عام 2011، وما بعد انتفاضة مصر في عام 2011 أيضاً. في البلدين تولت سلطات انتقالية عملياً إدارة ملفات البلاد، من دون آلية دستورية واضحة، في ليبيا ساد الانقسام واستمر وتنامى، مصر شهدت انتفاضة ثانية أطاحت بحكم الإخوان، واستقرت على سلطة حظيت باعتراف دولي وشرعي (سلطة الرئيس عبدالفتاح السيسي).

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير