Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"انقلابات أفريقيا" تفاقم الصراع الجيوسياسي بين الغرب والشرق

باحثون: انفتاح السلطات الجديدة على القوى الكبرى لا يغفل الروح الإمبريالية لدى باريس وواشنطن ولا البديل المستعد للعطاء ممثلاً في روسيا والصين

بوتين يتوسط قادة أفارقة في القمة الروسية الأفريقية الثانية التي عقدت في سانت بطرسبرغ، 28 يوليو 2023 (أ ف ب)

ملخص

يقول الباحثان الأميركيان المتخصصان في التحولات السياسية جوناثان باول وكلايتون ثين إن سبعة من كل 10 انقلابات عسكرية في دول العالم حدثت داخل أفريقيا، وانتهت بتنصيب جنرالات حكاماً على دول هشة بلا انتخابات ولا انتقال سلمياً للسلطة.

من منطقة الساحل إلى غينيا بيساو والغابون وبنين ومدغشقر، تشهد العلاقات بين الحكومات وبقية العالم تحولاً عميقاً وبخاصة مع القوى الكبرى، بعدما شهدت هذه الدول الواقعة داخل القارة السمراء تغييرات غير دستورية أو محاولات إطاحة بالسلطة القائمة، إذ سعى الشركاء الغربيون التقليديون إلى تحسين علاقاتهم مع المجالس الحاكمة باسم الحفاظ على المصالح الاقتصادية والعسكرية.

ويقول الباحثان الأميركيان المتخصصان في التحولات السياسية جوناثان باول وكلايتون ثين، إن سبعة من كل 10 انقلابات عسكرية في دول العالم حدثت داخل أفريقيا، وانتهت بتنصيب جنرالات حكاماً على دول هشة بلا انتخابات ولا انتقال سلمياً للسلطة. ووسط هذا المشهد جاء أحدث الانقلابات في بنين خلال السابع من ديسمبر (كانون الأول) 2025، وهي الدولة التي كادت تنضم إلى قائمة البلدان التي شهدت تغييرات سريعة قبل أن يتم وأدها بساعات عبر تدخل عسكري نيجيري فرنسي خاطف.

وفي غينيا بيساو خلال الأربعاء الـ26 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 أطاح الجنرال هورتا نتام، الرجل الأقوى في المجلس العسكري والمقرب من الرئيس عمر سيسوكو إمبالو، الأخير الذي تتحدث تقارير إعلامية عن تلقيه تدريبات فرنسية وإسرائيلية.

سبق ذلك في مدغشقر، الواقعة قبالة الساحل الشرقي لأفريقيا، تغير سريع قادته احتجاجات شبابية تحت اسم "جيل زد" خلال سبتمبر (أيلول) 2025 قبل أن تنضم إليها المؤسسة العسكرية، ليتولى العقيد مايكل راندريانيرينا الحكم خلال الـ17 من أكتوبر (تشرين الأول) 2025 بعد إطاحته الرئيس أندري راجولينا الذي فر خارج البلاد. وبرر راندريانيرينا تدخله بأنه "خطوة دستورية"، متعهداً بمرحلة انتقالية قصيرة مدتها عامان وباجتثاث "الفاسدين واللصوص".

نحو مدغشقر

وأثارت الزيارة الأخيرة لوفد روسي برئاسة رئيس فيلق أفريقيا إلى مدغشقر سجالاً واسعاً، إذ إن موسكو ليست العاصمة الوحيدة التي تسعى إلى تحسين علاقاتها مع الرئيس راندريانيرينا. وبكلمات جاء فيها إنه "إنذار بوجود تهديد في مدغشقر" أعادت سينتيا راندريامبولولونا، وهي شخصية سياسية مؤثرة تحظى بشعبية واسعة في الجزيرة الكبيرة، خلال الثالث من يناير (كانون الثاني) الجاري إشعال الجدل الذي اندلع خلال زيارة الوفد الروسي إلى أنتاناناريفو يومي الـ20 والـ21 من ديسمبر 2025، على رغم تقاربها التقليدي مع باريس. وفي رسالة مقتضبة، سردت الشابة هذا "التهديد" الذي أقلقها بشدة، وهو إنزال 40 جندياً روسياً، والوجهة المعلنة هي القصر الرئاسي مع تسليم 43 صندوقاً وحزمة تحوي أسلحة حربية. وفي نهاية ديسمبر 2025، استقبل راندريانيرينا الذي أطاح الرئيس السابق أندريه راجولينا وفداً رسمياً مكلفاً من الرئيس فلاديمير بوتين.

 

ومن الواضح أن الحكومة الجديدة تولي اهتماماً بالغاً بالحفاظ على التوازن الدولي، فخلال الـ20 من نوفمبر 2025 أجرى راندريانيرينا أول مقابلة له كرئيس مع قناة "روسيا اليوم". وبعد أسبوعين، خلال الخامس من ديسمبر 2025، جاء دور قناة "فرانس 24". وحرص على التأكيد خلال مقابلته أنه "ليس لدى فرنسا أي سبب للقلق في شأن موقفنا. يمكننا العمل مع الجميع".

وفي أعقاب السجال المحيط بتأكيد تهريب راجولينا على متن طائرة فرنسية، وتصريحات إيمانويل ماكرون غير الموفقة خلال الـ12 من أكتوبر 2025، أصبح الرئيس الفرنسي أول رئيس دولة غربية يتحدث رسمياً عبر الهاتف مع مايكل راندريانيرينا خلال الـ29 من نوفمبر من العام ذاته. ويعود هذا الحرص المعلن على الحفاظ على العلاقات مع السلطات الجديدة إلى حد كبير إلى المصالح الاقتصادية الفرنسية في مدغشقر، حيث تتمتع شركات فرنسية كبرى مثل "أورانج" و"توتال إنيرجيز" و"كولاس" بحضور قوي داخل البلاد، بينما يظل عدد الشركات الروسية العاملة هناك محدوداً للغاية، كما أوردت مجلة "جون أفريك" الفرنسية السبت الماضي.

وتعد أنتاناناريفو، التي تحظى باهتمام مشترك بين موسكو وباريس، محط أنظار واشنطن أيضاً. فقد أرسلت إدارة دونالد ترمب وفداً إلى مدغشقر مكث هناك خلال الفترة من الرابع إلى السادس من يناير الجاري. ولم يكشف رسمياً عن الغرض من هذه الزيارة، ولا عن هوية الوفد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتعد الولايات المتحدة السوق التصديرية الرئيسة لمدغشقر قبل تطبيق التعريفات الجمركية الجديدة والتشكيك في قانون النمو والفرص في أفريقيا. ولها، مثل فرنسا، مصالح اقتصادية عديدة داخل مدغشقر.

وتتجه السلطات الجديدة أيضاً إلى بكين كشريك آخر. فخلال منتصف ديسمبر 2025 سافر ستة وزراء في الأقل، من بينهم وزيرا المناجم والطاقة ​​إلى جاكرتا للقاء مسؤولين تنفيذيين من شركة التعدين الصينية العملاقة "تسينغشان".

ما خسره الغرب

ويؤكد الأكاديمي والباحث السياسي مهند حافظ أوغلو لـ"اندبندنت عربية" المساعي العديدة التي "تحاول من خلالها دول الاتحاد الأوروبي المضي قدماً في مسار خاص داخل القارة الأفريقية، وعلى رأسها فرنسا، لاستعادة ذلك الدور والنفوذ الذي خسرته أخيراً داخل دول عربية عدة وفي القارة السمراء".

بناءً عليه يشير أوغلو إلى بروز خريطة تحالفات جديدة في القارة السمراء باستراتيجية مختلفة يعتقد الغرب أنها قد تصل به إلى نتائج مختلفة، غير أن هذا الأمر لا يمكن أن يقود فرنسا وتلك الدول الأوروبية إلى نتائج، وذلك لسببين أساسيين، الأول هو الرأي الأميركي الذي لا يتوافق مع الرؤية الأوروبية، وكذلك التوافقات الإقليمية في النفوذ داخل القارة السمراء، وهو ما ينعكس سلباً على دور بروكسل بصورة عامة وباريس خصوصاً. أما السبب الأساس فهو اعتماد فرنسا على تاريخها، وليس على قراءة واقعية للتطورات اليوم.

الباحث السياسي عز الدين عقيل يشير إلى رغبة بعض دول الانقلابات بإقامة توازن بين واشنطن وباريس وموسكو وبكين، موضحاً أن "الأمر يختلف من بلد لآخر، ففي النيجر طردت قوات أميركية من أراضيها وقطعت العلاقات العسكرية معها، وفرنسا تعاني الأمرين أخيراً مع بلدان الساحل حتى إن سفاراتها تكاد تكون مغلقة، إلى جانب أن التأثير الروسي العسكري والسياسي بات طاغياً في هذه المنطقة".

 

وأكد حاجة هذه الدول الأفريقية وتطلعها لبناء علاقات متوازنة مع القوى الغربية، لا سيما أنها تسعى إلى تنويع مصادر دخلها من المنح والهبات والدعم الاقتصادي والتنموي بكل صوره.

لكنه يعتقد أن انفتاح دول الساحل الأفريقي على الحكومات الكبرى المذكورة ليس بالدرجة ذاتها، وذلك لأسباب عدة، الأول يتعلق بالروح الإمبريالية لدى باريس وواشنطن في التعامل مع دول الساحل، ورغبة الأخيرة الجامحة في التحرر من الهيمنة الفرنسية - الأميركية، الانتهازية والمهينة، وبخاصة في ظل اكتشاف شدة الاستغلال والاستنزاف الاقتصادي الذي تتعرض له، وبخاصة من طرف فرنسا.

أما السبب الثاني فيعود، بحسب عقيل، إلى ما وجدته دول الساحل الأفريقي المعنية من بديل مناسب لدى كل من روسيا والصين، خصوصاً من الأخيرة المستعدة ولو خلال عقود قادمة للعطاء أكثر من الأخذ.

رياح جديدة

ويقود ذلك إلى جدلية مفادها أن دول الانقلابات تساوي بين باريس وواشنطن من جهة، وبكين وموسكو من جهة أخرى، أو أنها تسعى بالقدر نفسه للتقارب مع هذه الحكومات. ومعلوم أن رياحاً جديدة هبت على العلاقات بين الولايات المتحدة ومالي وبوركينا فاسو والنيجر، والتي توترت بعد سلسلة الانقلابات بين عامي 2020 و2023. وتجلى ذلك في الزيارات الأخيرة إلى باماكو خلال أوائل يوليو 2025 من قبل نائب مدير مكافحة الإرهاب في مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض رودولف عطا الله، الذي جاء لتعزيز التعاون العسكري والاقتصادي بين البلدين.

وعلى رغم أن واشنطن لم تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع المجالس العسكرية التي أطاحت الأنظمة المدنية، فإنها أوقفت دعمها المالي، إذ يلزم التشريع الأميركي وزارة الخارجية بوقف تقديم المساعدات للدول التي يستولي فيها الجيش على السلطة. وداخل نيامي، عقب انقلاب يوليو 2023 ضد الرئيس محمد بازوم الحليف الرئيس للولايات المتحدة، نددت الحكومة النيجرية بدورها بالاتفاقات الدفاعية الموقعة مع الولايات المتحدة. وأجبر نحو ألف جندي أميركي متمركزين داخل القاعدة الجوية 201 في أغاديز، وهي موقع استراتيجي لمراقبة الجماعات المتطرفة، على الانسحاب.

مع ذلك لا تزال واشنطن تشعر بالفراغ الذي خلفه انسحابها من المنطقة، فقد ذكرت وكالة "رويترز" خلال ديسمبر 2025، أن ساحل العاج تضغط على واشنطن لنشر طائرات تجسس في الشمال جزئياً لتعويض الفجوة التي خلفتها خسارة الولايات المتحدة الوصول إلى قاعدة الطائرات من دون طيار في النيجر.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير