Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سد النهضة الإثيوبي... إلى أين تقود تحركات ترمب؟

تمثل المبادرة الأميركية لحظة سياسية كاشفة لحدود وساطة واشنطن وحسابات مصر المتشابكة داخلياً وخارجياً وحذر أديس أبابا البنيوي من أي تدخل دولي

لم يعد الخلاف حول سد النهضة الإثيوبي مجرد نزاع فني أو تفاوضي حول قواعد الملء والتشغيل (رويترز)

ملخص

يمكن القول إن النزاع حول سد النهضة دخل مرحلة مختلفة، لم تعد فيها الأسئلة المركزية تدور حول إمكانية الوصول إلى اتفاق نهائي، بل حول كيفية إدارة تداعيات غياب هذا الاتفاق، ومنع النزاع من التحول إلى أزمة أمنية مفتوحة. في هذه المرحلة، تصبح قدرة الدول على إدارة الضغوط الداخلية وبناء تحالفات مرنة، والاستثمار في التكيف طويل الأمد.

لم يعد الخلاف حول سد النهضة الإثيوبي الكبير مجرد نزاع فني أو تفاوضي حول قواعد الملء والتشغيل، بل تحول خلال العقد الأخير إلى ساحة تتقاطع فيها تحولات النظام الدولي، وإعادة تعريف أدوار القوى الكبرى، وتغيرات عميقة في مفهوم السيادة والتنمية في أفريقيا، فضلاً عن إعادة تشكيل معادلات الأمن القومي في مصر.

من هذا المنظور، فإن الرسالة التي بعث بها الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، وما تلاها من تصريحات في منتدى دافوس، لا يمكن التعامل معها باعتبارها مبادرة دبلوماسية تقليدية أو محاولة جادة لإحياء مسار تفاوضي متعثر، بقدر ما تمثل لحظة سياسية كاشفة لحدود الوساطة الأميركية، ولحسابات مصر المتشابكة داخلياً وخارجياً، ولحذر إثيوبي بنيوي من أي تدخل دولي.

يأتي هذا التحرك الأميركي ضمن سياق دولي مختلف جذرياً عن ذلك الذي أحاط بمحاولة واشنطن رعاية اتفاق فبراير (شباط) 2020. آنذاك، كانت الولايات المتحدة لا تزال ترى نفسها قادرة على فرض صيغ تسوية عبر ثقلها السياسي والمؤسسي، فيما كانت إثيوبيا لا تزال في طور استكمال مشروع السد، وتحتاج إلى غطاء دولي يقلل من كلفة المضي قدماً.

أما اليوم، فإن السد بات واقعاً تشغيلياً شبه مكتمل، وانتقلت إثيوبيا من موقع التفاوض تحت الضغط إلى موقع إدارة الأمر الواقع، وهو تحول جوهري يغير طبيعة أية وساطة محتملة، ويحد مسبقاً من قدرتها على إحداث اختراقات جوهرية.

فشل واشنطن عام 2020 لم يكن فشلاً إجرائياً، بل كان عجزاً عن التوفيق بين ثلاث سرديات متناقضة، السردية المصرية القائمة على الحقوق التاريخية والأمن الوجودي، والسردية الإثيوبية المؤسسة على السيادة والتنمية الوطنية، والسردية الأميركية التي حاولت تبسيط النزاع، باعتباره خلافاً قابلاً للحل عبر صفقة تقنية.

هذا العجز ترك أثراً طويل المدى في الإدراك الإثيوبي لدور الولايات المتحدة، إذ ترسخت قناعة بأن أية رعاية أميركية ستظل، في جوهرها، أقرب إلى تبني الهواجس المصرية. من هنا، يصبح الخطاب الذي تبناه ترمب في دافوس امتداداً لمنطق التدخل الرمزي أكثر منه تعبيراً عن استراتيجية تفاوضية متكاملة. فتصريحاته، التي اتسمت بالشخصنة واللغة المباشرة لم تتضمن تصوراً مؤسسياً أو آلية تنفيذية، ولم تطرح أدوات ضغط جديدة يمكن أن تغير حسابات أديس أبابا. بل عكست تصوراً تقليدياً لدور القوة العظمى بوصفها قادرة على حل النزاعات عبر الإرادة السياسية وحدها، وهو تصور يتآكل تدريجاً في عالم مضطرب حالياً، ومثقل بتجارب الوساطة الفاشلة.

في المقابل جاء التفاعل المصري مع هذه المبادرة محسوباً بعناية، فقد حرص الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي على الترحيب بالموقف الأميركي، وعلى إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، دون أن يربط الموقف المصري بإمكانية نجاح واشنطن في فرض تسوية. هذا التوازن يعكس إدراكاً مصرياً متقدماً لحدود الدور الأميركي، لكنه يعكس أيضاً حسابات داخلية تحت ضغط متصاعد لا تقل أهمية عن الحسابات الخارجية، صحيح أنه لا يتخذ شكل معارضة سياسية منظمة، لكنه يتجلى في وعي مجتمعي متنامٍ بخطورة القضية، وفي إدراك عام بأن مياه النيل تمثل مسألة وجودية لا تقبل الحلول الرمزية أو التسويف طويل الأمد. ومع مرور الوقت، ومع تعاقب جولات تفاوضية غير مثمرة، تقلص الهامش المتاح أمام الدولة لتسويق خطاب "الصبر الاستراتيجي" دون إسناده بإشارات واضحة على الفعل والقدرة.

هذا القيد الداخلي لا يدفع بالضرورة نحو التصعيد العسكري، لكنه يفرض على صانع القرار الحفاظ على مستوى معين من الصلابة الخطابية، وعلى التأكيد المستمر بأن جميع الخيارات مطروحة، حتى وإن ظل تفعيل هذه الخيارات محكوماً بحسابات إقليمية ودولية معقدة. في هذا الإطار، يصبح الترحيب بالمبادرة الأميركية جزءاً من إدارة التوقعات الداخلية بقدر ما هو رسالة موجهة إلى الخارج، مفادها أن مصر لم تغلق باب الحلول السلمية، لكنها في الوقت ذاته لا تقبل بتطبيع الأمر الواقع من دون مقابل.

هذا التفاعل بين الداخل والخارج يعكس تحولاً أوسع في نمط صنع السياسة الخارجية المصرية، إذ باتت الاعتبارات الداخلية بما في ذلك الرأي العام والإعلام والخطاب الوطني حول الأمن القومي عناصر حاضرة في الحسابات الاستراتيجية، دون أن تتحول إلى أدوات ابتزاز سياسي أو انفعال شعبوي، وهو نمط يوازن بين العلاقة بين الشرعية الداخلية والقدرة التفاوضية للدول متوسطة القوة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ضمن هذا السياق، يكتسب الصمت الأوروبي دلالة خاصة، فالدول الأوروبية ومؤسساتها البحثية تنظر إلى النزاع حول سد النهضة من زاوية مختلفة، ترى فيه مثالاً كلاسيكياً على تداخل الأمن المائي مع التغير المناخي والهشاشة الإقليمية. ومن ثم، فهي تتجنب الانخراط في مبادرات سياسية عالية السقف قد تؤدي إلى نتائج عكسية، مفضلة دعم مقاربات تدريجية تركز على إدارة الأخطار وبناء الثقة الفنية، ومنع الانزلاق نحو عسكرة النزاع.

أما إثيوبيا فقد تعاملت مع المبادرة الأميركية الأخيرة بقدر كبير من البرود المحسوب. فالصمت أو الرد المحدود لا يعكس تجاهلاً، بل يعكس إدراكاً بأن أي تفاعل مكثف مع واشنطن قد يعيد تدويل الملف بطريقة لا تخدم مصالحها الحالية. وبات واضحاً أن أديس أبابا تفضل إدارة الملف ضمن أطر أفريقية فضفاضة أو عبر ترتيبات ثنائية تقنية، دون الانخراط في مسارات تفاوضية ملزمة ترعاها قوى كبرى.

لم يكن الفتور الإثيوبي تجاه المبادرة الأميركية الأخيرة في شأن سد النهضة مجرد تعبير عن خلاف دبلوماسي تقليدي مع وسيط دولي، بقدر ما كان انعكاساً مباشراً لبنية داخلية معقدة، تتشابك فيها اعتبارات الشرعية السياسية وإعادة بناء الدولة بعد الحرب، وصعود خطاب سيادي بات جزءاً من التوازنات الداخلية لا يمكن التفريط فيه دون كلفة سياسية باهظة.

منذ اكتمال المراحل الأساس للسد، لم تعد المفاوضات بالنسبة إلى إثيوبيا أداة لتحقيق مكاسب إضافية، بل تحولت إلى ساحة محتملة للخسارة الرمزية، وهو ما يفسر حذرها الشديد من أية مبادرة خارجية تحمل في طياتها شبهة الوصاية أو إعادة التفاوض على المنجز. ذلك أن سد النهضة لم يعد مشروعاً تنموياً فحسب، بل أصبح أحد أعمدة إعادة تعريف الدولة الإثيوبية بعد عقد من الاضطراب. فمنذ عام 2018 ومع صعود آبي أحمد ثم اندلاع الحرب في إقليم تيغراي، واجهت الدولة الإثيوبية أزمة شرعية متعددة الأبعاد، شرعية سياسية مهتزة ونسيج اجتماعي متصدع واقتصاد مرهق بفعل الحرب والعقوبات والضغوط الغربية. وفي هذا السياق، لعب السد دور "المرساة الوطنية"، المشروع الوحيد القادر على إنتاج إجماع عابر للانقسامات الإثنية، وعلى إعادة بناء سردية الدولة القوية القادرة على فرض إرادتها.

من هنا، فإن أية استجابة إيجابية لمبادرة أميركية تقرأ داخلياً باعتبارها عودة إلى مربع الضغط الخارجي، وهو مربع تسعى القيادة الإثيوبية إلى مغادرته، فالرأي العام الإثيوبي، الذي خضع لأعوام من التعبئة السياسية والإعلامية بات شديد الحساسية تجاه أي خطاب يفهم منه التراجع أو تقديم تنازلات. وحتى داخل النخب الحاكمة، لم يعد السد مجرد ملف تفاوضي، بل تحول إلى اختبار للقدرة على الصمود في مواجهة الخارج.

بالتالي، فإن تجاهل أو تحييد المبادرة الأميركية لا يعكس فقط حسابات السياسة الخارجية، بل يمثل خياراً دفاعياً داخلياً. أديس أبابا تدرك أن الانخراط العلني مع واشنطن سيعيد فتح ملف السد أمام نقاش داخلي لا ترغب في خوضه، وبخاصة بعدما رسخت خطاب الأمر الواقع المكتمل.

في ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إن النزاع حول سد النهضة دخل مرحلة مختلفة، لم تعد فيها الأسئلة المركزية تدور حول إمكانية الوصول إلى اتفاق نهائي، بل حول كيفية إدارة تداعيات غياب هذا الاتفاق، ومنع النزاع من التحول إلى أزمة أمنية مفتوحة. في هذه المرحلة، تصبح قدرة الدول على إدارة الضغوط الداخلية وبناء تحالفات مرنة، والاستثمار في التكيف طويل الأمد.

بالنسبة إلى مصر فإن الاستراتيجية الراهنة تقوم على مزيج من تثبيت الموقف القانوني والحفاظ على الحضور الدولي للقضية، وإدارة الرأي العام الداخلي دون الانجرار إلى خيارات غير محسوبة. أما المبادرة الأميركية، فعلى رغم محدودية أثرها العملي، فإنها تظل جزءاً من هذا المشهد المركب، أداة لإدارة الوقت ورسالة سياسية متعددة الاتجاهات، لكنها ليست ولن تكون الحل.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل