ملخص
يتطلب النجاح في عالم متعدد الأقطاب اتباع نهج دقيق للغاية في السياسة الخارجية من جانب دول أفريقيا جنوب الصحراء، غير أن الحقيقة المهمة هي أن أفريقيا لن تقوم لدولها قائمة ما لم تعرف طريقها إلى المصالحات الذاتية البينية، داخل دولها أولاً، وعلى الصعيد العام ثانية. ولحسن الطالع، فإن هناك نماذج رائدة، مثل رواندا، تلك التي اقتتل فيها التوتسي والهوتو، قبل ثلاثة عقود، طفت الجثث فوق مياه الأنهار، فيما اليوم وبعد الانتصار على الذات وشهوات السلطة، باتت نموذجاً رائداً في التنمية.
هل دخلت القرة الأفريقية مرة جديدة في دائرة التساؤلات المصيرية المثيرة للجدل؟
المؤكد أن ما جرى في منطقة صوماليلاند أخيراً، من محاولة البعض الاعتراف بها شرعياً كدولة مستقلة، أعاد تركيز الأضواء من جديد على تلك "السمراء التي أحببتها"، على حد تعبير السكرتير العام الراحل للأمم المتحدة بطرس غالي، الرجل الذي عشق أباً عن جد تلك القارة المظلومة تاريخياً. والثابت أن المشهد لم يعد متعلقاً فقط بالصومال، وإنما يمتد إلى كثير من دول القارة، والتي تمثل بطوناً رخوة، إذ تغيب ملامح الدولة بمعناها ومبناها "الوستفالي"، وتحل مكانها فكرة الولايات المتشعبة أو الكانتونات المنقسمة على ذاتها، وبين هذه وتلك يسود الفقر وتتفشى الأمية، وتكثر الجريمة، ويجد الإرهاب المعولم له حاضنة، لا تصد ولا ترد.
يتساءل المراقبون ما الذي يجري في القارة الأفريقية في حاضرات أيامنا، وهل نحن أمام عودة الاستعمار مرة جديدة، وإن توارى في صورة مصالح دولية متضاربة؟ ثم تبقى هناك علامة استفهام لا تقل إثارة: "هل الموقع الجغرافي لأفريقيا في منتصف العالم كان نعمة أم نقمة عليها؟
وربما كان في طريقنا لتحليل مشهد القارة البائسة كما يراها البعض، نقاط قوة، لكن أصحابها لا يدركونها، تلك الظاهرة للعيان في أمرين، ثرواتها الطبيعية الوفيرة، من أراض ممتدة، قابلة للزراعة وصالحة لتغذية الكرة الأرضية برمتها عطفاً على النفط والمعادن الثمينة. والأمر الآخر يتمثل في أنها الموقع والموضع الوحيد حول الكرة الأرضية، الذي تتوافر فيه الفرض للتنمية والإعمار، مما يعني أنها أرض خصبة للشركات العالمية لتحقيق مكاسب خيالية، إذ تحتاج القارة إلى قرابة 200 عام من العمل المستمر والمستقر، كي تصل إلى حد التشبع مثلما الحال في أوروبا على سبيل المثال، على أنه لا يمكن فصل ماضي أفريقيا عن حاضرها، ومن هنا يمكننا فهم ما تجري به المقادير في أرض الشمس الساطعة.
مؤتمر برلين وتقسيم القارة الأفريقية
لم تكن أفريقيا لتغيب عن الأعين الاستعمارية الأوروبية تحديداً في القرون الوسطى، لا سيما أن الالتفاف حول القارة عبر طريق رأس الرجاء الصالح، فتح الأعين واسعة على إمكانات القارة من حيث المساحات الشاسعة والإمكانات الواسعة، ولأن قلب العالم القديم، كان متمثلاً في القارة الأوروبية وإمبراطوراتها وممالكها، قبل أن يبزغ فجر الولايات المتحدة الأميركية، لذا تداعت القوى الاستعمارية الأوروبية في برلين في الـ15 من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1884 لتقاسم النفوذ والخيرات الأفريقية، من منظور أرض بلا شعب، والغريب والمريب أنه لم يشارك في ذلك المؤتمر ممثل واحد عن القارة السمراء.
في برلين رسمت الحدود بالمسطرة، وقسمت الشعوب وفق مصالح الإمبراطوريات لا وفق الجغرافيا أو التاريخ أو الهويات.
واختتم المؤتمر بتوقيع قانون برلين العام، وهو اتفاقية تنظم الاستعمار والتجارة الأوروبية في أفريقيا، ويمكن اعتباره القانون الذي أضفى الطابع الرسمي على التنافس الاستعماري المكثف من قبل القوى الأوروبية، ويشار إليه أحياناً بأنه مسؤول عن "تقسيم أفريقيا".
ولعل من متناقضات القدر أن يكون الأمس شبيهاً باليوم، فقد كانت القوى الأوروبية مدفوعة أيضاً بدوافع اقتصادية، إذ كان التنافس على الموارد الطبيعية الهائلة في القارة الأفريقية أمراً بالغ الأهمية للتصنيع والتوسع، ومع نمو الصناعات الأوروبية أصبحت المواد الخام، كالمطاط والمعادن والعاج والقطن، ذات قيمة عالية في أفريقيا.
عانت شعوب أفريقيا من نهب منظم لثرواتها الطبيعية، ومن شبه عبودية معاصرة لقوامها البشري، مما راكم كثيراً من الثروات للدول الأوروبية، ومن غير أدنى تفكير في صالح ومصالح الشعوب الأفريقية.
سوف تستمر مرحلة اتفاق برلين حتى منتصف القرن الـ20، لتنطلق ثورات التحرر، والمطالبة بالاستقلال، غير أن المنافسة بين حلفي "وارسو" و"الأطلسي"، ستترك بصمات مغايرة من الاستعمار المستتر، وها هي العجلة تدور من جديد، وإن بصور تتسق وحال السيولة الجيوسياسية حول العالم، عطفاً على صعود المنافسة القطبية بين الولايات المتحدة الأميركية، والتي تعتبر البديل الشرعي، ولو نسبياً، لدول القارة الأوروبية القديمة، هذا من جهة، ومن جهة ثانية، روسيا الاتحادية ذات الإرث الذي يعود في بعض دول القارة السمراء إلى خمسينيات القرن الماضي، فيما الشريك الأحدث والأكثر نجاعة بأدوات متقدمة، في مقدمها، الأموال الساخنة، يتمثل في الصين، ذات الباع الطويل وغير المؤدلجة، مما يجعل من قبولها في ثنايا وحنايا الأفريقيين أمراً يسيراً.
أفريقيا معركة القوى العالمية الجديدة
هل يختلف الوضع الدولي اليوم عما كان سائداً في زمن اتفاقية برلين أواخر القرن الـ19؟
المؤكد أن ما بعد الأمم المتحدة وشرعتها، ومبادئ القانون الدولي وسياقاته، ونشوء وارتقاء محكمة العدل الدولية، ثم الجنائية الدولية، حكماً يجعل واقع أفريقيا من حيث الشكل مختلفاً، غير أن التناقض البنيوي يبقى ساكناً أعماق الروح التنافسية الأممية، تجاه القارة الأفريقية، وإن بصورة غير مرئية لا تظهر على الخرائط من خلال ترسيم جديد للحدود والسدود، ولا تذاع الأوضاع الجديدة على الملأ كما في اتفاق برلين، وإنما تتبلور من خلال اتفاقات اقتصادية، وقواعد عسكرية، وشبكات نفوذ أمنية.
من جانب آخر، تنخلق في الرحم العالمي، أفريقيا جديدة عبر تغذية الصراعات الداخلية من الخارج، لتفتيت الكتل الصلبة السكانية، ما يعني إعادة رسم ملامح ومعالم دول جديدة تخدم القوى القطبية القائمة والقادمة على حد سواء. من هنا يتحتم علينا التساؤل "هل ما يحدث في أفريقيا اليوم هو مجرد فوضى عشوائية حيث المصالح البراغماتية تتضارب وتتشارع؟ أم أن هناك محاولات جادة لإعادة هندسة ممنهجة لمجالها الجيوسياسي في ظل تحولات النظام الدولي؟
الجواب المختصر الأول هو أن أفريقيا اليوم واقعة بين أربع قوى قطبية معاصرة تجعل من نهارها قلقاً، ومن ليلها أرقاً. وبترتيب تاريخي لتلك التوجهات الإمبريالية الوازنة، نجد أوروبا، القارة الأقدم وجوداً في القارة الأفريقية، تحاول جاهدة الحفاظ على مكتسباتها التاريخية ونفوذها التقليدي، خصوصاً في الفضاء الفرانكوفوني، وعلى رأس تلك المجموعة تأتي فرنسا، التي أصيبت أخيراً بعديد من الانتكاسات على الأرض والمطالبة بخروجها من مستعمراتها التقليدية.
ثانياً تبدو روسيا راغبة بقوة في العودة من جديد، بعدما تراجع حضورها في أعقاب تفكك الاتحاد السوفياتي في نهاية ثمانينيات القرن الماضي.
عودة روسيا تتم من خلال قوات العمليات الخاصة مثل "فاغنر"، ومن بوابة الأمن وإعادة التسليح والشركات العسكرية الخاصة، وهنا فإن موسكو تعرف كيف تستغل هشاشة الدول وضعف مؤسساتها.
اللاعب الثالث هو الولايات المتحدة الأميركية، والتي لم تكن يوماً قوى استعمارية في الداخل الأفريقي، وقد جرت محاولات لتعزيز وجودها عبر القوة العسكرية، لكن غالبية عملياتها باءت بالفشل، ونموذج التدخل في الصومال أوائل التسعينيات دليل على ذلك. وعلى رغم أن واشنطن فكرت كثيراً في الانسحاب من أفريقيا لتكرس جهودها لمواجهة الصين في شرق آسيا، فإنها اليوم تسعى إلى إعادة قراءة حضورها، انطلاقاً من مخاوف التمدد الاستراتيجي لخصومها، وقطع الطريق عليهم.
يبقى البيدق الأمهر والأسرع فوق خريطة الشطرنج الإدراكية الأفريقية ويتمثل في الصين، التي تتقدم بثبات تحسد عليه عبر بوابة الاقتصاد، مستثمرة في البنية التحتية والموانئ والموارد الطبيعية، ومقدمة نفسها كشريك تنموي بديل عن الإرث الاستعماري الغربي.
أفريقيا إشكالية التنمية والوصاية الجديدة
يمكن للقارئ أن يتساءل عن بعض من الأسباب غير الواضحة التي تجعل من القارة الأفريقية موقعاً وموضعاً للعبة الأمم المعاصرة، تلك التي تجري بأدوات الردع النقدي لا النووي ولا حتى العسكري التقليدي. المؤكد بداية، أن غالبية دول القارة، إلا ما رحم ربك، قد أخفقت إخفاقاً كبيراً في تحقيق معدلات تنمية بشرية واقتصادية متميزة عبر قرابة ثمانية عقود خلت، مما جعلها رهناً لصراعات التنمية عبر القوى المالية الكبرى في العالم.
يقطع البعض بأن ما يجري اليوم في أفريقيا لا يمكن فصله عن منطق "الوصاية الجديدة"، إذ لم تعد الوصاية تعلن صراحة كما الحال في زمن مؤتمر برلين، لكنها في واقع الأمر تمارس عبر دعم حركات انفصالية أو إثنية تحت شعارات تقرير المصير وحقوق الأقليات. ومن هنا تبرز حالات مثل الصومال، الساحل الأفريقي، ليبيا، والسودان، كنماذج صارخة على تفكك الدولة تحت ضغط التدخلات الخارجية. ولعل الأخطر في المشهد الأفريقي هو أن بعض القوى الدولية باتت ترى في تفتيت الدول الهشة وسيلة لإعادة هندسة الجغرافيا السياسية بما يخدم مصالحها، لا سيما تحت ضغط التدخلات الخارجية، على أن صراعاً أيديولوجياً يعمق التصارع في الداخل الأفريقي ويجعل من "يدفع للجوقة هو من يحدد اللحن"، أي من يتمكن من رفع رهاناته المالية والاقتصادية في دول القارة، هو من يحقق أكبر قدر ممكن من الانتصاراًت. كيف ذلك؟
عبر مجلة "فورين بوليسي" الأميركية ذائعة الصيت، يكتب رئيس التحرير السابق نعيم موسى عن مثال صارخ لما تفعله الأموال الساخنة على الأرض هناك.
ذات مرة تطلعت واحدة من الدول الأفريقية إلى قرض أميركي لا يتجاوز 50 مليون دولار، بهدف صيانة خطوط السكك الحديد فيها، غير أن واشنطن قيدت موافقتها بعدد من الشروط اللازمة للحصول على القرض، منها ما هو موصول بحالة الديمقراطية، وأخرى بالانتخابات التشريعية القادمة في ذلك البلد، وثالث بأحوال الأقليات وحقوق المثليين، مما أرهق كاهل القيادة السياسية هناك.
في المقابل، وعبر قرون استشعارها الاستخباراتية، قدمت الصين عرضاً بـ500 مليون دولار، ومن غير آية شروط، سوى الحصول على المقابل والمتمثل في عقود استخراج بعض المعادن وتوريدها مباشرة إلى بكين، وهو ما تمت الموافقة عليه في الحال. ما معنى ذلك؟
المعنى والمبنى هو أن صراعاً أيديولوجياً، يتوارى وراء قصص التنمية الأفريقية، ويؤدي دوراً فاعلاً في رسم ملامح القارة استراتيجياً. غير أن الأمر في واقع الحال لم يعد قاصراً على الصراعات ذات الأبعاد السياسية والتنموية في شقها الاقتصادي، إذ بات كثر من ساحات الدول الأفريقية اليوم مجالاً متسعاً لحروب الوكالة بمؤداها الحقيقي، أي الحروب والعسكرة، الجيوش والعروش، ومحاولات الانقلاب، وتدبير المكايد وممارسة الدسائس، وبأهداف لا تغيب عن أعين الناظرين. هل من أمثلة حية على تلك النوعية من المواجهات المابعد تنموية؟
عن أفريقيا والحرب الباردة الجديدة
الحديث عن أفريقيا وإعادة هندسة جغرافيتها وربما تاريخها، لم يعد قاصراً في حقيقة الأمر على القوى القطبية الأربع المتقدمة، بل باتت هناك قوى متوسطة القوة، تؤدي دوراً فاعلاً لا شك في ذلك في جنباتها، مثل تركيا وإسرائيل، من الجانب الآسيوي، ناهيك بقوى لاتينية مثل البرازيل والأرجنتين من جهة أخرى، مما يجعل أخطر ما في المشهد الأفريقي هو تحول عدد من دوله إلى ساحات حروب بالوكالة. فالصراعات في ليبيا، السودان، القرن الأفريقي، ومنطقة الساحل، ليست بمعزل عن التنافس الدولي، بل هي انعكاس مباشر له، حيث تغذى النزاعات بالسلاح والمال والدعم السياسي، بينما تستنزف المجتمعات وتتفكك الدول من الداخل.
وفي كثير من الحالات يجرى توظيف الانقسامات العرقية والدينية والقبلية كأدوات لإعادة رسم التوازنات، بل إن بعض المشاريع الانفصالية تقدم بغطاء "حق تقرير المصير" (لاحظ نموذج صوماليلاند) في حين تخدم فعلاً استراتيجيات خارجية تهدف إلى إضعاف الدولة الوطنية وإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية بما يتوافق مع مصالح القوى الكبرى (الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند نموذجاً).
من هذا المنطلق ربما يصح التساؤل "هل أضحت أفريقيا تحديداً ساحة للحرب الباردة الجديدة، بين واشنطن وبكين من جانب وبكين وموسكو من جانب آخر؟".
عند الباحث في شؤون النزاعات في أفريقيا حامد ليلو أن ما يجري الآن على سطح القارة يمثل أحد فصول الحرب الباردة الجديدة، "على سبيل المثال، يشكل التدخل الأمني الروسي، الذي يتجلى في دغمها العسكري لدول مثل بوركينا فاسو وجمهورية أفريقيا الوسطى وليبيا ومالي والنيجر إلى جانب استثمارات الصين في البنية التحتية والموارد الطبيعية والشراكات التجارية، تهديداً للمصالح الاقتصادية الأميركية في القارة. فالتمويل الصيني، الذي غالباً ما يقدم، كما أشرنا سلفاً، بشروط أقل تضييقاً من البدائل الغربية، يمنح بكين نفوذاً كبيراً في صياغة السياسات الاقتصادية الأفريقية، وتأمين الوصول إلى الموارد وترسخ استقرار الأنظمة التي تخدم مصالحها.
وكمثال على الحرب الباردة الدائرة على السطح وتحت السطح في أفريقيا، ففي الـ14 من سبتمبر (أيلول) من العام الماضي، كشفت صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية عن أن "الولايات المتحدة بدأت سراً محادثات مع المجلس العسكري الحاكم في مالي تركز على مكافحة الإرهاب. وفي شهر أغسطس من العام الماضي أيضاً، زارت وفود من مجلس النواب والشيوخ مدينة باماكو. وفي يوليو (تموز)، التقى نائب مساعد وزير الخارجية الأميركي ويل ستيفنز المسؤول عن ملف غرب أفريقيا في وزارة الخارجية بمسؤولين ماليين. وقبل ذلك ببضعة أشهر، بين الـ19 والـ21 من فبراير (شباط)، أجرت القيادة الأميركية في أفريقيا، مقر "البنتاغون" للعمليات في أنحاء القارة، أول لقاء عسكري لها في مالي منذ خمس سنوات.
هل تشير هذه الجهود الواضحة التي تبذلها واشنطن لاستمالة النظام العسكري في مالي إلى عودة الولايات المتحدة لتفعيل دورها العسكري في الداخل الأفريقي؟
يبدو أن الأمر يتجاوز حدود الاستمالة، لا سيما في ضوء الضربات العسكرية التي وجهتها الطائرات الأميركية إلى بعض معسكرات من تراهم إرهابيين أخيراً في نيجيريا، والجميع يتذكر تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن أولئك الذين يروعون الشعب النيجيري، لا سيما المسيحيين هناك، على أن علامة الاستفهام "هل الحرب الباردة تجرى بين واشنطن وموسكو فقط؟ أم اللعبة الكبرى قائمة وقادمة بين بكين وواشنطن، القطبين الكبيرين اللذين غالباً ما سيشكلان معالم الطريق لبقية القرن الـ21؟
صراع النسر والتنين في أفريقيا
يمكن الجواب بسهولة والقول إنه إذا كان الصراع الأميركي - الروسي في أفريقيا يدور من حول التسليح والأمن في الوقت الحاضر، وربما لغياب الأدوات المالية عن روسيا وبقاء العناصر العسكرية، فإن المشهد الصيني - الأميركي، والصراع القائم اليوم يبدو مالياً - اقتصادياً بارداً، لكنه سينحو حكماً وعما قريب إلى صراع ساخن. والشاهد أنه عند دراسة سجل الولايات المتحدة والصين في أفريقيا، قد يتفاجأ كثر بمعرفة أن الولايات المتحدة ليست غائبة إلى حد كبير عن القارة، كما يشاع، وليست أقل شأناً من الصين من حيث المشاركة. ومع ذلك، فقد تفوقت الصين على الولايات المتحدة كأكبر شريك تجاري لأفريقيا. وتمثل الصين ما بين 15 و16 في المئة من صادرات أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وما بين 14 و21 في المئة من وارداتها، ووفقاً لبنك "ستاندرد"، تصنف نحو ثلثي الدول الأفريقية الصين كأكبر مصدر للسلع لديها. وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، تمثل أحد مصادر التوتر التجاري مع أفريقيا في معايير التأهل لنظام الأفضليات المعمم الأميركي بموجب قانون النمو والفرص الأفريقية لعام 2000، لكن على رغم هذه المشكلات، يظل قانون النمو والفرص الأفريقية أداة فعالة. فمن خلال توفير إمكان الوصول إلى الأسواق الأفريقية المعفاة من الرسوم الجمركية لمعظم المنتجات الأفريقية، أسهم القانون في توسيع وتنويع الصادرات الأفريقية إلى الولايات المتحدة. وفي عام 2015، مدد الكونغرس الأميركي العمل بالقانون حتى عام 2025، مما أتاح زيادة في حجم التبادل التجاري بين الولايات المتحدة ودول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بقيمة 39 مليار دولار عام 2017، على أن أفريقيا وسكانها، قد يكونون تحدياً للصين وأميركا معاً بأكثر مما هم فرصة. ما معنى ذلك؟
الحقيقة، تدرك الصين والولايات المتحدة أنه في عالم مترابط، لا يمكن عزل أفريقيا أو تجاهلها، لكن مبادراتهما في القارة مهما بلغت طموحاتها، لن تكون كافية لتلبية حاجاتها. ففي الواقع يوجد حالياً 2.1 مليون مهاجر أفريقي في الولايات المتحدة، و10.6 مليون في أوروبا. ومع احتمال تفاقم تغير المناخ والإرهاب والصراعات في أفريقيا خلال السنوات القادمة، ستسارع تدفقات المهاجرين واللاجئين الدوليين من القارة، ما يعني أنه ربما على بكين وواشنطن التفكير بنرجسية مستنيرة في خدمة مصالحهما من خلال الدول الأفريقية وتحسين مستويات الحياة فيها، وليس السعي إلى سلب مواردها، وتهجير سكانها ما سينقلب عليهما بالسوء في المدى الزمني المنظور.
ما الذي يتبقى هنا من صراعات؟
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
روسيا والصين... الأعدقاء في أفريقيا
يحتاج الحديث عن العلاقات الروسية – الصينية، بصورة عامة، إلى قراءات مطولة ومعقمة، وحضورهما في الداخل الأفريقي، يتطلب مهارة خاصة، لا سيما أنه يمكن التأريخ لتلك العلاقة بمرحلتين، في المدى الزمني الحديث المنظور، أي قبل حرب أوكرانيا وبعدها. فعلى رغم التصريحات المتكررة التي يتبادل فيها شي جينبينغ وفلاديمير بوتين عبارات الإعجاب الشخصي، ووصفهما الشراكة بين بلديهما بأنها "بلا حدود" إلا أن صورة مختلفة تظهر عند التعمق في التحليل. ويرى عديد من الأفارقة الذين يتعاملون مع البلدين تنافساً ناشئاً بينهما في أفريقيا، ويعتقد كثر أيضاً أن الصين في وضع أفضل وأن تفوقها سيتسع مع مرور الوقت، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن الصراع محتوم بينهما، سواء في أفريقيا أو غيرها، ففي نهاية المطاف تتنافس الولايات المتحدة وحلفاؤها وشركاؤها في جوانب عديدة من دون أن يؤثر ذلك في علاقتهم العامة.
في هذا السياق أشار بول تيمبي الباحث الجنوب أفريقي إلى أن الغرب يبالغ في قلقه في شأن الصين وروسيا في أفريقيا، لافتاً إلى عدم وجود استراتيجية منسقة بينهما، مؤكداً أن تركيز الولايات المتحدة على الصين يمنح جنوب أفريقيا نفوذاً وتأثيراً في واشنطن، وتابع أن الصين، في أحسن الأحوال يربطها بروسيا "تحالف سلبي بالوكالة"، بل إنه رأى "تعاوناً أكبر بين الولايات المتحدة والصين من حيث الوجود في أفريقيا بدلاً من التعاون بين روسيا والصين"، وخلص إلى أنه عل الرغم من أن بكين وموسكو ليستا شريكتين في أفريقيا، إلا أنهما لن تطعناً بعضهما بعضاً في الظهر خلال العقدين المقبلين.
هنا تبدو إثيوبيا مثالاً تطبيقياً للعلاقات الروسية - الصينية في أفريقيا، فبسبب الاحترام المتبادل بين بكين وموسكو، تتجنبان التدخل في مشاريع ومصالح الآخر، والنتيجة هي غياب التعاون والمنافسة بينهما، وتشير هذه الأوصاف إلى علاقة أقل من التحالف أو الشراكة الحقيقية، فلو كان كل منهما ينظر إلى الآخر كحليف حقيقي، لكانت أنشطتهما تعاونية أو تكاملية لا منفصلة، لكن ذلك لا يعني أنهما، من أجل مواجهة حلف الأطلسي، لا يمدان حبال التعاون النفعي الذرائعي، لا سيما بكين التي تضع في الاعتبار، أن انفراد واشنطن بالحضور في أفريقيا، مع صحوة أوروبية ممكنة، هو أمر يختصم من نفوذها الصاروخي الصاعد هناك، ولهذا ربما يكون السعي نحو تعاون موقت بينهما، وفي ملفات محددة بعينها، هو الخيار الأنسب في الوقت الحاضر، وإلى حين ظهور معطيات جديدة. وفي كل الأحوال يبقى القول السديد إن الطبقات الحضارية الكونفوشيوسية الصينية، والأرثوذكسية الروسية، طبقات لا ترتاح لبعضها البعض، لكنه تحالف الأعدقاء في أفضل الأحوال.
أفريقيا والنظام العالمي الجديد
ما الذي يتبقى قبل الانصراف؟ قطعاً البحث عن مستقبل القارة السمراء في ظل حال السيولة الجيواستراتيجية المسيطرة على العالم، والضعف الذي تتسم به النسبة الغالبة من دولها، لا سيما أن موازين القوى العالمية تتغير، فالذكاء الاصطناعي، وشركات التكنولوجيا الكبرى، وإعادة التوازن الاقتصادي بعيداً من الغرب، تعيد رسم خريطة العالم، في حين تقف أفريقيا عند مفترق طرق، ويواجهها تساؤل جوهري لا بد لشعوبها من الجواب عليه "هل ستحول أخيراً إمكاناتها الهائلة غير المستعملة إلى عمل تحويلي؟ أم ستبقى قارة ذات وعود لم تتحقق؟
المؤكد أن الجواب ربما يكون من الصعوبة بمكان، حيث تعيش أفريقيا في فترة اضطراب ناجمة عن تحولات طويلة الأمد في موازين القوى العالمية، وتعتبر الدول الأفريقية، باستثناء عدد قليل من الاقتصادات الكبرى، متلقية للقواعد وليست صانعة لها أو حتى مؤثرة فيها، ما يجعلها عرضة لتقلبات هذا العالم متعدد الأقطاب.
يتطلب النجاح في عالم متعدد الأقطاب اتباع نهج دقيق للغاية في السياسة الخارجية من جانب دول أفريقيا جنوب الصحراء، ويمكن استخلاص دروس قيمة من جنوب شرقي آسيا، غير أن الحقيقة المهمة والمؤكدة هي أن أفريقيا لن تقوم لدولها قائمة ما لم تعرف طريقها إلى المصالحات الذاتية البينية، داخل دولها أولاً، وعلى الصعيد العام ثانية. ولحسن الطالع، فإن هناك نماذج رائدة ورائعة، مثل رواندا، تلك التي اقتتل فيها التوتسي والهوتو، قبل ثلاثة عقود، طفت الجثث فوق مياه الأنهار، فيما اليوم وبعد الانتصار على الذات وشهوات السلطة، باتت نموذجاً رائداً في التنمية يتجاوز كثيراً من نماذج التنمية الآسيوية وربما الأوروبية، وهو ما يؤكد أن أفريقيا يمكنها أن تسابق كثراً حول العالم، لكن طرح القضايا المصيرية يبدأ من عند الذات، لا من الآخرين.