Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مصر على "السوشيال ميديا"... وجوه متناقضة لمجتمع واحد

اختلاف كبير بين محتوى كل منصة وجمهورها في المحتوى واللغة والتوجه وعدد المستخدمين ومحاولات من كل فئة لاستكشاف الطبقات الأخرى

"السوشيال ميديا" في مصر بمنصاتها المختلفة أصبحت وكأنها أكثر من بلد في هذا العالم الافتراضي (أ ف ب)

ملخص

"السوشيال ميديا" في مصر بمنصاتها المختلفة أصبحت وكأنها أكثر من مصر في هذا العالم الافتراضي تمثل جزراً منعزلة لكل منها قيم وجمهور ومعايير ولغة يحاول أفراد كل عالم بين حين وآخر اكتشاف العوالم الأخرى.

عوالم عدة وكأن كل منها منفصل عن الآخر تشهدها "السوشيال ميديا" في مصر، فبينما يعتبر "إكس" وجهة المثقفين المصريين والأكبر سناً، نجد عالم الجيل "زد" على "إنستغرام" و"تيك توك"، فيما يقف "فيسبوك" في منطقة وسط بين الجميع.

بين حين وآخر يثور حدث أو أزمة تدفع أفراد كل مجتمع إلى استكشاف واحد من عوالم "السوشيال ميديا" الأخرى، فمرة يكتب أحد المثقفين رأياً على "إكس" لينتقل إلى "فيسبوك" حيث ملتقى المعارك والرأي والرأي الآخر بحثاً عن التريند، وفي مواسم معينة يضج "إنستغرام" بالصور للشواطئ والحفلات والمواقع الفاخرة ليثير حفيظة بعض المتابعين، باعتبار أنه يمثل عالماً بعيد المنال بالنسبة إلى كثير من المصريين الذين ترهقهم الظروف الاقتصادية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي الأعوام الأخيرة أصبح عالم "تيك توك" مثار جدل كبير في مصر، باعتباره يقدم مجتمعاً غير مألوف للمصريين لا يملك أفراده أي مقومات لأي شيء لا فنية ولا علمية، ويحققون أرباحاً طائلة من الفراغ، ليثيروا أكثر من أزمة في الفترة الأخيرة تارة بالقبض على بعض التيكتوكرز بتهم تتعلق بعدم الحفاظ على قيم الأسرة المصرية، وتارة عندما يثور حدث يشعل أزمة مثل زفاف فلان أو طلاق أم علان، أو تحد ومشاجرة بين اثنين من مشاهير عالم "التيك توك".

"السوشيال ميديا" في مصر بمنصاتها المختلفة أصبحت وكأنها أكثر من مصر في هذا العالم الافتراضي تمثل جزراً منعزلة لكل منها قيم وجمهور ومعايير ولغة يحاول أفراد كل عالم بين حين وآخر اكتشاف العوالم الأخرى، والتحدث بلغتهم، وأحياناً تبني قيمهم، مما ينتج منه مشهد مرتبك ذو سياقات مختلفة لا يقدم حالاً تمثل المجتمع بكامله، وتجعل المتابع منصة واحدة لا يدرك الواقع على بقية المنصات.

السوشيال مرآة الطبقات 

طبقاً لإحصاء صادر عن شركة "ميتا" فقد وصل عدد مستخدمي "فيسبوك" في مصر إلى نحو 48.7 مليون حساب عام 2025، بينما "إنستغرام" نحو 20 مليون مستخدم، وطبقاً لمنصة "إكس" فإن عدد المستخدمين في مصر عام 2025 وصل إلى 5.2 مليون حساب، وهي الأقل انتشاراً في البلاد، وقد انخفض عدد مستخدميها في العام الأخير بنحو 600 ألف.

أما في ما يتعلق بـ"التيك توك" فمستخدموه في مصر يصل عددهم إلى ما يقارب 41.3 مليون حساب في أوائل عام 2025، وقد ارتفع هذا العدد بصورة كبيرة، إذ كان 32.9 مليون عام 2024، لتصبح مصر في المركز الـ11 عالمياً في ما يتعلق بعدد مستخدمي "التيك توك".

الأرقام السابقة تعطي مؤشراً إلى ضخامة أعداد المصريين على مواقع التواصل الاجتماعي، فبعض المنصات يصل عدد مستخدميها إلى ما يفوق تعداد دول كاملة، وينعكس هذا في الحضور والتأثير في هذه المنصات، وفي فرض التأثير والثقافة والقيم على المجتمع، فتأثير المنصة ذات الـ5 ملايين مشترك لن يكون مثل تأثير المنصة التي يقترب مستخدموها من 50 مليون مشترك، أي ما يقترب من نصف عدد المصريين.

 

وفق رؤية أستاذ مناهج علم الاجتماع عزة فتحي، "مصر بلد متعدد الطبقات وحتى الطبقة الواحدة بها مستويات عدة، الطبقة المتوسطة مثلاً تراوح ما بين المتوسطة العليا والدنيا، لكن كل طبقة تجمعها ثقافة عامة، ففي العصر الحالي من الطبيعي أن تعكس ’السوشيال ميديا‘ هذا الاختلاف، وهذا شيء لا تختص به مصر وحدها، لكنه يوجد في كثير من المجتمعات، المجتمع الأميركي على سبيل المثال به تفاوت كبير ما بين الطبقات والثقافات، ما أحدثته ’السوشيال ميديا‘ هو أنها أصبحت مكاناً يجمع كل الطبقات من دون حواجز حتى لو كان بصورة افتراضية، فبعدما كان لكل طبقة عالمها الخاص المغلق عليها أصبحت تشاهد أدق تفاصيل حياة الطبقات الأخرى التي كانت عالماً غير معروف بالنسبة إليها".

وتضيف فتحي، "أحدث هذا تحولاً خطراً، فالطبقات الدنيا أصبحت تحاول تقليد الأغنياء، بمحاولة الوجود في أماكنهم حتى لو لمجرد التقاط بعض الصور ونشرها على ’إنستغرام‘ في محاولة للاستعراض وللإشارة لأنه يذهب لهذه الأماكن، ويوجد في مناطق الطبقة العليا حتى لو من الخارج، والطبقات الأعلى اكتشفت أن هناك عالماً آخر في البلاد يشاهدونه على ’التيك توك‘ أبطاله قادمون من قاع المجتمع، لكنهم يمتلكون ثروات طائلة من وراء أسلوبهم ومجرد ظهورهم في لايف من دون أي مهارة أو هدف".

وتتابع أستاذ مناهج علم الاجتماع، "اتجه بعض المستخدمين إلى الاندماج مع هذا العالم طمعاً في الربح، واستغلالاً للمشاهدات الضخمة، والأرباح الطائلة من دون أي مجهود، نلاحظ هذا في حال الفنانين المشاهير الذين من المفترض أنهم في وضع مرتفع، لكنهم قاموا بهذا الفعل، وظهروا على ’التيك توك‘ سواء على حسابات خاصة بهم استهدفوا من خلالها تحقيق الربح من المشاهدات والهدايا أو بصحبة مشاهير ’التيك توك‘ أنفسهم في مزيج غريب وغير مفهوم".

تحولات المصريين مع السوشيال ميديا

مع بداية ظهور "السوشيال ميديا" في مصر بحلول النصف الثاني من العقد الأول من الألفية الثالثة كانت بالفعل مواقع للتواصل الاجتماعي الهدف الرئيس منها هو التواصل مع الأصدقاء بصورة مستمرة، وكان محتواها لا يتجاوز المعلومات البسيطة ومشاركة الاهتمامات، وكان السائد وقتها منصتي "فيسبوك" و"تويتر" الذي تحول لاحقاً إلى "إكس"، لاحقاً بعد عام 2010 ظهر "إنستغرام"، لكنه لم يكن له الشهرة نفسها والانتشار نفسه باعتبار أن جودة التصوير في الهواتف حينها كانت محدودة، ولم تكن الهواتف الذكية بهذا الانتشار حينها.

يمكن القول إن تطور وسائل التواصل الاجتماعي في مصر مر بمرحلتين الأولى هي إبان ثورة يناير (كانون الثاني) 2011، إذ أصبحت منصات رئيسة لمشاركة الأحداث والتطورات ووجهات النظر، ولاحقاً تحولت إلى ساحة افتراضية للاشتباكات بين مؤيدي الثورة ورافضيها وداعمي "الإخوان" وكارهيهم، وأنصار مبارك والثائرين عليه، شكل هذا تحولاً نوعياً كبيراً في الهدف الذي يستخدم فيه المصريون هذه المنصات.

التحول الثاني جاء مع جائحة كورونا وفترة العزلة الإجبارية التي فرضت على الناس، وهنا كانت الانطلاقة الكبرى لـ"تيك توك" الذي على رغم إطلاق الصين له عام 2017 فإن انتشاره الفعلي في مصر كان خلال 2020 بقيام الناس بعمل بعض الفيديوهات الترفيهية خلال فترة الحجر الصحي، ليشهد تحولاً كبيراً باكتشاف بعضهم إمكان تحقيق أرباح مادية ضخمة من خلاله، بخاصة أن خوارزمياته تعمل على رفع أي محتوي يحقق مشاهدة بصورة كبيرة مهما كان نوعه وبصورة أبسط من بقية المنصات.

 

استغل بعضهم هذا الأمر لتحقيق المكاسب أياً كانت الوسيلة، وبدأ ظهور مجتمع التيكتوكرز الذي صار مثار أزمات متلاحقة في مصر خلال الأعوام الأخيرة، وصل بعض منها إلى ساحات القضاء، لتكون واحدة من الأزمات حالياً هي أن بعض هؤلاء الأشخاص أصبح لهم ملايين المتابعين، بخاصة من المراهقين والشباب الذين يعتبرون أنهم مثال للنجاح بعدد المشاهدات وبالأموال الطائلة التي يحصلون عليها من دون أي مجهود.

أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر محمد حمودة يقول "يوجد في المخ نوع من الخلايا يعرف بالخلايا المرآتية، وهي مسؤولة عن فكرة التعلم بالمحاكاة، فشخصياتنا تتكون من خلال محاكاة الأشخاص المحيطة مثلما كان الناس دائماً تتكون شخصياتهم من خلال التأثر بالأب أو الأم أو أحد أفراد العائلة، وأحياناً الكاتب أو الفنان المفضل، حالياً تكوين الشخصية والقدوة بدأ يختلف فأصبحت ’السوشيال ميديا‘ لها حضور طاغ وتأثير كبير في الناس، ولا يمكن إغفال فكرة الثراء السريع والمشاهدات التي أصبحت هدف أياً كان الثمن، فالمجتمع أصبح مادياً في المقام الأول والمكسب أصبح أهم من الأخلاق والقيم والعادات، فأصبحت القدوة مرتبطة بالمادة لا بالفكر".

يضيف حمودة، "العالم حالياً تحكمه المادة، وحالياً أصحاب رؤوس المال هم من يسيطرون عليه، مثل نموذج إيلون ماسك على سبيل المثال، وتأثيره في عالم السياسة، فالعالم حالياً يقوده المال، وأصبح هذا مفهوماً واضحاً عند الأجيال الجديدة، فالمراهقون من أبناء الطبقة المتوسطة والعليا يرغبون في عمل فيديوهات تحقق ربحاً سريعاً مثل مصر التي على (التيك توك)، وليس الدراسة والاجتهاد للعمل في مهنة وقورة مثل مصر على منصة (إكس)".

الترقي الطبقي افتراضياً

القيم السائدة في مجتمع ما خلال فترة معينة تكون نتاجاً لعوامل عدة من بينها الوعي، ونماذج القدوة التي تقدم للناس، بخاصة الأجيال الجديدة، بحيث يكون هناك سياق عام سائد بين غالب قطاعات المجتمع، لكن ما يحدث حالياً على "السوشيال ميديا" في مصر التي تعكس أكثر من عالم هو أن النموذج القادر على الاكتساح وعلى الوجود بكثافة وعلى تصدر التريند غالباً هو من سيفرض قيمه وأفكاره ولغته، وكثيراً ما ينتقل من السوشيال الميديا" إلى وسائط أخرى، مثل قيام أعمال درامية بالتعبير عن قصصهم ومجتمعهم مثل مسلسل "أعلى نسبة مشاهدة"، الذي قدم منذ نحو عامين وقدم قصة فتيات "التيك توك" اللاتي جرى القبض عليهن بتهمة القيام بأعمال غير أخلاقية أو فيلم تامر حسني "ريستارت"، الذي يعكس استغلال "السوشيال ميديا" في محاولة الثراء السريع، في بعض الأحيان انتقل بعض مؤثري "السوشيال ميديا" لعالم التمثيل فانتقلوا لقطاع من الجمهور لم تسمع عنهم من قبل على رغم شهرتهم على "السوشيال ميديا".

الترقي الطبقي عبر العالم الحقيقي وأيضاً عبر "السوشيال ميديا" أصبح هدفاً، فبينما يسعى بعض القادمين من طبقات دنيا إلى الارتقاء بمكان سكنهم أو نوعية سياراتهم الناتجة من أرباحهم على "التيك توك" يحاولون تقديم وجه جديد لهم على منصات أخرى مثل "إنستغرام" يتضمن صوراً لهم في أرقى الأماكن والمنتجعات أو وهم يرتدون ملابس من أغلى الماركات أو وهم بصحبة مشاهير من هذا المجتمع كمحاولة منهم لإظهار أنهم انتقلوا طبقياً ورقمياً من مصر إلى "إيجيبت"، والعكس صحيح، فبعض الأشخاص ذوي الصفحات الجادة ذات المحتوى على منصات "إكس" و"فيسبوك" انتقلوا في الفترة الأخيرة لتقديم فيديوهات على "تيك توك" في محاولة للوجود في هذا العالم ومخاطبة جمهوره، بخاصة من الأصغر سناً.

 

وفق رؤية أستاذ مناهج علم الاجتماع عزة فتحي، "الجيل ’زد‘ الذي أصبح الآن يمثل قاعدة كبيرة في المجتمع هو جيل التكنولوجيا هي أساس حياته، وهو جمهور أساس لمحتوى ’السوشيال ميديا‘، وهو من اخترع مصطلحات مصر و’إيجيبت‘، وهو الجمهور الأساس لـ’السوشيال ميديا‘، ومعظمهم لا يستخدم منصات مثل ’فيسبوك‘، ولا ’إكس‘ التي تعتبر نخبوية نسبياً في مصر، وغالب تعاملهم على ’إنستغرام‘ و’تيك توك‘، لذا فهم من يصنعون قيمة للمحتوى المقدمين عليه، وهم من يقلدون سلوكيات وطريقة مقدميه، وهم السبب الرئيس في الأرباح الطائلة التي يحصلون عليها، وما يحدث حالياً هو أنه يجري تمرير قيم معينة، بحيث تصبح مقبولة في المجتمع، فمع كل تغير اجتماعي يحدث تجريف للقيم إذا لم تكن راسخة، وإذا لم يتم مواجهتها بسبل مختلفة على رأسها التعليم".فيما يضيف أستاذ الطب النفسي محمد حمودة "’السوشيال ميديا‘ جعلت أصحاب المستوى الاجتماعي الأقل يحاولون خلق عالم شبيه بعالم الأغنياء سواء في الشخصيات مثل أشباه الفنانين الذين أصبحوا ظاهرة ملحوظة، أو حتى في الأماكن التي يحاولون محاكاتها لتشبه عالم الأغنياء".

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات