Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المصريون و"الفكة"... صراع الحق في الفتات

ضرورية لتسيير المعاملات اليومية وقلتها تسبب مشاحنات بين المواطنين والدفع الإلكتروني ليس دائماً الحل

باعتبار أن المجتمع المصري متفاوت ومتعدد الطبقات، فمفهوم "الفكة" ذاته يختلف من شريحة إلى أخرى (اندبندنت عربية)

ملخص

مع كل أزمة تثار فيها قصة "الفكة" في مصر، تخرج اقتراحات من بينها إيجاد صيغة تجعل كلفة سك العملة أقل، أو استحداث عملات بفئات أكبر مثل جنيهين أو ثلاثة جنيهات كوسيلة للمساعدة في حل الأزمة مع كلفة أقل، إضافة إلى تشجيع الناس على اعتماد الدفع الرقمي.

لأكثر من مرة تثور أزمات في مصر بسبب نقص "الفكة" وما يترتب عليه من مشاحنات بين البائعين والمشترين أو في وسائل المواصلات المختلفة، فالبحث عن جنيه أو نصف جنيه قد يترتب عليه تكدس وطوابير واشتباكات، بخاصة مع تكرار الموقف وتمسك الناس بالحصول على بقية حقهم في صورة نقدية.

في الفترة الأخيرة أثيرت أزمة ناتجة من تصريح لرئيس مجلس إدارة هيئة مترو الأنفاق بالقاهرة، مفاده أن هناك اتجاهاً لرفع قيمة تذكرة المترو للفئة الأولى من 8 إلى 10 جنيهات (الدولار يساوي 47.5 جنيه) نتيجة عدم توافر "الفكة"، إذ يحتاج كل شخص إلى جنيهين في حال دفعه 10 جنيهات، وهي الحال الغالبة، مما ينتج منه طبقاً لرئيس هيئة المترو الحاجة إلى 300 ألف جنيه يومياً في صورة جنيهات فكة، إذ تقدر وزارة النقل المصرية عدد مستخدمي المترو يومياً بنحو 4.5 مليون راكب.

لاحقاً تم الإعلان عن أنه جرى التنسيق مع وزارة المالية لتوفير العملات المعدنية اللازمة للتعامل اليومي مع المواطنين عند الحصول على تذاكر خطوط مترو الأنفاق الثلاثة، وأنه تم حل الأزمة التي أثارت جدلاً بين الناس لأيام عدة باعتبار أن الزيادة المقترحة كانت تصل إلى نحو 20 في المئة من قيمة التذكرة، وكان ستتبعها بشكل كبير زيادة أخرى لبقية أنواع المواصلات.

كلفة سك العملة

طبقاً لبيان سابق صادر عن البنك المركزي، فإن كلفة طباعة الجنيه الورقي تصل تقريباً إلى نصف كلفة سك العملة المعدنية، ولكن الجنيه المعدني تكون فترة صلاحيته أطول، وهو أكثر استدامة، ومن ثم أفضل من الناحية الاقتصادية.

ومع كل أزمة تثار فيها قصة "الفكة" فإن اقتراحات عدة تثور، من بينها إيجاد صيغة تجعل كلفة سك العملة أقل سواء في نوعية الخامة أو قيمتها، فبعض الاقتراحات دعت إلى استحداث عملات بفئات أكبر مثل جنيهين أو ثلاثة جنيهات باعتبار أنها يمكن أن تساعد في حل الأزمة مع كلفة أقل، بينما دعا آخرون إلى تشجيع الناس على اعتماد الدفع الرقمي بكروت "الفيزا" وغيرها من التطبيقات، إلا أن السياقات التي تثور فيها أزمات ومشاحنات بسبب "الفكة" غالباً لا يصلح معها هذا الأمر، مثل سيارات الأجرة والبائعين في الأسواق الشعبية وأفران الخبز وغيرها من الأماكن التي تبيع سلعاً محدودة السعر.

 

على مدى الأعوام كان للمصريين كعادتهم ابتكارات لمواجهة نقص "الفكة"، فأصبح شكلاً من أشكال العرف أن يضع بعض البائعين بجوار الكاشير صندوقاً مملوءاً بقطع الحلوى أو اللبان أو أمشاط الكبريت أو علب المناديل أو غيرها من السلع المنخفضة الثمن بحسب طبيعة المتاجر، لمواجهة أزمات "الفكة" أحياناً أو لإجبار الناس على الأخذ منها وعدم تكبد عناء البحث عن "الفكة" من الأساس.

تقول نادية حسين (ربة منزل)، "بعض المتاجر لا تكلف نفسها عناء البحث عن "الفكة" وتتعامل باعتبار أنه وضع إجباري، فمحال البقالة تضع قطع الحلوى الصغيرة وأكياس الفانيليا والملح، وإجبارياً إذا تبقى أقل من خمسة جنيهات تضع شيئاً منها، وبعض محال الخضراوات تلقائياً تحل الأزمة بوضع ثمرتين إضافيتين من الخضار أو الليمون أو حزمة من البقدونس، وإذا طالبت بالبقية نقوداً يكون الرد قاطعاً بأنه لا توجد فكة، وبعضهم لا يكلف نفسه فعل أي شيء إذا كان المبلغ بسيطاً مثل جنيه واحد ويعتبر أن الأمر منتهٍ، وحينما أتوجه للتسوق بصورة أسبوعية يمكن أن يضيع نحو أكثر من 10 جنيهات قد يرى بعض الناس أنها مبلغ بسيط، ولكنه يؤخذ من دون وجه حق، بخاصة أنه أمر متكرر وليس عارضاً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

توضح سارة السيد، وهي مدرسة بإحدى المدارس الابتدائية "(لا توجد فكة) أصبحت هذه الجملة شعاراً نسمعه بصورة يومية في المواصلات والمحال، وكل مكان يضع بدائل، فالبضائع الرخيصة في السوبر ماركت، والبلاستر وأكياس الشامبو في الصيدليات، وهكذا"، مضيفة "أعاني هذه المشكلة في المواصلات بصورة يومية، والأزمة هنا أن مفهوم ’الفكة‘ وقيمتها آخذ في الزيادة، فبعدما كانت سابقاً هي نصف الجنيه والجنيه أصبحت حالياً تصل إلى خمسة أو 10 جنيهات، فكلما ارتفع سعر البضائع وكان المحل بمستوى أعلى زاد تعريف قيمة ’الفكة‘".

مشكلة الحكومة لا المواطن

"الفكة" هي شيء متعارف عليه في العالم كله، فكل العملات بها وحدات صغيرة تستخدم في التعاملات اليومية، وهذه العملات المعدنية الصغيرة وإن بدت قيمتها الفعلية محدودة فبجمعها تكون ذات قيم كبيرة، والمصريون بصورة عامة دائمو الحرص عليها، فـ"القرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود" كما يقول المثل الشعبي.

الدولة نفسها تدرك قيمة الجنيه وتحرص عليه في تعاملاتها، فمنذ أعوام تبنت مصر مشروعاً تحت اسم "صبح على مصر بجنيه" لدفع الناس إلى التبرع بجنيه يومياً عبر إرسال رسالة قصيرة بالموبايل، انطلاقاً من أنه بهذه الوسيلة يمكن جمع ملايين الجنيهات لصالح المشاريع القومية المختلفة، فالعملة وإن كانت قيمتها بسيطة تشكل فارقاً في موازنات الدول، فما بالنا بالأفراد.

وعلى رغم أنه بين حين وآخر يتم الإعلان عن طرح البنك المركزي كميات كبيرة من "الفكة" لمواكبة الاحتياج المتزايد، فإن الأزمة لا تزال تثار بين الحين والآخر وتدفع إلى البحث عن حلول لمواجهة المشكلات التي تشتعل بسبب عدم توافرها، وتأثير ذلك في الجانب الاقتصادي والاجتماعي على السواء.

 

من منظور أستاذ اقتصاديات التمويل بجامعة القاهرة، حسن الصادي فإن "أزمة ’الفكة‘ التي تثور بين حين وآخر هي مشكلة الدولة وليست مسؤولية المواطن، فهو غير مطلوب منه أن يبحث عن حلول ولا يمكنه ذلك، مما يحدث من عدم رد ’الفكة‘ في وسائل المواصلات والمتاجر هو هامش ربح إضافي يتم الحصول عليه من دون أي مجهود، وبنهاية اليوم أو بنهاية الشهر سيمثل رقماً كبيراً يتم الحصول عليه بلا وجه حق، وهنا جزء من المشكلة يكون في التسعير ذاته، الذي يخلق جزءاً من هذه الأزمة بصورة أو بأخرى، ولا بد من أن يكون هناك تدخل من المشرع يفرض عقوبة على هذا الوضع، لأن العملة الوطنية تمثل الدولة، ولا بد من احترامها وعدم الاستهتار بها، بداية من عدم إعطاء الناس الجنيهات ’الفكة‘ المتبقية لهم، مروراً بالكتابة عليها وغير ذلك من أشكال الاستهانة بالعملة".

ويضيف الصادي "تمسك الناس بالحصول على بقية ’الفكة‘ سيدفع الدولة إلى البحث عن حلول، وهذا ما يجب أن يحدث، وفي ما يتعلق بمشكلة المترو المثارة أخيراً فهناك أكثر من حل، من بينها اعتماد فكرة الكروت التي تشحن بقيمة محددة، وتقديم مزايا للحصول عليها، وهذا سيمثل حلاً مثالياً لكل من أزمة ’الفكة‘ والتكدس لقطع التذاكر في المحطات، كذلك يمكن اعتماد مقترح آخر بتوفير تذكرة ذهاب وعودة بسعر 15 جنيهاً (أقل من نصف دولار)، فأغلب المتعاملين مع المترو يستخدمونه بصورة يومية، في الوقت نفسه لا بد من أن تبحث الدولة عن مادة خام بسعر أقل لتوفير كميات إضافية من ’الفكة‘ إذا كانت الكلفة هي العائق".

من منظور التجار

بعض أصحاب المحال التجارية يسعى إلى الحصول على "الفكة" بطرق متنوعة، مثل جمعها من الفئات التي يمكن أن تتوافر معها مثل عمال البنزينات والدليفري، وبعضهم اعتمد ابتكارات المصريين مثل إعطاء المتبقي في حال كان جنيهاً أو اثنين على صورة قطعة حلوى أو لبان، وآخرون يكتفون بتصدير المشكلة للمشترين رافعين شعار "لا توجد فكة"، فيما تبنت بعض متاجر السوبر ماركت الكبرى مبادرات مثل التبرع بالبقية لصالح الجمعيات الخيرية.

 

يقول أحمد سيد، صاحب أحد محلات السوبر ماركت بمنطقة الجيزة "لمواجهة عدم توافر ’الفكة‘ حاولت تشجيع الناس على الدفع بالفيزا أو بتطبيقات الدفع المختلفة عبر تقديم خمسة في المئة خصماً على قيمة المشتريات لمواجهة أزمة ’الفكة‘، بعضهم يستجيب ويرحب باعتبار أن الفائدة مشتركة للطرفين، ولكن لا يزال هناك قطاع كبير من المصريين يفضل التعامل بـ’الكاش‘، نعانى بشكل كبير عدم توافر ’الفكة‘، وبالفعل حصول المشتري على البقية حتى لو كانت جنيهاً أو اثنين هو حقه، وأحياناً نرسل أحد العاملين للحصول على فكة من أحد المتاجر المجاورة، وقد يستغرق الأمر وقتاً مما يثير استياء الزبائن، ولكن الأزمة تكون للبائع والمشتري على السواء".

ويوضح محمد رجب، صاحب إحدى المكتبات "يقع متجري بجوار مدرسة، وأغلب زبائني من الطلاب الذين يشترون دفتراً أو قلماً أو يقومون بتصوير بعض الأوراق، وكلها معاملات بسيطة بمبالغ محدودة، لهذا أعاني بشكل دائم أزمة ’الفكة‘ في طريقي إلى العمل، حيث أستقل يومياً (ميكروباص) بقيمة ستة جنيهات للأجرة، وخلال ذهابي وعودتي يومياً تحدث مشاحنات بين الركاب للحصول على البقية، وهي بالفعل أزمة، فأي جنيه زيادة سيمثل ضغطاً على الناس نتيجة غلاء الأسعار وموازنات الأسر التي لا تحتمل، بخاصة في حال وجود أكثر من شخص يستخدم المواصلات بصورة يومية".

باعتبار أن المجتمع المصري متفاوت ومتعدد الطبقات، فمفهوم "الفكة" ذاته يختلف من طبقة إلى أخرى، فبينما تمثل عند عموم الناس العملات الصغيرة من فئة الجنيه أو نصف الجنيه، فإنها عند الأغنياء وذوي الملايين تتمثل في بضعة آلاف أو حتى عشرات الآلاف.

وفي زمن سابق كانت "الفكة" هي القرش والمليم، ثم تحولت لاحقاً إلى الخمسة والعشرة قروش وربع الجنيه، وحالياً هذه العملات وإن لم يتم إلغاؤها رسمياً فإنها لم يعد لها وجود في تعاملات المصريين ولا في تسعير المنتجات من الأساس، إذ تحولت "الفكة" إلى جنيه ونصف الجنيه وحتى خمسة جنيهات، ومهما اختلفت قيمتها تبقى "الفكة" وسيلة تسيير معاملات الناس اليومية البسيطة، ويبقى حضورها مهما كانت قيمتها أساساً في الحياة.

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات