ملخص
إلى جانب "داعش"، تقوم جماعات أخرى مثل "جبهة تحرير أزواد" المتمردة شمال مالي باستخدام الطائرات المسيرة، وهي خطوة يرى كثر أنها تشكل منعرجاً جديداً في مسار النزاعات التي تعرفها المنطقة.
كشف إعلان السلطات في النيجر عن أن استخدام تنظيم "داعش" الطائرات المسيرة في هجومه الأخير على نيامي تحول غير مسبوق في الصراع المسلح الذي تشهده منطقة الساحل الأفريقي مع نجاح الجماعات المسلحة في الحصول على هذا النوع من الطائرات.
واستهدف الهجوم مطار ديوري هاماني الواقع في نيامي، وعلى رغم أن السلطات أعلنت التصدي له فإنه خلف دماراً هائلاً عرى حجم الهشاشة الأمنية في البلاد شأنها في ذلك شأن بقية دول الساحل حيث شهدت العاصمة المالية، باماكو، هجوماً مماثلاً قبل نحو 14 شهراً.
وكانت صحيفة "لو موند" الفرنسية قد اعتبرت أن سقوط المسيرات بيد الجماعات الإرهابية في الساحل الأفريقي، وسط عجز السلطات على احتواء هذا التهديد المتطور، يشكل تصعيداً غير مسبوق.
طائرات مدنية تم تطويرها
وفي وقت تصنف فيه المنطقة كـ"بؤرة حقيقية" للإرهاب في العالم، أضافت "لو موند": "في عمق الصحراء الكبرى في الساحل الأفريقي، ومع تزايد هشاشة الجبهات العسكرية، تظهر طائرات من دون طيار صغيرة لكنها فعالة، تحلق فوق قواعد الجيش، لا للاستطلاع فحسب، بل لإسقاط الموت من السماء".
وتتعاظم مكانة الطائرات المسيرة في الساحل الأفريقي بالنظر إلى كثير من العوامل على غرار كلفتها المنخفضة، وقدرتها على ضرب أهداف دقيقة سواء عسكرية أو مدنية.
في السياق اعتبر الباحث الأمني المتخصص في الشؤون الأفريقية أكرم خريف أن "الطائرات المسيرة التي يستخدمها تنظيم ’داعش‘ - ولاية غرب أفريقيا، وغيره من الجماعات المسلحة، مستوردة، غالب الظن، من أسواق دولية، وهي طائرات مدنية لكن يتم تطويرها محلياً لتصبح عسكرية وموجهة لضربات دقيقة من خلال إضافة حمولة متفجرة"، وتابع خريف أن "من الصعب تحديد المكان أو الطريقة التي تأتي بها هذه الجماعات بالطائرات المسيرة، لكن هذا التطور خطر، وللأسف سنرى رهاناً كبيراً عليها في المرحلة المقبلة، لأن الحصول عليها سهل خصوصاً في النيجر المجاورة لليبيا وفي ظل هشاشة الحدود".
خيارات صعبة
وتخضع دول مالي والنيجر وبوركينا فاسو لحكم مجالس عسكرية أفرزتها انقلابات، وقد تعهد قادة هذه المجالس باستعادة الأمن والاستقرار وتحجيم نفوذ الجماعات المسلحة، لكن مساعيها تواجه انتكاسات حقيقية مع محاصرة "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" العاصمة باماكو، ومواصلة الجماعات المسلحة زحفها في بوركينا فاسو والنيجر.
ورأى الباحث السياسي محمد تورشين أن "التطورات التي يشهدها الساحل الأفريقي متسارعة، وهذا التطور يعني أن ’داعش‘ لديه القدرة على تهديد أمن واستقرار المنطقة، وبحيرة تشاد، باعتبار أن هذه القدرات تمكنه من استهداف دول لا تملك منظومة دفاع جوي متطورة"، وتابع تورشين في تصريح خاص أن "هذا الهجوم يطرح أكثر من سؤال حول قدرة دول الساحل الأفريقي على تأمين سيادتها الجوية والتصدي لمثل هذه العمليات الدقيقة، وسيجعل الدول أمام خيارات عسكرية صعبة خصوصاً أن هذه الدول تعاني عزلة سببها القيود التي فرضت عليها بعد موجة الانقلابات العسكرية التي عرفتها في وقت سابق".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مسار عسكري مختلف
وزاد امتناع السلطات الانتقالية في النيجر عن الكشف حول كيفية حصول مسلحي "داعش" عن هذه الطائرات المسيرة من التساؤلات، فضلاً عن التداعيات على الأمن والاستقرار في منطقة تشهد حركات تمرد مكثفة ونشاطاً للجماعات المتشددة.
وقال تورشين إن هذه الجماعات لا تستخدم طائرات مسيرة كتلك الحديثة التي تستخدمها جيوش أجنبية "بل يلجأ ’داعش‘ والتنظيمات الأخرى إلى طائرات بسيطة كانت موجهة أساساً إلى التصوير والرش الزراعي، ويتم تطويرها بحمل عبوات ناسفة ومواد متفجرة، ومن ثم إمكان الحصول على الطائرات المسيرة أمر وارد جداً وممكن"، وزاد أيضاً "في تقديري هذا يعكس اختيار ’داعش‘ مساراً عسكرياً مختلفاً عن المسار الذي تسلكه جماعات مثل ’نصرة الإسلام والمسلمين‘ المرتبطة بتنظيم ’القاعدة‘ الإرهابي، إذ يشن ’داعش‘ هجمات خاطفة وضحاياها مرتفعة للغاية".
سباق محموم
إلى جانب "داعش" تقوم جماعات أخرى مثل "جبهة تحرير أزواد" المتمردة شمال مالي باستخدام الطائرات المسيرة، وهي خطوة يرى كثر أنها تشكل منعرجاً جديداً في مسار النزاعات التي تعرفها المنطقة.
وقال الباحث السياسي النيجري محمد أوال إن "ما حدث في نيامي يشكل منعرجاً حقيقياً ينذر بتفاقم الأزمة الأمنية، مما يرسم بالفعل مستقبلاً يلفه كثير من الغموض للمنطقة خصوصاً أن هذه الطائرات لا تملكها فقط الجماعات المسلحة بل الجيوش أيضاً"، وأوضح أوال أن "الاستخدام المكثف لهذه الطائرات يقود في كثير من الأحيان إلى خسائر فادحة في صفوف المدنيين سواء في مالي أو النيجر أو بوركينا فاسو، مما يدفع نحو كلفة إنسانية باهظة لهذه المعدات العسكرية الحديثة، وما يزيد من الأخطار سهولة حصول الجماعات المسلحة عليها"، وشدد على أن "السلطات الأمنية والعسكرية عاجزة عن تطويق هذه المشكلة مما يزيد من تعقيد المشهد الأمني، والمخاوف من انفلات الوضع تبدو مشروعة لا سيما في ظل جرأة تنظيمات مثل ’داعش‘ أو ’جبهة تحرير ماسينا‘ أو غيرهما في استخدام الطائرات المسيرة".