ملخص
وُضعت أسس الهيمنة الصينية على المعادن الأرضية النادرة في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، عندما صنفتها بكين كصناعة استراتيجية، ودعمت التعدين المحلي بتوفير الكهرباء الرخيصة، والتمويل الميسّر، والحد الأدنى من القيود البيئية. واكتسبت الشركات الصينية الخبرة الفنية من خلال مشاريع مشتركة مع شركات غربية، وفي بعض الحالات، من خلال عمليات استحواذ سرية.
على مدى الـ20 عاماً الماضية، انتقلت المعادن الأرضية النادرة، وهي مجموعة من 17 عنصراً، لتكون محوراً للتنافس الاستراتيجي العالمي، ذلك أن أهميتها لا تنبع من خصائصها الكيماوية الفريدة التي تجعلها أساسية للمغناطيسات والبطاريات والإلكترونيات العالية الأداء وحسب، بل أيضاً من سلسلة توريد عالمية معقدة ومتمركزة بشدة، تتطلب تقنيات متطورة، وتواجه تحديات بيئية كبيرة. وتتمتع الدول التي تسيطر على عمليات الاستخراج والمعالجة والتصنيع لهذه المعادن بنفوذ هائل، بينما تواجه الدول التي تعتمد على الواردات نقاط ضعف كبيرة.
من نواحٍ عدة، أصبحت المعادن الأرضية النادرة في القرن الـ 21 متجذرة بعمق في الأمن القومي والصناعة العسكرية وهذا ما يفسر التنافس الشديد بين الولايات المتحدة والصين عليها. وتتطلب هذه المعادن تكنولوجيا متخصصة، وقدرات صناعية متطورة، وحوكمة رشيدة لإدارة آثارها البيئية. لذا، فإن الاستقلالية الاستراتيجية في هذا القطاع لا تقتصر على مجرد وجود المعادن في باطن الأرض، بل تعتمد على القدرة على تكريرها وتصنيعها ودعم بنية تحتية صناعية معقدة على مدى عقود.
الهيمنة الصينية
لم تأتِ مكانة الصين الرائدة في صناعة المعادن الأرضية النادرة صدفة، إنما هي ثمرة استراتيجية مدروسة امتدت لعقود، تجسدت في تصميم بكين على ضمان سيطرتها على أهم سلاسل التوريد العالمية. وعلى رغم امتلاك الصين احتياطات هائلة من المعادن الأرضية النادرة، فإن ميزتها الحقيقية تكمن بامتلاكها الخبرة في معالجتها وتكريرها.
وُضعت أسس هذه الهيمنة في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، عندما صنفت بكين المعادن الأرضية النادرة كصناعة استراتيجية، ودعمت التعدين المحلي بتوفير الكهرباء الرخيصة، والتمويل الميسّر، والحد الأدنى من القيود البيئية. واكتسبت الشركات الصينية الخبرة الفنية من خلال مشاريع مشتركة مع شركات غربية، وفي بعض الحالات، من خلال عمليات استحواذ سرية. وبحلول مطلع الألفية الثانية، لم تصبح الصين أكبر منتج للمعادن الأرضية النادرة وحسب، بل أصبحت أيضاً المصنّع المهيمن عالمياً، إذ تسيطر على الغالبية العظمى من طاقة الفصل العالمية.
واليوم تسيطر الصين على سلاسل توريد هذه المعادن مما يضعها في قلب الإنتاج العالمي، والأهم من ذلك، في قلب التكرير. وتنتج الصين حالياً نحو 70 في المئة من إنتاج العالم من المعادن الأرضية النادرة، وتسيطر على 90 في المئة من طاقة الفصل، وتستحوذ على جميعها تقريباً.
أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة وحلفائها، فالأمور لا تزال معقدة، إذ تشير البحوث الصادرة عن مبادرة "أمن المناخ" وكلية "إليوت" بجامعة "جورج واشنطن" الأميركية، إلى أن افتتاح منجم جديد للمعادن الأرضية النادرة قد يستغرق قرابة 30 عاماً. وحتى عام 2024، لم يكن لدى الولايات المتحدة سوى منشأة تكرير واحدة عاملة تقع في تكساس تنتج 1.3 كيلوطن من سبيكة النيوديميوم والبراسيوديميوم، فيما لا يزال إنتاج المغناطيس على نطاق واسع في بداياته. في المقابل، أنتجت الصين ما يقارب 240 كيلوطن من مغناطيس النيوديميوم والحديد والبورون في 2023، ومن المتوقع أن يزداد هذا الرقم.
اعتماد الصين العسكري على المعادن الأرضية النادرة
تعتمد الصين بصورة كبيرة على المعادن الأرضية النادرة لتشغيل أسلحتها وأنظمة دفاعها المتطورة، وذلك في إطار سعيها إلى تنفيذ برنامج التحديث العسكري الأكثر طموحاً بين جميع الدول. وتعتمد الصواريخ الموجهة بدقة، بما في ذلك صاروخ "دي إف-21" قاتل حاملات الطائرات، على مغناطيسات النيوديميوم والديسبروسيوم والساماريوم-الكوبالت لتوجيهها والتحكم بها. وتستخدم أجهزة الاستشعار البصرية وأنظمة الاستهداف اللانثانوم والسيريوم، بينما تحتاج الطلاءات الشبحية ومصفوفات الاستشعار المتطورة على طائرات مثل "تشنغدو جيه-20" إلى الإيتريوم واليوروبيوم وغيرها من المعادن الأرضية النادرة لتعزيز قدرات الكشف والتصوير والعرض.
وينطبق النمط نفسه على نطاق أوسع من الأدوات العسكرية الصينية، إذ تعتمد منصات الرادار والحرب الإلكترونية، بما في ذلك أنظمة الدفاع الجوي على مغناطيسات المعادن الأرضية النادرة لتحريك الهوائيات بدقة، وعلى المعادن الأرضية النادرة القائمة على الفوسفور لشاشات العرض العالية الدقة الضرورية لفهم الوضع المحيط. وتستخدم الغواصات وحاملات الطائرات والطائرات من دون طيار مغناطيسات النيوديميوم والساماريوم-الكوبالت في محركات الدفع ومحركات السونار ومحركات الدوار، بينما تعتمد البطاريات المتطورة في الطائرات من دون طيار والصواريخ والمركبات تحت الماء على اللانثانوم والسيريوم والإيتريوم لتوفير طاقة موثوقة وعالية الكثافة في مختلف الظروف.
وعلى رغم هيمنة الصين على سلسلة توريد المعادن الأرضية النادرة العالمية فإن تحديثها العسكري لا يزال عرضة لانقطاعات في الوصول إلى هذه المعادن، فالمعادن الأرضية النادرة تشكل أساس الدقة والتخفي والأداء العالي لأحدث منصات الصين، مما يعني أن أي اضطراب في الإمداد قد يؤدي إلى عواقب استراتيجية وخيمة. ولذلك، تعمل بكين بجهد لتأمين هذه الموارد والحفاظ على هيمنتها في معالجة المعادن الأرضية النادرة.
نقاط الضعف الأميركية
على الضفة المقابلة يمثل الاعتماد على المعادن الأرضية النادرة الصينية بالنسبة إلى الولايات المتحدة نقطة ضعف بالغة الأهمية، ذات تداعيات بعيدة المدى على كل من المنافسة الاقتصادية والدفاع الوطني. ففي سبعينيات القرن الماضي وبداية ثمانينياته، كانت الولايات المتحدة رائدة عالمياً في إنتاج وتكرير المعادن الأرضية النادرة، حيث بلغ إنتاجها حوالى 15 ألف طن متري سنوياً. إلا أنه بحلول أواخر القرن الـ20، كاد الإنتاج المحلي أن يختفي تماماً، إذ جذبت الكلف المنخفضة واللوائح البيئية المتساهلة العمليات إلى الصين.
ومن وجهة نظر وزارة الدفاع الأميركية "البنتاغون"، لا تعد المعادن الأرضية النادرة إضافات اختيارية، بل هي عنصر أساس في القدرات العسكرية الأميركية الحديثة، إذ تشكل ركيزة التقنيات اللازمة للحفاظ على هيمنتها العسكرية وضمان عدم تفوق الصين عليها في القدرات. وتعتمد الأسلحة الموجهة بدقة، مثل صواريخ "جافلين" و"توماهوك" و"هيلفاير"، كما هي الحال في الصين، على مغناطيس النيوديميوم والديسبروسيوم في أنظمة توجيهها، بينما يحسّن اللانثانوم والسيريوم الأداء البصري. وتُدمج الطائرات الشبحية، بما فيها "إف-35 لايتنينغ 2" و"بي-2 سبيريت"، عناصر أرضية نادرة في مشغلاتها وطلاءاتها الماصة للرادار ومجموعات مستشعراتها، حيث يحسّن الإيتريوم واليوروبيوم وضوح الشاشة وحساسية الكشف.
وقد سعى صانعو السياسات في واشنطن أخيراً إلى إعادة بناء قطاع التعدين والتصنيع المحلي، ودعم تقنيات إعادة التدوير، وتعميق الشراكات مع الموردين الحلفاء، إلا أن التقدم لا يزال بطيئاً. فمع أن منجم "ماونتن باس" في كاليفورنيا ينتج الخام مجدداً، إلا أن عملية التصنيع وهي المرحلة الأكثر تحدياً من الناحية التقنية والأكثر أهمية من الناحية الاستراتيجية لا تزال تشكل عائقاً رئيساً. وقد أمضت الصين عقوداً في تطوير الأنظمة الكيماوية والصناعية اللازمة لتكرير المعادن الأرضية النادرة، مما منحها أسبقية هائلة.
وتواجه الولايات المتحدة عوائق هيكلية لا تواجهها الصين، تشمل لوائح بيئية صارمة، ومقاومة مجتمعية لمشاريع التعدين الجديدة، وقطاعاً خاصاً يركز على الأرباح الفورية بدلاً من الاستراتيجية الصناعية الطويلة الأجل. ولا شك أن هذه القيود تصعّب على واشنطن سد الفجوة، حتى مع ازدياد أهمية المعادن الأرضية النادرة للأمن القومي والاستقلال التكنولوجي.
وللتخفيف من هذه الأخطار، تبنت الولايات المتحدة استراتيجية التنويع الجغرافي، وعززت شراكاتها مع دول مثل كندا وأستراليا وماليزيا وكمبوديا واليابان. وتهدف هذه الشراكات إلى إنشاء سلاسل إمداد مرنة تدعم الصناعات الدفاعية والتكنولوجية المحلية، مع تقليل اعتمادها الاستراتيجي على الصين.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تصاعد وتيرة المنافسة على المعادن الأرضية النادرة
في عام 2025، كثفت كل من الولايات المتحدة والصين تنافسهما العالمي على سلاسل إمداد المعادن الأرضية النادرة باتخاذ إجراءات حاسمة. وهكذا أبرمت الإدارة الأميركية اتفاقات عدة لتوريد المعادن الأرضية النادرة مع شركاء في أستراليا وماليزيا وكمبوديا واليابان، وهي خطوات استراتيجية تهدف إلى الحد من هيمنة الصين على المعادن الحيوية. وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2025، توصلت الولايات المتحدة وتايلاند إلى اتفاق تعاون لتنويع مصادر إمداد المعادن الأرضية النادرة وتحفيز الاستثمار في هذا القطاع. وترسخ مبادرة مماثلة مع ماليزيا آليات لتبادل المعلومات حول المعادن الأرضية النادرة واستكشاف مشاريع تجارية ذات منفعة متبادلة.
من جانبها، أتمت شركة "شينغهي ريسورسز" الصينية صفقة استحواذ ضخمة في 2025، حيث اشترت شركة "بيك رير إيرثز" الأسترالية مقابل 150 مليون دولار. منحت هذه الصفقة شركة "شينغهي" ملكية كاملة لمشروع "نغوالا" للمعادن الأرضية النادرة في تنزانيا، أحد أغنى رواسب المعادن الأرضية النادرة في العالم.
وكشف رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ، خلال قمة مجموعة الـ20 الأخيرة، عن مبادرة الصين العالمية "للمعادن الخضراء"، وهي جهد أوسع يركز على التعاون في مجال المعادن الخضراء، بما في ذلك المعادن الأرضية النادرة. تضع هذه المبادرة الصين في طليعة شبكة سلاسل توريد المعادن النامية، والتي تضم دولاً غنية بالموارد، من بينها نيجيريا وزيمبابوي وتنزانيا وكمبوديا وميانمار، إضافة إلى منظمات دولية رئيسة.
لذا تستثمر الحكومات والشركات الغربية مبالغ طائلة لإعادة بناء سلاسل التوريد المحلية والحليفة، بينما تواصل الشركات الصينية توسعها في الخارج، مدمجةً مواردها الأولية لدعم شبكات المعالجة والتصنيع. وبخصوص النتائج المتوقعة قد يستغرق ظهور الفوائد المحتملة للاتفاقات الأميركية عقداً من الزمن، لذا من غير المرجح أن يخف الاعتماد على الصين في أي وقت قريب.
أهمية غرينلاند
ويرتبط ما نتحدث عنه هنا بالجدل الذي أشعلته إدارة ترمب حول غرينلاند، التي تضم بعضاً من أغنى احتياطات المعادن الأرضية النادرة في العالم، لا سيما في مناطقها الجنوبية والغربية، وأبرزها مشروع "كفانيفيلد". وتحوي رمال المنطقة الحاملة للمونازيت والصخور النارية القلوية على كميات هائلة من المعادن الأرضية النادرة الخفيفة والثقيلة. وتشير التقديرات إلى أن هذه الرواسب قد تغطي نحو ربع الطلب العالمي المتوقع من المعادن الحيوية كالنيوديميوم والديسبروسيوم.
وتؤثر قضايا السيادة والاستقلال الاقتصادي والنفوذ الخارجي في نهج غرينلاند في تطوير المعادن الأرضية النادرة، على رغم كونها جزءاً من الدنمارك. وقد أثار الاهتمام الصيني بمشاريع التعدين في غرينلاند مخاوف، لا سيما في واشنطن، مما دفع الولايات المتحدة إلى تعزيز العلاقات الدبلوماسية، بما في ذلك إعادة فتح قنصليتها لدى نوك في عام 2020، ومن ثم لاحقاً اقتراح إدارة ترمب شراء غرينلاند لأسباب تتعلق بموقعها الجغرافي ومواردها الضخمة.