ملخص
تسعى بكين من طريق تقييد تجارة الخامات والأجهزة والتكنولوجيات ومراقبتها بواسطة الإجازات، وتعميمها على الكيانات الأجنبية، إلى تأبيد نفوذ ذراعها وترجيح كفتها.
نشرت المجلة الفصلية الفرنسية "غران كانتينان" (القارة الكبيرة)، في مجلدها الرابع هذه السنة، مقالات تتناول كلها السياسات الصينية من وجوهها المتفرقة. ومن هذه المقالات واحد وصفي وإحصائي، يعالج القيود المتبادلة، الصينية والأميركية، على المعادن النادرة والتعرفة الجمركية. ويؤرخ المقال، غير الموقّع، تأريخاً دقيقاً للإجراءات التي تبادلتها الدولتان العظميان، الواحدة بعد الأخرى، وتندرج في ما يبدو حواراً حاداً، وقاسي النبرة بينهما. ومهدت الإجراءات الأولى للقاء القمة الذي جمع الرئيسين، دونالد ترمب وشي جينبينغ في كوريا الجنوبية. ولكن القمة، على ما يلاحظ المقال، لم تحسم الخلافات كلها ولم تقطع الحوار في آن.
القيود الصينية
وتعود فاتحة الإجراءات، وبداية السياق المتوتر بين القوتين، على ما يؤرخ مقال المجلة الجيواستراتيجية، إلى التاسع من أكتوبر (تشرين الأول). وأعلنت الصين فرضها قيوداً جديدة على صادراتها من المعادن النادرة. وصرح دونالد ترمب، رداً على القرار الصيني، بأنه سيفرض رسوماً جمركية جديدة، تبلغ 100 في المئة، على كل البرمجيات الدقيقة، أو ذات الاستعمال الاستراتيجي، بدءاً من الأول من نوفمبر (تشرين الثاني)، وربما قبله.
وكانت الصين، قبل هذا الإجراء، تضبط صادراتها من المعادن النادرة، وتضبط كذلك سلسلة القيمة، لكنها أضافت إلى لائحة المواد السابقة خمس مواد جديدة. فبلغ عدد المواد اثنتي عشرة مادة. وإلى هذا، قيدت تصدير عشرات الأجهزة والمواد المستعملة في استخراج هذه المعادن وتكريرها.
وفي المحصلة، يستنتج المقال في ضوء رسم بياني يوضح بالأرقام حصص الصين من قيم تعدين المعادن النادرة وتكريرها ومن إنتاج المغناطيس، أن الصين حددت عتبة شديدة الانخفاض، 0.1 في المئة من المكونات الصينية المصدر، تفرض على البائع أو المصدر طلب إجازة بيع، وإن كان المشتري من داخل الصين. وعلى المنشأة الأجنبية، والحال هذه، الحصول على إجازة تصدير قبل أن تبيع، بدورها، إلى زبون آخر سلعة صُنعت في بلد ثالث إذا كانت هذه السلعة 1) تحتوي على عناصر مشتقة من المعادن النادرة الصينية الخاضعة للمراقبة، وتبلغ قيمتها 0.1 من قيمة السلعة الإجمالية، احتسبت هذه القيمة من كافة أبواب إنتاجها وصناعتها: الاستخراج، أو التكرير، أو التعدين، أو إعادة التدوير، أو صناعة المغناطيس.
2) أو أعملت في صناعتها تكنولوجيات تتوسل بمعادن نادرة من أصل صيني، استخراجاً أو تكريراً، أو تعديناً، إلخ.
3) أو كانت منتجاً مادته الأولى معدن نادر من أصل صيني خاضع للمراقبة.
ويظهر من هذه الإجراءات أن الصين وسّعت دائرة قيودها على التصدير توسيعاً بالغاً من طريق إضافة مفعول خارجي عليها يصيب سلسلة التوريد العالمية، ويقارن المقال بين الإطار العريض الذي ترسمه الإجراءات الصينية الجديدة وبين الإطار الأميركي بموجب "فورين دايركت برودكت رول" Foreign Direct Product Rule.
ولا يغفل المقال، بعد عرض تفاصيل التضييق الصيني ومقارنته بالقانون الأميركي، عن التنبيه إلى إجراء تخفيفي. فيكتب أن الصين وعدت بتيسير الحصول على إجازات التصدير، ولكنها أوضحت، في الوقت نفسه، أن الطلب على كل ما يتصل بالدفاع مرفوض سلفاً، وما يتعلق بشبه الموصلات المتقدمة، وبعض نماذج من الذكاء الاصطناعي، يخضع لتدقيق خاص.
حرب الرسوم
ويحمل الإعلان الصيني، نظراً إلى توقيته قبل لقاء ترمب وشي في كوريا الجنوبية بأسابيع قليلة، على رفد حجة الصين في المفاوضات الوشيكة بقوة إضافية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويتعقب المقال رد ترمب على الصين، والرد وَصَفَ إجراءات بكين بالبائسة والمعادية، وخمن بقصدها "أخذ العالم رهينة". وقال إنها كانت مفاجأة حقيقية، "ولم تفاجئني وحدي، بل فاجأت زعماء العالم الحر كلهم، وكنت أقدر أنني سأجتمع بالرئيس شي في غضون أسبوعين (...) ولكن يبدو اليوم أنه لا مبرر للاجتماع.
وأعلن ترمب كذلك، في جملة رده، فرض رسوم جمركية إضافية على الواردات الصينية تبلغ 100 في المئة. وأخضع لمراقبة متشددة الصادرات الأميركية، من البرمجيات الدقيقة منذ الأول من نوفمبر بل قبله. وأمر باستيفاء رسوم خاصة، منذ 14 أكتوبر، على كل سفينة صُنعت في الصين أو في بلد غير الصين لقاء رسوها في أحد الموانئ الأميركية، فأعلنت الصين، قراراً بتحصيل رسم خاص على الخدمات المرفأية التي تستفيد منها السفن الأميركية، اقتصاصاً من الإجراء الأميركي.
مترتبات ونتائج
ويتناول المقال، بعد إحصاء القرارات المتبادلة، وإحصاء قرارات جائرة لم تتخذ بعد وفي إمكان الدولتين اتخاذها (إلزام شركات صينية جديدة بالاستحصال على إجازات تصدير، تسريع عمل لجان تقصٍ عن مخالفات تجارية...) بعض المترتبات القريبة الأجل على القرارات الصينية. فيلاحظ
1) أن الولايات المتحدة كانت، في 2022، تعتمد على الواردات من الصين بنسبة 51 في المئة في شأن 51 معدناً.
2) كانت الصين المورد الأول لـ17 معدناً، وبين الموردين الثلاثة الأوائل لـ24 معدناً من المعادن الأخرى.
3) قد تؤثر الإجراءات الصينية تأثيراً مباشراً في سلسلة توريد شبه الموصلات العالمية، ما يعرقل إنتاج رقائق الذكاء الاصطناعي.
4) والولايات المتحدة قد تكون المتضرر الأول. ذلك أن نمو الاقتصاد الأميركي هو، اليوم، رهن الذكاء الاصطناعي، ومن غير مراكز البيانات لما تخطى نمو الناتج المحلي الإجمالي الأميركي 0.1 في المئة، في الفصل الأول من السنة الجارية، على ما خلص إليه أستاذ الاقتصاد في هارفرد، جايسون فورمان. وعلى هذا، تنتهج الصين سياسة تجعل من المعادن النادرة أداة استراتيجية على المدى البعيد، تتعدى استعمالها أداة ضغط ظرفية.
5) وتسعى بكين من طريق تقييد تجارة الخامات والأجهزة والتكنولوجيات ومراقبتها بواسطة الإجازات، وتعميمها على الكيانات الأجنبية (تسعى) في تأبيد نفوذ ذراعها من غير حظر التصدير، وقد يلجئ الحظر دولاً غير الصين إلى تنويع مصادرها، وإضعاف صناعة التعدين الصينية.
6) وفي الأشهر الأخيرة سرّعت واشنطن تنمية طاقاتها الوطنية على معالجة المعادن النادرة.
7) وفي يوليو (تموز) عظمت إدارة ترمب إسهامها في شركة إم. بي ماتيريالز، أكبر منتج أميركي للمعادن النادرة والمغناطيس. واشترت الحكومة الأميركية حصصاً في شركتين تعدينيتين أخريين، إحداهما هي تريلوجي ميتالز.
8) وتعهد البنتاغون ضمان شراء 100 في المئة من المغناطيس الذي ينتجه مصنع إم. بي، ماتيريالز الجديد، ووقفه على صناعات الدفاع الأميركية.