ملخص
تشير أبحاث "غولدمان ساكس" إلى أن أميركا تعاني نقصاً في المنازل يبلغ نحو 4 ملايين وحدة سكنية
لم يسبق أن بدا الحلم الأميركي بعيد المنال كما هو الآن، ولا يقتصر الأمر على ارتفاع أسعار المنازل ذات السياج الأبيض والمربيات لرعاية الأطفال، لكن الأزمة فاقت حدود كثير من الأسر.
تسببت كلفة السكن المرتفعة، وزيادة كلفة الرعاية، مع ارتفاع شرائح الضرائب في ظل زيادة الأجور، في أن يشعر الأثرياء الأميركيون بأنهم في دائرة الفقر.
الواقع يؤكد أن مشكلات عدم القدرة على تحمل الكلفة في أميركا حقيقية، فضعف سوق العمل يعني انخفاض الزيادات في الأجور، بينما تتجه الأسعار نحو الارتفاع، لا سيما أسعار الضرورات الأساسية كالبقالة والكهرباء.
مع ذلك، تجاوزت الأجور معدل التضخم لأعوام عدة، ويجني كثير من الأميركيين الآن دخلاً أعلى بكثير مما كانوا يكسبونه قبل الجائحة، فلماذا إذاً هذا الركود الاقتصادي المستمر؟ قد يكمن الحل في ما لا يستطيع الأميركيون الحصول عليه مهما كان الثمن.
أدى ركود سوق العقارات لأعوام إلى حرمان جيل كامل من مشتري المنازل للمرة الأولى، وأبقى العائلات المتنامية تعيش في منازل ضيقة، وفي معظم أنحاء أميركا، لا يوجد عدد كافٍ من المتخصصين في رعاية الأطفال لرعاية جميع أطفال الآباء العاملين.
وضعت هذه الظروف كثيراً من الأميركيين في مأزق صعب، إذ انتقل كثر إلى شرائح ضريبية أعلى، لكنهم غير قادرين على التمتع بمظاهر حياة الدخل المرتفع، بينما يشعر آخرون بأنهم يتخلفون عن الركب أكثر فأكثر.
ارتفاعات متتالية وقياسية بأسعار السكن
ارتفعت كلفة شراء منزل بصورة كبيرة في الأعوام الأخيرة، ويعود ذلك في معظمه إلى ركود سوق العقارات، إضافة إلى ارتفاع أسعار الفائدة على الرهن العقاري إلى أكثر من ستة في المئة، أي ثلاثة أضعاف مستواها قبل بضعة أعوام فقط في أعقاب جائحة كورونا مباشرة.
وشهدت مبيعات المنازل القائمة في الولايات المتحدة ركوداً لأعوام عدة، إذ استقرت عند معدل سنوي يبلغ نحو 4 ملايين وحدة منذ أواخر عام 2022، وفقاً للجمعية الوطنية للوسطاء العقاريين.
وباستثناء فترة وجيزة في ربيع عام 2020، ظل مخزون المنازل القائمة ومبيعاتها قريباً من أدنى مستوياته منذ الأزمة العقارية والمالية التي انتهت عام 2010.
ومما فاقم ارتفاع أسعار المنازل توقف بناء المنازل فعلياً خلال أزمة الإسكان التي امتدت من عام 2007 إلى عام 2009، ولم يتعافَ السوق بصورة كاملة.
والآن، تعاني أميركا نقصاً في المنازل يبلغ نحو 4 ملايين وحدة سكنية، وهو ما يكفي لمعالجة نقص المعروض وإعادة أسعار المساكن إلى مستويات معقولة في البلاد، وفقاً لأبحاث "غولدمان ساكس".
ولتوضيح ذلك، فإن إجمال عدد الوحدات السكنية الشاغرة - سواء للإيجار أو البيع - هو أقل من أي وقت مضى خلال العقود الأربعة الماضية، يقول رئيس قسم الأبحاث الاقتصادية في شركة "ريدفين"، تشن تشاو، "يكمن سبب مشكلة القدرة على تحمل كلفة السكن في نقص العرض، فهناك تباين بين الفرص المتاحة والقدرة على تحمل الكلفة".
وعادة ما تكون الأسواق الأسرع نمواً هي تلك التي تتوافر فيها فرص العمل، مثل منطقة نيويورك الكبرى وسان فرانسيسكو، ومن المفارقات أن البناء في تلك المناطق بالغ الصعوبة.
قلة المعروض تبقي الأسعار مرتفعة
تعيش كيم شيلدون وأطفالها الثلاثة في المنزل المستأجر نفسه منذ 10 أعوام، منذ انتقالهم إلى هولدن، قرب ووستر، وعلى رغم رضاها عن منزلها، فإن فضولها قد ازداد عندما ظهرت منازل مجاورة معروضة للبيع.
قالت وفق شبكة "سي أن أن"، "ظننت في البداية أنها جميلة جداً، ثم نظرت فوجدت أن سعرها 650 ألف دولار لمنزل من طابق واحد بثلاث غرف نوم وحمامين"، بالنسبة إلى هذه الأم العزباء التي تعمل معلمة، لم يكن الحلم الأميركي يوماً أبعد منالاً.
قالت "درست في الجامعة، وعملت طوال حياتي، ومع ارتفاع كلفة المعيشة، بالكاد ندبر أمورنا، وبالتأكيد لا نعيش حياة مترفة، ولا نحتاج إلى ذلك... هل أتمنى لو نملك منزلاً خاصاً بنا؟ سيكون ذلك رائعاً"، لكنها قلقة في شأن العبء المالي الذي سيشكله امتلاك منزل على أطفالها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تعد المساكن في الولايات الجنوبية ذات الأسعار المعقولة أكثر بكثير، إذ تعد تكساس وفلوريدا وجورجيا من أسهل الولايات للبناء فيها وأقلها كلفة، لكن شعبيتها تتراجع مع عودة كثر إلى مكاتبهم، مما أجبرهم على الانتقال، بمن فيهم أولئك الذين استغلوا انخفاض أسعار العقارات للعمل من بعد في أماكن تمكنوا فيها من الحصول على مساكن أكبر بالسعر نفسه، ومع ذلك، حتى في هذه المناطق، لا تزال بعض شرائح سوق العقارات بعيدة المنال.
يجد الباحثون عن منازل حالياً أن قلة المعروض تبقي الأسعار مرتفعة، بينما تحوم معدلات الرهن العقاري فوق ستة في المئة، وهو أعلى بكثير من المعدلات المنخفضة للغاية التي حصل عليها بعضهم خلال الجائحة والتي بلغت اثنين في المئة.
يقول ستيف ميرسر، الذي انتقل أخيراً إلى أتلانتا من ولاية أيوا، "لا يرغب الناس في البيع لأنهم لا يريدون التخلص من قروضهم العقارية التي تبلغ اثنين في المئة حالياً، فالعرض محدود للغاية، هناك كثير من المباني الجديدة في المنطقة التي نبحث عنها، لكن أسعارها لا تزال أعلى مما كنت أتوقع، ومع ارتفاع كلفة كل شيء يصبح عبء امتلاك منزل أكبر بكثير."
يقول تشاو "أعتقد أن هناك استياءً لدى الجيل الشاب، إذ يشعرون بأن الحلم الأميركي لم يعد قابلاً للتحقيق، فالشباب الذين لم يتمكنوا من دخول سوق العمل يجدون أنفسهم عالقين، ولا يستطيعون إيجاد حلول".
كلفة رعاية الأطفال تنافس أزمة السكن
تقليدياً، يعد السكن أكبر بند في النفقات الشهرية للأميركيين، إلا أن كلفة رعاية الأطفال تنافس هذا البند بقوة بالنسبة إلى عدد متزايد من العائلات.
في معظم الولايات الأميركية تتجاوز كلفة رعاية طفلين كلفة الرهن العقاري أو الإيجار، وفقاً لمنظمة "تشايلد كير أوير" المعنية بالدفاع عن حقوق الطفل، التي وجدت أن متوسط الكلفة السنوية لرعاية الأطفال بلغ 13128 دولاراً عام 2024، بزيادة قدرها 13 في المئة على العام السابق.
ومع ذلك، فإن عدم القدرة على تحمل الكلفة ليس سوى عرض من أعراض قطاع يواجه فيه القائمون على رعاية الأطفال صعوبات مالية متزايدة، كما تظهر دراسة أجرتها جامعة كاليفورنيا في بيركلي.
في تعليقه، قال الأستاذ الفخري في كلية ماكورت للسياسات العامة بجامعة جورجتاون، ويليام تي غورملي "تشمل مشكلات رعاية الأطفال عنصرين آخرين، هما التوافر والجودة، جميع هذه القضايا مترابطة".
وأسهم نقص التمويل وتدني الأجور في تفاقم نقص العمالة (الذي ازداد سوءاً مع انخفاض معدلات الهجرة)، فضلاً عن ظهور ما يعرف بـ"مناطق نائية تفتقر إلى خدمات رعاية الأطفال"، ومن ثم يقع عبء الكلفة على عاتق الأسر، التي غالباً ما تجد الخيارات المتاحة باهظة الثمن.
وقالت غورملي، الباحثة في سياسات تعليم الطفولة المبكرة، المديرة المشاركة لمركز أبحاث الأطفال في الولايات المتحدة، إن أجور العاملين في مجال رعاية الأطفال والعاملين في التعليم المبكر أقل من أجور 97 في المئة من جميع المهن في الولايات المتحدة، وأضافت "يعود ذلك إلى أن القوى العاملة في مجال رعاية الأطفال في جميع الولايات تقريباً تعاني وضعاً هشاً للغاية، وتواجه هذه القوى العاملة تحديات هيكلية تعزى إلى قلة الدعم الحكومي لرعاية الأطفال في الولايات المتحدة".
ويتزايد العبء الشهري لنفقات رعاية الأطفال على الأميركيين، إذ تظهر بيانات مكتب إحصاءات العمل أن كلف دور الحضانة ورياض الأطفال ترتفع بمعدل يقارب ضعف معدل التضخم العام، وقال غورملي إن هذه النفقات المتزايدة تؤثر في العائلات في أصعب الأوقات التي تمر بها في حياتها.