ملخص
قالت وكالة الأنباء السعودية، إن القمة التشاورية التي ترأسها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان "جمعت قادة ورؤساء وفود الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي وناقشت القمة عدداً من الموضوعات والقضايا المتعلقة بالمستجدات الإقليمية والدولية، وسبل تنسيق الجهود الخليجية تجاهها.
على وقع توترات جيوسياسية تضغط على الإقليم، انعقدت القمة الخليجية التشاورية الاستثنائية في جدة، غرب السعودية، في توقيت حرج فرضته تداعيات الحرب، وتعثر مفاوضات باكستان، وهشاشة وقف إطلاق النار، في مشاورات ركزت على تنسيق المواقف الخليجية إزاء بيئة إقليمية متقلبة وتحديات تمس أمن المنطقة واستقرارها.
وقالت وكالة الأنباء السعودية، إن القمة التشاورية التي ترأسها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان "جمعت قادة ورؤساء وفود الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي وناقشت القمة عدداً من الموضوعات والقضايا المتعلقة بالمستجدات الإقليمية والدولية، وسبل تنسيق الجهود الخليجية تجاهها.
وتمر منطقة الخليج بمرحلة حرجة في أعقاب حرب الـ40 يوماً بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، إذ شكّل التصعيد الإيراني تهديداً مباشراً للأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، وتحدياً خطراً للقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن.
وجاء انعقاد القمة في ظل ضغوط إقليمية متزامنة، من الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج، إلى الحرب في لبنان، والصراع الممتد في اليمن، والحرب المستمرة في السودان، وهي ملفات فرضت حضورها على المشهد السياسي والأمني في المنطقة.
وفي السياق، تابع مجلس الوزراء السعودي برئاسة ولي العهد مستجدات الأوضاع الإقليمية والدولية وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، مجدداً مواقف المملكة الداعمة للمسارات الدبلوماسية والجهود الهادفة إلى تعزيز السلم والاستقرار.
وفي دلالة على وحدة الموقف، قال أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني عبر منصة "إكس"، إن القمة التشاورية في جدة تجسد موقفاً خليجياً موحداً تجاه الأوضاع الراهنة، وما تستلزمه من تكثيف التنسيق والتشاور بما يعزز الدور الفاعل لدول المجلس في دعم المسارات الدبلوماسية وصون أمن المنطقة واستقرار شعوبها.
4 أزمات في خلفية المشاورات
جاءت استضافة السعودية للقمة في ظرف وُصف بأنه بالغ الدقة، مع ما كشفت عنه التطورات الأخيرة من تحولات في منظومة الأمن الإقليمي، وما فرضته من حاجة إلى تطوير استراتيجية خليجية أكثر تكاملاً في إدارة الأزمات.
وفي مقدمة هذه التحديات، برزت الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج، وما أثارته من مخاوف مرتبطة بأمن الممرات الحيوية والمنشآت المدنية والطاقة والاستقرار الإقليمي، في ظل تأكيد خليجي على رفض أي تهديد يمس أمن المنطقة أو يزعزع توازنها.
وفي لبنان، ظل استمرار الحرب، وما يرافقه من أخطار اتساع المواجهة، أحد الملفات الحاضرة في المشهد الإقليمي، بالتوازي مع موقف خليجي تقوده السعودية يدعم سيادة لبنان ووحدة أراضيه، ويساند الجهود الرامية إلى تعزيز الاستقرار ومنع التصعيد.
أما اليمن، فبقي أحد الملفات الأكثر اتصالاً بالأمن الخليجي، نظراً إلى ما يرتبط به من تحديات أمنية وإنسانية، فضلاً عن انعكاساته على الملاحة وأمن البحر الأحمر.
وفي السودان، فرض النزاع المستمر نفسه باعتباره بؤرة إضافية لعدم الاستقرار، بما يتركه من تداعيات إنسانية وأمنية على محيطه العربي والأفريقي.
اختبار لوحدة الموقف الخليجي
ويرى المحلل السياسي السعودي مبارك آل عاتي أن قمة جدة تعد من أهم القمم التي انعقدت في تاريخ مجلس التعاون، بالنظر إلى توقيتها وما يأتي بعده من تداعيات الحرب الأخيرة مع إيران وانعكاساتها المباشرة على أمن دول المجلس.
وقال آل عاتي لـ"اندبندنت عربية"، إن القمة تعكس تجديد تمسك قادة الخليج بمنظومة المجلس ككيان موحد أثبت فاعليته في مواجهة الأزمات، مؤكداً أن التجارب السابقة رسخت أهمية توحيد المواقف والخطوات الخليجية، خصوصاً في مواجهة التهديدات الأمنية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأضاف، أن القمة تؤكد وحدة الرؤية الخليجية تجاه القضايا الإقليمية والدولية، وتبرز دور مجلس التعاون بوصفه طرفاً فاعلاً في دعم الأمن والاستقرار الدوليين، إلى جانب المساهمة في احتواء التداعيات الاقتصادية المرتبطة بتهديدات الملاحة وإغلاق مضيق هرمز.
وأشار إلى أن دول الخليج لا تزال تدعم مسار المفاوضات الإيرانية – الأميركية، انطلاقاً من أهداف خفض التصعيد ووقف الحرب وضبط البرنامج النووي الإيراني، وصولاً إلى عودة إيران للتعامل مع محيطها بعيداً من النزعات التوسعية.
الخليج وما بعد الهدنة
ولا تتوقف رهانات القمة عند إدارة تداعيات الأزمات الراهنة، إذ تمتد إلى ما بعد الهدنة واحتمالات ما بعدها، في ظل تساؤلات حول شكل العلاقة الخليجية مع إيران بعد الحرب الأخيرة.
وفي هذا السياق، يطرح مركز الخليج للأبحاث سؤالاً لما بعد الهدنة، وكيف ستتعامل دول مجلس التعاون مع إيران بعد الحرب، في ظل استمرار تهديدات الحرس الثوري وما ارتبط بها من ضغوط على مصالح المنطقة، من بينها التلويح بإغلاق مضيق هرمز.
ويرى مستشار أول مركز الخليج للأبحاث الدكتور صالح الخثلان أن مواقف دول المجلس منذ إعلان الهدنة اتسمت بالتحفظ والمرونة تجاه إيران، بما يعكس إدراكاً لطبيعة التحديات القائمة، مع استمرار تباين الرؤى بشأن كيفية التعامل مع طهران.
ويشير إلى أن المرونة الخليجية لا تعني بالضرورة أنها الخيار الأمثل، إذ قد تُفسَّر على أنها ضعف، بما قد يفتح المجال لتكرار الاعتداءات، مما يجعل من الضروري التريث وبلورة موقف خليجي جماعي يضع قواعد واضحة لأي انفتاح مستقبلي، يكون مشروطاً بتغيير في السلوك الإيراني.
ويستحضر في هذا السياق تجارب سابقة، من التعامل مع نظام صدام حسين بعد غزو الكويت، إلى التجربة الأوروبية مع روسيا بعد حرب أوكرانيا، بوصفها نماذج تشير إلى أن السلوك العدائي يُواجَه بسياسات تفرض كلفة، في حين قد تحمل المرونة غير المشروطة أخطاراً مستمرة على أمن دول المجلس.
ومن هذه الزاوية، تبدو القمة، في نظر مراقبين، جزءاً من استعداد خليجي أوسع لا يقتصر على احتواء تداعيات الحرب، ويمتد إلى التفكير في ترتيبات ما بعد الهدنة، وكيفية إدارة العلاقة مع إيران ضمن معادلة أمنية مختلفة.
نحو مقاربة خليجية أكثر تماسكاً
عكست القمة، بحسب مراقبين، إدراكاً خليجياً متزايداً بأن تداخل الأزمات الإقليمية يتطلب تنسيقاً يتجاوز إدارة كل ملف على حدة، نحو رؤية أشمل تربط الأمن بالسياسة والاستقرار الإقليمي.
وفي هذا السياق، أكدت السعودية استمرار التشاور والتنسيق المكثف بين دول المنطقة لمتابعة التطورات وتقييم المستجدات وبلورة المواقف المشتركة، مع التشديد على اتخاذ ما يلزم من إجراءات مشروعة لحماية الأمن والاستقرار.
وجددت الرياض أيضاً إدانتها للاعتداءات الإيرانية على المملكة ودول الخليج، معتبرة أنها تمثل انتهاكاً للقانون الدولي وتهديداً للسلم والأمن الدوليين.
وفي ظل هذا المشهد، بدت قمة جدة محاولة خليجية لإعادة تموضع جماعي أمام بيئة إقليمية متقلبة، وصياغة موقف أكثر تماسكاً في مواجهة لحظة مزدحمة بالأزمات واختبارات الأمن الإقليمي.