Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عمال البناء في العراق خارج سباق الضمان الصحي والمالي

يزاولون مهنة خطرة ويتقاضون أجراً يومياً يذوب قبل نهاية الشهر

يقدّر مسح القوى العاملة في العراق لعام 2021 (أحدث تقرير) العاملين في قطاع التشييد والبناء بنحو 1.403 مليون عامل (اندبندنت عربية)

ملخص

لا رعاية اجتماعية، لا رعاية صحية أو ضمان اقتصادي، ومع هذا يقف العشرات في "المسطر" وهو الاسم المتداول لنقطة تجمع ثابتة، تبدأ حركتها قبل الشروق، ويتحول الرصيف إلى سوق مزاد فوري. وأكبر هذه النقاط تقع في الباب الشرقي، تحديداً محيط ساحة الطيران قرب مركز العاصمة بغداد. يقف العمال قبل خيوط الشمس الأولى، أفراداً أو مجموعات صغيرة، بعضهم يحمل أدواته الخفيفة، وبعضهم يجيء بملابس العمل فقط لأن طبيعة الشغل تتبدل بناء، أو سباكة، أو فتح مجارٍ، أو تحميل، أو أعمال متفرقة. ثم يبدأ النداء من أصحاب العمل أو المقاولين.

"كان حلمي أن أكون لاعب كرة قدم، لكن ظروفي وضعتني أمام خيارين، إما أن أترك دراستي في الخامس ابتدائي، أو أن أرى حال والدتي الصحية وهي تتدهور على نحو أكبر. قدمت من ناحية جبلة في الحلة- بابل (جنوب بغداد) إلى بغداد بحثاً عن عمل، وكانت الحياة صعبة للغاية. عملت كعامل بناء، هل تعلمون كيف هي الحياة كعامل بناء آتٍ من محافظات أخرى؟ كنت أعيش مع الفئران في الفندق فيما تحيط بي قاذورات الآخرين، مجاري الصرف الصحي توقظني، وأتوسل صاحب الفندق لتنظيفه، فيقول ’إن لم يعجبك إذهب‘. أنتظر لساعات تحت الشمس، على أمل حضور مقاول أو طالب بنّاء، وحينما أجد فرصة، أبدأ العمل منذ الثالثة فجراً حتى الخامسة مساء في اليوم التالي، من أجل توفير علاج والدتي، مع هذا، فإن السرطان تمكن منها بسبب نقص العلاج في المستشفيات وقلة الأموال".

وجد حسين (20 سنة) نفسه بعد وفاة والدته، مكبلاً بعجز العودة للدراسة، فعائلته المكونة من ثلاث شقيقات طالبات، تعيش على راتب الوالد البالغ 400 ألف دينار (250 دولاراً) شهرياً، ولا يكفي سوى لأيام معدودة من الشهر. فانتقل إلى بغداد آملاً في زيادة الفرص، وقال إن "الطوابير التي تقف باحثة عن عمل كانت بالمئات، مظهرها يخبرني دائماً بأن ليس هناك شيء سهل في هذه البلاد، ولا في العاصمة، ولا في أصعب المهن على الإطلاق. إن الجوع يدفع الشباب إلى الجري خلف أي مقاول يأتي إليهم ويأخذهم بسيارته وهم خلفه على نحو أعمى ولو إلى الموت، ومن دون أدنى معرفة بموقع العمل، ومدى خطورته أو إمكان توفير السلامة لهم. إنهم يجرون فقط خلف لقمتهم. ويتشاجرون كثيراً في ما بينهم للصعود على ظهر الحافلات. تبقى قلة، ينتظرون حتى الساعة الـ12 ليلاً، ثم يشبعهم اليأس، يعودون لفنادق آيلة للسقوط، بانتظار يوم انتظار آخر".

 

معدات وقاية غائبة

لا رعاية اجتماعية، لا رعاية صحية أو ضمان اقتصادي، ومع هذا يقف العشرات في "المسطر" وهو الاسم المتداول لنقطة تجمع ثابتة، تبدأ حركتها قبل الشروق، ويتحول الرصيف إلى سوق مزاد فوري. وأكبر هذه النقاط تقع في الباب الشرقي، تحديداً محيط ساحة الطيران قرب مركز العاصمة بغداد. يقف العمال قبل خيوط الشمس الأولى، أفراداً أو مجموعات صغيرة، بعضهم يحمل أدواته الخفيفة، وبعضهم يجيء بملابس العمل فقط لأن طبيعة الشغل تتبدل بناء، أو سباكة، أو فتح مجارٍ، أو تحميل، أو أعمال متفرقة. ثم يبدأ النداء من أصحاب العمل أو المقاولين الذين يحضرون بسياراتهم، لنقل العمال في ما بعد، يقفون، ينظرون إلى الوجوه والأعمار واللياقة، ويسألون بسرعة عن الاختصاص، ثم تحسم الصفقة في دقيقة. وأي شخص يستطيع أن يأتي إلى الباب الشرقي ويأخذ العدد الذي يحتاج إليه من العمال المنتظرين. ويقول حسين إن "الفرصة تضرب مع الأصغر سناً. بالعادة من يتعدى الـ35 عليه أن ينتظر وقتاً أطول".

الدخل اليومي، بحسب وصف حسين وعمال آخرين، يدور حول 25 إلى 30 ألف دينار (نحو 19 إلى 22 دولاراً)، لكن اضطرار العمال الوافدين من المحافظات إلى البقاء في بغداد، يستنزف يومياتهم، مقابل السكن في غرفة تفتقر إلى الراحة، ولتأمين الطعام الأقل سعراً، وما يبقى لهم في أفضل الأحوال لا يتجاوز ثمانية دولارات تقريباً يومياً. وحين تحسب الأيام على واقعها الفعلي، تتقلص الحصيلة الشهرية إلى أقل من 250 دولاراً يرسلونها إلى أهاليهم، مع حقيقة أنهم قد لا يجدون عملاً في كل أيام الشهر.

الأرقام الرسمية المنشورة التي تحصي "الوافدين للعمل اليومي في قطاع البناء" تحديداً شحيحة، فمسح القوى العاملة في العراق لعام 2021 (أحدث تقرير) يقدر العاملين في قطاع التشييد والبناء بنحو 1.403 مليون عامل (16.3 في المئة من إجمال العاملين في البلاد)، ويظهر أن "الأجر المتدني" واسع الانتشار في مجال البناء بين العاملين المأجورين، بنسبة عالية تصل إلى 72.4 في المئة.

 

العامل العراقي يعمل من دون حماية كافية

يقول المهندس المعماري محمد سليم إن "العامل يدفع ثمن السرعة والضغط"، ويشير إلى أن "شروط السلامة في عدد من الورش تتحرك خارج الحد الأدنى المتوقع. ومعدات الوقاية الفردية غير متاحة بصورة منتظمة، وساعات العمل تمتد في ذروة الصيف تحت درجة حرارة مرتفعة، مما يزيد احتمال الإغماء والإجهاد الحراري. ويترافق ذلك مع أخطار ميكانيكية وكهربائية مثل سقوط من علو وانهيار سقالات وسقوط مواد وتماس كهربائي، إضافة إلى التعرض المزمن لغبار الأسمنت وما يرتبط به من تهيج تنفسي وجلدي وفي العيون. ضمن هذا السياق، يفضل العامل تجنب الشكوى لأنه يعمل في سوق يومية هشة، وأي اعتراض قد يخرجه من دائرة الاستدعاء في اليوم التالي. وحين تقع إصابة، ينكشف العامل أكثر لأن صاحب المشروع في كثير من المواقع لا يسجله في الضمان، ولا يوفر له أدوات الوقاية، فتضيع حقوقه بين التسويف والإنكار. إن توسع المشاريع بعد عام 2003 ضاعف عدد الورش والعمال، بينما بقيت الرقابة أضعف من حجم السوق".

ويضيف سليم أن "تعليمات السلامة موجودة على الورق، غير أن زيارات التفتيش من الجهات المختصة قليلة، والكوادر التي تلاحق آلاف المواقع محدودة، ومنظمة العمل الدولية نفسها تشير إلى أن جهاز التفتيش يعاني نقصاً واضحاً في العدد والدعم في العراق، فيسهّل مهمة إهمال حقوق العمال. ومن أسباب مجيء غالبية العمال إلى بغداد، هو أيضاً لأن زيارات التفتيش فيها أكثر مقارنة بالمحافظات حيث يموت العامل لأسباب كثيرة من بينها درجات الحرارة وينتهي الموضوع بكلمة حادثة أو قضاء وقدر".

وفي الثامن من أغسطس (آب) عام 2022، نشرت منصة الأمم المتحدة في العراق بياناً نقلته عن المنسقة القطرية لمنظمة العمل الدولية مها قطاع تدعو ضمنه الحكومة العراقية ومنظمات أصحاب العمل والعمال إلى اتخاذ إجراءات تحمي العاملين أثناء موجات الحر التي وصلت إلى 50 درجة مئوية.

ويربط البيان الحرارة الشديدة بتصاعد القلق على شروط السلامة والصحة المهنية، مع تركيز على العاملين في البناء والزراعة، ويذكر أن واحداً من كل أربعة عمال في العراق يعمل في أحد هذين القطاعين وفق مسح القوى العاملة. ثم يذهب إلى إجراءات عملية داخل مواقع العمل، توفير ملابس مناسبة ومياه شرب ومناطق ظل، وتنظيم ساعات العمل باتجاه الأوقات الأكثر برودة مع فترات راحة، مع تشديد على إنفاذ تشريعات السلامة عبر تفتيش العمل في القطاعات الأعلى خطراً.

وتغيب في العراق قاعدة وطنية منشورة تفصل وفيات عمال البناء سنوياً على مستوى البلاد، وما يظهر في العلن يأتي متقطعاً عبر نقابات وتقارير صحافية، ثم يتبدد عند الحدود الإدارية بين بغداد والإقليم والمحافظات.

لكن وبصورة عامة، ومن دون تحديد الفئات، يظهر إحصاء من شعبة تقنية المعلومات التابعة للمركز الوطني للصحة والسلامة المهنية في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، تسجيل 2702 إصابة عمل في مختلف القطاعات خلال عام 2024، وهو أحدث إحصاء.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كيف يعيش عمال اليومية بين الحر والحوادث وغياب الحماية؟

يروي سعد (34 سنة)، وهو عامل بناء قدم من ذي قار إلى بغداد بحثاً عن عمل يومي، أنه تعرض لإصابة في الرأس داخل ورشة سكنية أثناء نقل مواد على سطح غير مؤمن.

دخل بعد الحادثة في اضطراب ذاكرة لأشهر، ثم تلقى توصية طبية بترك الجهد وتجنب الأعمال الثقيلة، ففقد قدرته على صعود السقالات وحمل الأثقال كما كان يفعل. ولم يكُن سعد مسجلاً في الضمان، ولم يحمل عقداً، وكان يتقاضى أجره نقداً عبر مقاول ثانوي يتبدل حضوره بين مشروع وآخر، وحين حاول متابعة حقه قوبل بسؤال يتكرر مع عمال اليومية، عن صاحب العمل المسجل والوثيقة التي تثبت علاقة العمل والأجر. والجهات الرسمية طلبت وثيقة تربط العامل بصاحب العمل وأجره، وهي وثيقة غائبة في عمل اليومية المدفوع نقداً. والمقاول الثانوي أنكر المسؤولية، فبقيت كلفة العلاج على العامل.

"لم أحصل على أي تعويض مادي بسبب عدم تسجيلي، فاضطررت إلى العودة للعمل وإخفاء إصابتي، أتعرض بين الحين والآخر لنوبات إغماء خفيفة، حذرني منها الطبيب وقال إنها قد تتفاقم وتجعل حياتي بخطر أكبر، لكن ما الذي يجب أن أفعله؟ لا خيار آخر لديّ لأطعم صغاري".

يُذكر أن قانون العمل رقم 37 لعام 2015 يتضمن مادة مفصلية تقول إن أحكام إصابات العمل المقررة في قانون التقاعد والضمان الاجتماعي تطبق أيضاً على العمال غير المضمونين، مع إلزام صاحب العمل دفع تعويض لدائرة الضمان عن التزاماتها تجاه العامل غير المضمون وفق نسب مرتبطة بالأجر ولمدة عام في حالات العجز الجزئي، والعجز الكامل أو الوفاة.

 

مطالب نقابية بتفعيل قانون العمل

صحيح أن وزارة العمل العراقية تحدثت عن شمول يقارب 700 ألف عامل بالضمان الاجتماعي، وهو رقم إجمالي يشمل القطاعين المنظم وغير المنظم، مع تضمين فئات من العاملين لحسابهم الخاص أيضاً وفق تصريح المتحدث باسم الوزارة حسن خوام في السادس من يناير (كانون الثاني) الجاري.

وقبل ذلك، أعلنت الوزارة ارتفاع أعداد المشمولين من 300 ألف إلى 480 ألفاً مع توقعات بوصول العدد إلى 500 ألف بحلول نهاية عام 2025، مع توسيع الشمول عبر الضمان الاختياري واعتماد منصة إلكترونية. لكن يبقى الآلاف غير قادرين على نيل حقوقهم، وفق عضو المكتب التنفيذي للاتحاد العام لنقابات العمال في العراق انتصار جبار التي طالبت الحكومة بتفعيل قانون العمل رقم 37 لعام 2015 والعمل بأحكامه، معتبرة إياه من أفضل قوانين العمل في المنطقة لأنه يصون حقوق العمال عبر تشديد الرقابة على أصحاب العمل وفرض التعويضات والغرامات عند التقصير. وأوضحت أن القانون يلزم أصحاب العمل عقود عمل وضمانات للعامل المصاب جراء العمل، ويوفر حماية للمرأة العاملة خلال الولادة وإجازات الأمومة والحضانة، مضيفة أن "القانون ينص على يوم عمل من ثماني ساعات، ويقر الأجور الإضافية عند تمديد ساعات العمل، فضلاً عن الإجازات ومتطلبات السلامة المهنية ومخصصات الخطورة والتأمين الصحي"، وأكدت أن "هذه الضمانات كلها منصوص عليها في القانون، وأن المطلوب تطبيقها فعلياً".
وكان المتحدث الرسمي باسم وزارة العمل والشؤون الاجتماعية حسن خوام كشف في يوليو (تموز) عام 2025 عن تزايد مقلق في أعداد إصابات العمل بالقطاع الخاص في العراق خلال السنوات الأخيرة، فيما أقر بوجود تحديات كبيرة في دقة الإحصاءات الرسمية بسبب تهرب بعض أصحاب العمل من الإبلاغ عن الحوادث، مشدداً على أن أية مخالفة في هذا الشأن تواجه إجراءات قانونية صارمة، تبدأ برفع تقرير تفتيشي مفصل وقد تصل إلى إغلاق المشروع المخالف أو إحالة المسؤولين عنه إلى محكمة العمل.

يقول سعد "خلال الليل لا أستطيع النوم وأنا أفكر في كيفية الحصول على عمل لرعاية أولادي. أجري قبل طلوع الشمس وأتبرع للعمل بأقل الأجور على رغم وجع الإصابة الذي يتردد إلى رأسي وجسدي عند أية حركة إضافية أو جهد أكبر، لكنني أعلم جيداً أن لا أحد في هذه الدولة سيكترث لي أو يهتم بما سيتناوله صغاري".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير