ملخص
بدأت الحكومة العراقية خلال الفترة الأخيرة بإصدار قرارات ضريبية وجمركية متتابعة، تصدرتها ضريبة على بطاقات الاتصالات وخدمات الإنترنت، ضمن مسعى إلى زيادة الإيرادات غير النفطية وتقليل الاعتماد على عوائد النفط في تمويل الموازنة، مما أعاد فتح النقاش في شأن السياسة الضريبية في البلاد.
"كل شهر أعد المصروفات على أساس راتبي الثابت، إذ لم يتغير منذ سبع سنوات بسبب كوني موظفة عقد وليس على الملاك الدائم، ثم أسمع حديثاً عن ضرائب جديدة بحجة التقشف وتحسين الإيرادات. هذه القرارات تجعلني أتساءل عن المقابل الذي سيصل إلي كمواطنة، هل سيظهر أي فرق في الكهرباء والماء والخدمات الصحية؟ هل سيتحسن النقل والشارع؟ هل يصبح الدواء متاحاً بسعر يمكن احتماله؟ هل تصير المعاملة في الدوائر أسرع وأقل كلفة؟ إذاً الدولة تريد ضريبة، أريد أن أفهم أين تذهب؟ ومن يدفع فعلاً؟ ومن يبقى خارج الحساب؟ لأن زيادة الخصم من دخل ثابت من دون تحسين في الخدمات تعني أن العبء ينتقل إلينا وحدنا"، هذه عينة من التساؤلات التي تقلق المواطنة العراقية هدير أحمد.
تعيش هدير بمرتب يبلغ 800 ألف دينار عراقي (600 دولار أميركي) وهو راتب ثابت لا يتغير مع تقلبات المزاج الاقتصادي وارتفاعه وانهياره. هدير مقارنة بغيرها، هي أفضل حالاً اقتصادياً، إذ يبلغ متوسط معدل الرواتب أقل من 750 ألف دينار عراقي (500 دولار)، يفترض أن تكفي لدفع بدلات الإيجار وفواتير مولدات الكهرباء الخاصة وشراء المياه، وفقاً لما نشره موقع "نومبيو" (Numbeo) لتكاليف المعيشة في العالم، لكنها مع ذلك تبدو غير قادرة على تحمل تبعات القرارات الحكومية التي وقعت مثل صاعقة مفاجئة على الشعب العراقي وقضت بزيادة الضرائب.
الاتصالات والدواء أولاً
وكانت الحكومة العراقية بدأت خلال الفترة الأخيرة بإصدار قرارات ضريبية وجمركية متتابعة، تصدرتها ضريبة على بطاقات الاتصالات وخدمات الإنترنت، ضمن مسعى إلى زيادة الإيرادات غير النفطية وتقليل الاعتماد على عوائد النفط في تمويل الموازنة، مما أعاد فتح النقاش في شأن السياسة الضريبية في البلاد، لا سيما حول الأساس القانوني للتطبيق وحجم الموارد الممكن تحصيلها من قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، إضافة إلى الأثر المباشر لكلفة الخدمة في المواطن، ثم سؤال الشفافية والرقابة حتى تبقى الجباية منضبطة ومعلنة المسار. وفي ملف الاستيراد الصحي، أفادت الهيئة العامة للجمارك بأن الإجراءات المعتمدة تأتي ضمن توحيد وتصحيح نسب التعرفة الجمركية التي كانت تطبق بتفاوت، إذ جرى اعتماد نسبة موحدة وقدرها خمسة في المئة على الأدوية والمستلزمات الطبية المستوردة للقطاعين العام والخاص، بعد أن كانت النسب تتراوح بين 0.5 وأربعة في المئة، وفق توجيهات مجلس الوزراء وبموجب القوانين الجمركية النافذة. وتزامن ذلك مع بدء تطبيق تعرفة جمركية جديدة بموجب القرار 957 لعام 2025، شملت فرض رسوم على السيارات الهجينة (الهايبريد)، وضريبة جمركية بنسبة خمسة في المئة على الذهب، ورفع رسوم على مواد أخرى، مع تأكيدات رسمية بأن أثرها في السلع الضرورية والمواد الغذائية سيكون محدوداً، إلى جانب إلغاء نظام التسعير الثابت للحاويات في الموانئ الذي كان يتراوح بين 3 و4 ملايين دينار عراقي للحاوية، والانتقال إلى جباية تعتمد نوع المادة وتعليمات الهيئة.
نقابة الصيادلة تحذر
الرد الأبرز من جهة مشمولة بالإجراءات الضريبية جاء من نقابة صيادلة العراق، التي حذرت في كتاب رسمي من تداعيات قرار مجلس الوزراء رقم 457 لعام 2025 المتعلق بزيادة التعرفة الجمركية على الأدوية والمستلزمات الطبية. وأكدت النقابة أن القرار ستكون له آثار سلبية في منظومة تسعير الدواء واستقرار السوق الدوائي، وقد يهدد الأمن الدوائي وصحة المواطنين في البلاد.
وقالت النقابة في بيان إن زيادة التعرفة الجمركية، بالتوازي مع حظر استيراد المواد الأولية الداخلة في الصناعة الدوائية، ستنعكس مباشرة على أسعار بيع الأدوية والمستلزمات الطبية للمواطنين، كما ستؤثر في سلاسل إمداد الدواء وتوفره في السوق، مما قد يمس المرضى، ولا سيما غير القادرين منهم. ودعت نقابة الصيادلة مجلس الوزراء إلى إعادة النظر، وإلغاء نسبة الرسوم الجمركية المفروضة على الأدوية والمستلزمات الطبية والمواد الأولية الداخلة في الصناعة الدوائية.
في المقابل، نفت الهيئة العامة للجمارك ما أثير في شأن القرار، وأوضحت في بيان أن الإجراءات المعتمدة حالياً تندرج ضمن توحيد وتصحيح نسب التعرفة الجمركية التي كانت تطبق سابقاً بتفاوت غير مبرر، إذ جرى تعديل النسب التي كانت تتراوح بين 0.5 وأربعة في المئة لتعتمد نسبة موحدة مقدارها خمسة في المئة على الأدوية والمستلزمات الطبية المستوردة للقطاعين العام والخاص، تنفيذاً لتوجيهات مجلس الوزراء وضمن إطار القوانين الجمركية السارية.
وتقول هدير أحمد إن "هذا النوع من الإجراءات ينجح في دول تمتلك نظاماً ضريبياً واضحاً ومعلناً، يدفع المواطن فيه ثمناً ويستلم مقابله خدمات محسوبة، مثل الصحة والتعليم والنقل والبنى التحتية والضمان الاجتماعي. لكن في العراق تبدو فجوة الضرائب، إذ إن فئات عدة تتهرب من دفعها، وعليها مستحقات متراكمة لصالح الدولة، فيكون تسديد العجز من جيوب موظفين رواتبهم أصلاً متأخرة عن حركة الأسعار، ومع التضخم يصبح أي استقطاع إضافي خصماً من معيشته اليومية". وأضافت أن "بطاقة الـ5 آلاف دينار التي كانت تباع بـ5500 دينار (ثلاثة دولارات) قد تصل الآن إلى 6500 أو 7000 دينار (5 دولارات ونصف الدولار)، ثم تليها البضائع الأغلى، وهذا يؤثر مباشرة في حياتنا اليومية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
إصلاح ضريبي قديم
في الـ22 من ديسمبر (كانون الأول) 2025، وللحديث عن تنويع الإيرادات وترشيد الإنفاق، استقبل رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني، نخبة من الخبراء وأساتذة الجامعات المتخصصين في الشأنين الاقتصادي والمالي، وجرى خلال اللقاء بحث التطورات الاقتصادية والتحديات المرتبطة بالإدارة المالية العامة والتجارة الخارجية، مع طرح آليات لتعزيز الاستقرار المالي ودعم القطاع الخاص وإشراكه في الخطط التنموية. وعقب إعلان اللقاء، وجه النائب مصطفى سند انتقادات له، إذ اعتبره بمثابة تمهيد لإجراءات تقشفية يجري تمريرها عبر إسناد "المشورة" إلى الأساتذة والأكاديميين، مستعيداً في المقابل ملف هدر المال العام ومصير المبالغ الكبيرة التي جرى تداولها واستلافها في سنوات سابقة. ودعا سند رئيس الجمهورية العراقية عبداللطيف جمال رشيد إلى مخاطبة المحكمة الاتحادية في شأن دستورية الضريبة على بطاقات الهاتف والإنترنت، وتحدث عن مسار قانوني رقابي لبحث الإجراء.
وبحسب بيان رسمي للبنك المركزي العراقي نشر بتاريخ الـ19 من أكتوبر (تشرين الأول) 2025، بلغ الدين الداخلي نحو 91 تريليون دينار منها 56 تريليوناً متراكمة حتى نهاية عام 2022، و35 تريليوناً أضيفت خلال فترة 2023–2025، في حين قدر الدين الخارجي الواجب السداد بسقف أقصى قدره 13 مليار دولار بعد استبعاد ديون النظام السابق وديون معلقة غير مطـالب بها. وذكر البيان أن نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي بلغت 43 في المئة كحد أعلى، وجرى توصيفها بأنها نسبة تقريباً "معتدلة" ضمن الحدود الآمنة، وفق التصنيف المتعارف عليه دولياً. وللمقارنة الزمنية، تظهر جداول دائرة الدين العام في وزارة المالية أن رصيد الدين الداخلي في الربع الرابع من عام 2024 بلغ63.875 تريليون دينار، في مقابل رصيد دين خارجي بنحو 14.270 مليار دولار.
من جهة أخرى أكد العضو السابق في اللجنة المالية النيابية معين الكاظمي أن "النظام الضريبي الجديد الذي تخطط له الحكومة الحالية منذ نحو عام يهدف إلى زيادة الإيرادات غير النفطية وتسديد عجز الدولة"، مشيراً إلى أن "90 في المئة من إيرادات العراق تأتي من النفط، وأن نسبة الإيرادات غير النفطية يفترض أن ترتفع تدريجاً لتجنب أية أزمة محتملة عند انخفاض أسعار النفط كما يحدث حالياً". وأضاف الكاظمي أن "الحكومة تراهن على الهيئة العامة للضرائب كأحد أبرز أبواب زيادة الإيرادات"، موضحاً أن "الهيئة تعمل حالياً بنظام الأتمتة الجديد، ونجاح هذا المسار يتطلب العمل بمهنية بعيداً من ابتزاز المراجعين في بغداد والمحافظات الأخرى".
وبين أن الهدف يتمثل بتحقيق إيرادات ضريبية سنوية لا تقل عن 5 تريليونات دينار (نحو 3.82 مليار دولار)، إضافة إلى 5 تريليونات دينار من هيئة الجمارك، وتريليوني دينار من هيئة الإعلام والاتصالات، إلى جانب جباية خدمات أخرى من الكهرباء والماء ووزارات متعددة، ليصل المجموع – بحسب تقديره – إلى نحو20 تريليون دينار سنوياً.
غلاء المعيشة والدخل
ويصف الخبير الاقتصادي رشيد السعدي توجه الحكومة لزيادة الضرائب على المواطنين ومختلف القطاعات بأنه "قرار غير مدروس"، ودعا إلى اعتماد سياسة الإعفاءات الضريبية للتخفيف من الأعباء المعيشية التي يواجهها المواطن العراقي.
وصرح السعدي قائلاً إن "فرض ضرائب إضافية على المواطنين والقطاعات الاقتصادية في ظل الظروف الحالية يعد توجهاً غير صائب"، مبيناً أن "الأجدر بالحكومة اتخاذ إجراءات معاكسة، والإعفاءات الضريبية من شأنها إنعاش القطاعات الزراعية والصناعية والسياحية والخدمية، وفتح المجال أمامها لاستيعاب أعداد كبيرة من العاطلين عن العمل، فضلاً عن دورها في الحد من ارتفاع الأسعار".
وتوضح مؤشرات كلفة المعيشة العالمية إلى أن العراق ليس ضمن الدول الأعلى سعرياً مقارنة ببقية دول العالم (مثال Numbeoيضعه في مراتب متأخرة نسبياً في 2024 و2026)، غير أن العبء المعيشي، كما يقول الخبير الاقتصادي محمد كريم يبرز عند قياس الأسعار بالدخل، إذ يقدر موقع Livingcost كلفة المعيشة الشهرية للفرد في العراق مع الإيجار بحد أعلى يصل إلى 768 دولاراً، في مقابل متوسط راتب بعد الضريبة يقارب 513 دولاراً، أي أن الراتب يغطي نحو 0.7 شهر من النفقات وفق تقديراته، وهذه هي زاوية "غلاء قياساً بالدخل" الأكثر فاعلية في موضوع الضرائب. ويوضح كريم أن "الإصلاح المالي يتحقق عبر مكافحة الهدر والفساد، وتعزيز التخطيط الاقتصادي الرصين، وتوجيه الإيرادات نحو القطاعات الأساسية، وفي مقدمها الصحة والخدمات. ويوضح أن حصيلة الإيرادات الضريبية المسجلة ضمن الحسابات المالية الحكومية بلغت نحو4.8 تريليون دينار (3.66 مليار دولار أميركي) في عام 2024، وفق بيانات الحسابات المالية للحكومة في تقرير صندوق النقد الدولي.
ويبين كريم أن قانون ضريبة الدخل 113 لعام 1982 يفرض ضريبة على الدخل بصورة عامة، وهذا يشمل دخل الموظف، لكن بطريقة تصاعدية، فكلما زاد الدخل، زادت النسبة. وضمن أي نظام ضريبي توجد عادة إعفاءات وحد أدنى وتخفيضات تجعل أصحاب الدخل المنخفض يدفعون أقل - أو صفر- بحسب حالتهم الاقتصادية.
ويضيف أن "الضرائب والرسوم يجري تسليمها إلى خزانة الدولة وفق خطة معدة لذلك، فيما الرسوم لا تتناسب مع الخدمات التي تقدمها الدوائر الحكومية، مع غياب توزيع مدروس للأموال يلبي احتياجات المدن العراقية". ويكمل قائلاً إن "الشوارع الرئيسة والطرقات الخارجية لم تشهد تحسناً ملاحظاً، مع شكاوى متكررة من التخسفات في الطرق، في وقت تستوفى مبالغ من المواطنين تحت عناوين خدمية متفرقة".
ومن الأمثلة على الرسوم المرتبطة بسائقي المركبات، كان ما أعلنته مديرية المرور العامة من رسوم "السنوية / مدة النفاذية" البالغة 50 ألف دينار (ما يعادل 39 دولاراً)، إلى جانب50 ألف دينار للتسجيل للمرة الأولى و50 ألفاً لنقل الملكية و30 ألفاً للوحات التسجيل، ضمن جدول الرسوم المعمول به. أي ما يعادل صرف 140 دولاراً بصورة دورية للمرور، من دون أي مقابل، "مجرد أموال للهواء"، وفق الخبير الاقتصادي محمد كريم.
وانتقدت رئيسة لجنة النقل والاتصالات النيابية السابقة زهرة البجاري إعادة فرض الضريبة على خدمات الهاتف والإنترنت بعد قرارات تتعلق بخفض الأسعار، مشيرة إلى أن الإجراء فاجأ المواطنين وأعاد كلفة أعلى على الخدمة. ووصف عضو لجنة الخدمات النيابية محمد خليل الخطوة بأنها غير مدروسة وتفتقر إلى الجدوى الاقتصادية، مبيناً أن "فرض الرسوم بهذه الطريقة يمثل فشلاً حكومياً"، ومشدداً على أن "الحل يكمن في استرداد الأموال المنهوبة ومحاسبة المفسدين بدلاً من تحميل المواطن أعباء إضافية".