ملخص
شهدت أحياء الملاح خلال تلك الأعوام رواجاً اقتصادياً وانتعاشاً تجارياً ملحوظاً، بفضل الحرف والصناعات التقليدية التي كانوا يتقنونها، لاسيما سبك وصياغة الذهب، وهي المهنة التي اشتهر بها اليهود المغاربة بفضل مهاراتهم ودقة عملهم.
أعادت فاجعة مقتل أم ورضيعتها التي لم يتجاوز عمرها أربعة أشهر، قبل أيام قليلة، بسبب انهيار منزل مهترئ داخل حي "الملاح" في المدينة العتيقة للصويرة بالمغرب، إلى الواجهة إشكالية واقع أحياء الملاح التي شكلت في زمن سابق فضاءات سكنية تؤوي اليهود المغاربة، حيث كانوا يعيشون بجوار المسلمين، وفي أزقتها زاولوا تجاراتهم وحرفهم التقليدية، وشيدوا معابدهم ومدارسهم.
وتحولت أحياء الملاح داخل عدة مدن مغربية إلى مجرد أطلال تاريخية تذكر بحياة آلاف اليهود الذين كانوا يعيشون في هذه الأحياء، خصوصاً بسبب الهجرة المكثفة إلى إسرائيل، مما دفع عدداً من المهتمين إلى رفع مطالب إعادة تأهيلها وإحيائها، وتحويلها إلى تراث إنساني.
وتورد معطيات متطابقة أن عدد اليهود في المغرب كان يصل إلى أكثر من 250 ألف شخص، لكن تداعيات "الهجرة الكبرى" نحو إسرائيل وأوروبا وأميركا، قلص هذا العدد ليصل حالياً إلى زهاء 2500 شخص، يقطنون مدناً من قبيل الدار البيضاء والرباط وفاس ومراكش وتزنيت.
ملاحات المغرب
تنتشر في المدن الكبرى العتيقة للمغرب، مثل الرباط وفاس والصويرة ومراكش وشفشاون وغيرها، أحياء الملاح التي عمرها اليهود طوال قرون، وما زالت تحمل هذا الاسم نفسه الذي يعود أصله إلى أول حي يهودي داخل مدينة فاس، حيث كان يجمع ويخزن فيها الملح من أجل تصديره عبر القوافل التجارية.
وكانت الملاحات (جمع ملاح) طوال عقود خلت عبارة عن أحياء تضم مساكن ومحلات ومعابد اليهود المغاربة، يقطنون فيها ويزاولون مهنهم وحرفهم ويمارسون عباداتهم بكل حرية، ويتعايشون في ذلك مع جيرانهم المسلمين المغاربة.
وشهدت أحياء الملاح خلال تلك الأعوام رواجاً اقتصادياً وانتعاشاً تجارياً ملحوظاً، بفضل الحرف والصناعات التقليدية التي كانوا يتقنونها، لا سيما سبك وصياغة الذهب، وهي المهنة التي اشتهر بها اليهود المغاربة بفضل مهاراتهم ودقة عملهم.
واحتضنت مدينة فاس، التي اشتهرت بكونها "عاصمة علمية وروحية" للمملكة، أول وأقدم وأكبر أحياء اليهود في المغرب، وتميز هذا الحي بأسواره وأبوابه المحصنة، قبل أن يصير "ملاح فاس" مجرد أطلال سكنية يقطنها المسلمون المغاربة إلى اليوم.
وفي مراكش يوجد حي الملاح الذي كان ثاني أقدم ملاح داخل المغرب، وكان فضاء سكنياً محصناً يقع بجوار القصر، وتميز بكونه كان محجاً يقصده التجار قبل أن يفتر إشعاعه الاقتصادي والاجتماعي بمرور الأعوام، ورحيل سكان هذا الحي الشهير إلى خارج البلاد.
في الرباط العاصمة الإدارية للمغرب ينتصب حي الملاح أيضاً شاهداً على حياة آلاف اليهود في تاريخ المملكة، قبل أن يهاجروا خلال مراحل زمنية متفاوتة، أولاها فترة ما قبل استقلال المغرب بين عامي 1948 و1956، وفترة ما بعد الاستقلال مباشرة بين 1961 و1964، ثم ما بعد حرب 1967، عندما قرر اليهود الهجرة من المغرب إلى إسرائيل وكندا وأميركا وفرنسا وغيرها من الدول.
أهداف بناء الملاحات
ضمن السياق، يقول الأكاديمي والباحث في التاريخ والتراث اليهودي عبدالرحيم شهيبي إن تأسيس الملاحات كان يروم تحقيق غايات اقتصادية وسياسية وأمنية، فالهدف الاقتصادي يتجلى في كون غالبية اليهود ينشطون في التجارة والصياغة المعدنية، إضافة إلى الحرف اليدوية بمختلف أنواعها، بالتالي فتجميعهم يضمن تجميع كل هذه الأنشطة لضمان تطورها ومراقبتها، لأنها تشكل عضد الاقتصاد المحلي باعتبار أن هناك بعض الأنشطة تعد حصرياً من اختصاص اليهود.
أما الجانب السياسي والأمني، وفق شهيبي، فيتمثل في كون غالبية الملاحات تقام إلى جوار قصر السلطان أو قصبات ممثليه داخل المدن العتيقة، أو إلى جوار مساكن الزعماء القبليين، والسبب يكمن في ضرورة تحقيق الأمن لهم أولاً لأنهم مختلفون دينياً عن الغالبية، ثم لدورهم المركزي في النشاط الاقتصادي، فعدم حمايتهم يعني الإضرار بالاقتصاد، ثم لأن اليهود يقومون بأنشطة دبلوماسية في إطار ما يُعرف بتجار السلطان الذين يعدون قنوات السلطة مع العالم الخارجي، وكون اليهود مترابطين في ما بينهم يتطلب حمايتهم سواء من طرف السلطان أو من طرف الزعماء القبليين، لأن غالب الأنشطة الاقتصادية لهؤلاء مرتبطة بصورة كبيرة باليهود.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
واعتبر الباحث أن "الملاح بالنسبة إلى الذاكرة الجماعية اليهودية المغربية يتجاوز كونه مجرد حي سكني يجمعهم، بل فضاء اجتماعي يحكي قصص العيش الجماعي لليهود داخل المغرب في مختلف الظروف والفترات التاريخية، ويمثل فضاءً للتماسك الأسري للعائلات اليهودية الممتدة، وفضاءً لتنظيم الحياة الاجتماعية كترتيب الحرف والأنشطة الاقتصادية، وأيضاً يعد فضاءً لتنظيم الحياة الدينية بحرية تامة، وللحفاظ على مقومات اليهودية المغربية من اللغة والقيم والحفاظ على العادات والتقاليد".
ولفت شهيبي إلى أن الملاحات لم تكن عازلة لليهود عن باقي المجتمع بل تعد منطلقاً لهم لإيجاد مكانتهم داخل هذا المجتمع، على رغم بعض القيود التي فرضتها وضعيتهم ضمن نظام الذمة"، متابعاً أن "الملاح هو حامي اليهودية المغربية ولم يكن بأية صورة من الصور عازلاً لها باعتبار أن العلاقات بين اليهود والمسلمين تنطلق من الملاح نفسه".
التوجه نحو الزوال
بعد كل الإشعاع الاقتصادي والتعايش الاجتماعي اللذين ميزا أحياء الملاح في المغرب خلال عقود متوالية، تحولت هذه الفضاءات السكنية إلى تراث آيل للاندثار والمحو بسبب تراكم الإهمال وتدهور البنى التحتية، وهو ما فسر حادثة انهيار منزل مدينة الصويرة قبل أيام ومصرع أم ورضيعتها، وقبلها حوادث سقوط وانهيار سابقة.
وتحاول الحكومة المغربية تأهيل أحياء الملاح داخل عدة مدن من أجل صون التراث المعماري والتاريخي لهذه الأحياء اليهودية القدمية، من خلال خطة ترميم المباني المتضررة وتطوير البنى التحتية المتدنية، فضلاً عن إعادة إدماج هذه الأحياء في النسيج الاقتصادي والاجتماعي المحيط بهذه الفضاءات السكنية.
وفي هذا الصدد، يري الباحث في المعمار اليهودي عبدالحليم أمباري أن أحياء الملاح تضررت كثيراً بهجرة ساكنيها إلى خارج البلاد تحت ظروف سياسية واجتماعية بالأساس وبسبب سياقات دولية وإقليمية، على رغم مكوث أعداد قليلة من اليهود داخل هذه التجمعات السكنية.
ويقول الباحث نفسه إن إحياء الملاح بعد هذه "الهجرات الكبرى" فقدت بريقها العمراني الذي كانت تحظى به مقارنة مع باقي أشكال المعمار المغربي، وضاعت هويتها الاجتماعية وانحدرت أنشطتها الاقتصادية والتجارية، لا سيما صياغة الذهب والفضة.
وذكر أمباري أن أحياء الملاح تحتاج بالفعل إلى خطة جادة ومسؤولة لإنقاذها من الضياع وخطر الاندثار، من خلال ترميم المباني والعناية بالبنى التحتية، وربط هذه الأحياء بمحيطها الاقتصادي من أجل عودة الحياة إلى تلك التجمعات السكنية من خلال إقامة مشاريع اقتصادية واجتماعية، تعود بالنفع على الملاحات وسكانها الحاليين.
وأبرز الباحث عينه أن أحياء الملاح اليهودية تستحق التكريم والاهتمام الرسمي والشعبي أيضاً، باعتبارها تجمعات سكنية خرجت للمغرب شخصيات عالمية في عدد من التخصصات والمجالات، من بينهم مثلاً مستشار الملك أندري أزولاي، والفنان الكوميدي المعروف جاد المالح، وآخرون.
أطلال أثرية
من جهته، يعزو عبدالرحيم شهيبي تحول الملاحات أطلالاً إلى تركها من طرف قاطنيها الذين هاجروا إلى إسرائيل وبلدان أخرى، أما المتبقون منهم في المغرب فقد خرجوا منها لأنها لم تعد حاضنة لهم لتفكك الأسباب السابقة، والتي كانت جامعة لليهود".
وزاد الباحث ذاته بأن "الإهمال لعب دوراً كبيراً في اندثار الملاحات، مع العلم أن اليهود في غالب الملاحات لم يكونوا مالكين وإنما كانوا مستغلين، على اعتبار أن غالب الأراضي التي أقيمت عليها الملاحات داخل المدن المغربية العتيقة تابعة للأحباس والأوقاف، أما خارج هذه المدن فهي أراضٍ تابعة لزعيم القبيلة أو حتى للزوايا".
بالتالي، يكمل شهيبي، إخلاؤها من قاطنيها يعني عودتها إلى أصلها الذي من المفترض أن يقوم بصيانتها، غير أنه بسبب عدم اهتمام الأوقاف والأحباس بهذا الجانب فمن الطبيعي أن تؤول إلى الاندثار، بل منها ما اقتُحم من طرف أسر أخرى والسكن فيه ضمن ظروف هشة جعلت من الملاحات القديمة وكراً للمنحرفين وبعض الأنشطة المشبوهة.
ولفت المتكلم إلى أنه يتعين الاهتمام بإعادة إحياء الملاحات، على أساس إرساء سياسة وطنية تعد أن الملاحات تراث وطني وذاكرة مشتركة لجميع المغاربة، يهودهم ومسلميهم وكل أطيافهم، بما يمثل إعادة الصدى للذاكرة اليهودية التي طُمست طوال العقود السابقة نظراً إلى ظروف سياسية محلية وإقليمية.