Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

شيخوخة متسارعة تتحدى الرعاية والتقاعد في المغرب

ازداد عدد المسنين بصورة ملحوظة خلال الأعوام الـ10 الماضية

بلغ عدد المسنين في المغرب أكثر من 5 ملايين نسمة، أي ما يقارب 14 في المئة من إجمال السكان عام 2024 (أ ف ب)

ملخص

توقف تقرير رسمي عند ظاهرة لافتة تتمثل في "تأنيث الشيخوخة" بوصفها نهاية لمسار طويل من الهشاشة الاجتماعية، وهي التي تتقاطع مع ما وصفه محللون بالتحول التدرجي نحو 'التفكك الصامت" للتضامن العائلي داخل الأسر المغربية، ما يكرس مظاهر "العيش المنفرد" لدى شريحة المسنين في المغرب.

تسير التركيبة السكانية للمجتمع المغربي نحو الشيخوخة بوتيرة متسارعة "لا رجعة فيها"، وفق تعبير تقرير حديث للمندوبية السامية للتخطيط (مؤسسة حكومية تعنى بالتخطيط)، حيث أفضى الانخفاض المستمر في معدل الخصوبة وزيادة متوسط العمر المتوقع إلى تغيير التركيبة العمرية للسكان، مما أسفر عن ارتفاع متواصل في نسبة كبار السن وتراجع تدرجي في نسبة الشباب.

وتوقف التقرير الرسمي عند ظاهرة لافتة تتمثل في "تأنيث الشيخوخة" بوصفها نهاية لمسار طويل من الهشاشة الاجتماعية، وهي التي تتقاطع مع ما وصفه محللون بالتحول التدرجي نحو "التفكك الصامت" للتضامن العائلي داخل الأسر المغربية، مما يكرس مظاهر "العيش المنفرد" لدى شريحة المسنين في المغرب.

معطيات مقلقة

تفيد المعطيات الرسمية بأنه في عام 2024، بلغ عدد المسنين في المغرب أكثر من 5 ملايين نسمة، أي ما يقارب 14 في المئة من إجمال السكان، وقد ازداد عددهم بصورة ملحوظة خلال الأعوام الـ10 الماضية، بمعدل أعلى بكثير من معدل نمو السكان الإجمالي، ويُعد هذا النمو جزءاً من عملية تحول مستدام، إذ من المتوقع أن يستمر بصورة منتظمة خلال العقود المقبلة.

وكشفت التوقعات الديموغرافية، وفق مندوبية التخطيط، أن عدد كبار السن قد يصل إلى 6 ملايين نسمة بحلول عام 2030، وأزيد من 7 ملايين ونصف بحلول عام 2040، وزهاء 10 ملايين بحلول عام 2050، ليشكلوا حينها ربع سكان المملكة، وهو الواقع الذي يغير بصورة عميقة التوازنات الديموغرافية في البلاد، ويشكل تحديات كبيرة على صعيد السياسات العامة.

جغرافياً، تظهر المناطق الحضرية مستويات شيخوخة أعلى قليلاً من المناطق القروية، نتيجة عوامل عدة، من بينها الهجرة الريفية الكبيرة للأجيال السابقة وتحسن الظروف الصحية بصورة أسرع في المدن، وتسجل منطقتا الشرق وبني ملال نسباً أعلى من المسنين مقارنة بالمعدل الوطني، بينما تظل مناطق الجنوب، التي تتميز بمعدلات خصوبة أعلى وحركات هجرة محددة، شابة نسبياً.

وسجل التقرير الرسمي معطى لافتاً في هذا التحول الديموغرافي يتجسد في "تأنيث الشيخوخة"، فالنساء يشكلن 51.2 في المئة من إجمال كبار السن، وتزداد هذه النسبة مع التقدم في العمر، بالنظر إلى طول متوسط العمر المتوقع لديهن، ويشكل هذا الاختلال المتزايد بين الجنسين تحدياً كبيراً، إذ غالباً ما يصاحبه تعرض النساء المسنات للوحدة والفقر وحاجات رعاية خاصة.

ويكشف تحليل الوضعية الزوجية عن فروق كبيرة بين كبار السن من الرجال والنساء، فبينما الغالبية العظمى من الرجال متزوجون (90.5 في المئة)، لا تزال نصف النساء المسنات فقط في حال زواج، وتبلغ نسبة الأرامل 37.6 في المئة من النساء المسنات، مقابل 4.1 في المئة فقط من الرجال، وهو فرق يبرز هشاشة النساء المسنات اجتماعياً واقتصادياً.

مرحلة انتقالية

يعلق الباحث السوسيولوجي محمد شقير على هذا الموضوع بقوله إن المجتمع المغربي يشهد مرحلة انتقالية تتمثل في تزايد عدد المسنين، ما فوق الـ60 سنة، نتيجة عاملين أساسيين، الأول هو ارتفاع أمد الحياة بسبب تطور المستوى الطبي، وبالأخص وسائل التلقيح، والثاني انخفاض مستوى الخصوبة بسبب التأخر في الزواج، وحتى تزايد نسب العزوف عن الزواج، إلى جانب انخفاض معدل الولادات الذي يقتصر على أقل من اثنين من الأطفال لكل أسرة.

ولفت شقير إلى عامل آخر لا يقل أهمية عن سابقيه، هو زيادة مستوى التحضر على حساب تراجع السكن في المجال القروي، مما ينجم عن ذلك تغيرات في السلوك الإنجابي الذي يعتبر كثرة الأولاد عبئاً مالياً مضاعفاً في غياب وجود أي دعم من طرف الدولة.

واستطرد المتحدث ذاته بأن التوقعات الرسمية تشير إلى ارتفاع عدد المسنين بصورة مضطردة، مع ميل إلى أن هذه الظاهرة سيغلب عليها طابع التأنيث، وكذا الهشاشة المتمثلة في الأمية والفقر مع تراجع الحماية الأسرية والعائلية التي أصبحت تضعف أمام متطلبات الحياة، بخاصة في المدن الكبرى.

ومضى شقير قائلاً إن هذه الظاهرة ستطرح أمام الدولة تحديات عدة تتمثل في ضرورة توفير دور خاصة ومتخصصة لرعاية هذه الشريحة، وما يتطلب ذلك من تخريج أطر طبية وتمريضية مكونة لهذا الغرض، علاوة على أن ذلك سيؤثر سلباً في قوة وتماسك التركيبة الأسرية التي تعتبر من بين أسس المجتمع المغربي وآليات تضامنه وتماسكه.

قول شقير أكدته المعطيات الرسمية التي أفادت بأن التحولات الاجتماعية والتوسع العمراني أديا إلى زيادة ملحوظة في عدد كبار السن الذين يعيشون بمفردهم، لتصل نسبتهم الآن إلى تسعة في المئة، مبرزة أن هذه التطورات تعكس تراجعاً متدرجاً للتضامن الأسري التقليدي، وتنبئ بزيادة الطلب على الخدمات الاجتماعية وآليات الدعم الملائمة للشيخوخة.

تأنيث الشيخوخة

من جهته قال أستاذ علم الاجتماع، مدير مختبر التخصصات البينية في العلوم الاجتماعية في جامعة ابن زهر، زهير البحيري، إن تسارع الشيخوخة في المجتمع المغربي يأتي في سياق تحولات ديمغرافية واجتماعية وقيمية عميقة، لا يمكن ردها فقط إلى تحسن أمد الحياة، بل إلى تحول بنيوي في أنماط الزواج والإنجاب.

يشرح البحيري "أدى الارتفاع المستمر في سن الزواج واتساع التمدرس، بخاصة لدى النساء، وانتشار وسائل تنظيم الأسرة، إلى انخفاض مؤشر الخصوبة إلى 1.97 طفل للمرأة في عام 2024، أي من دون عتبة تعويض الأجيال، وإلى جانب ذلك، أسهم الارتفاع المتواصل في أمد الحياة بتقليص قاعدة الهرم السكاني، إذ أصبحت الشيخوخة ناتجة من انكماش الفئات الشابة بقدر ما هي نتيجة تزايد أعداد المسنين، كذلك أعادت الهجرة القروية توزيع الفئات العمرية مع انتقال الأجيال الشابة نحو المدن، مما أفضى إلى ما يمكن وصفه بـتحضّر الشيخوخة وتفاوتات مجالية واضحة في تجلياتها الاجتماعية.

وأردف السوسيولوجي نفسه بأن الشيخوخة في المغرب لم تعد مجرد معطى إحصائياً بسيطاً، بل تحولت إلى مؤشر بنيوي على تحولات عميقة في بنية المجتمع، وفي أنماط التضامن داخله"، لافتاً إلى "البعد الاجتماعي غير المرئي لهذا التحول، أي آثاره في الرابط الاجتماعي والعلاقات الأسرية وأشكال الإعالة وتجربة العيش في سن الشيخوخة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يتجلى هذا البعد الاجتماعي غير المرئي، وفق البحيري، أولاً في تأنيث الشيخوخة، فالنساء يشكلن الأغلبية بين كبار السن، غير أن طول العمر لا يتحول بالضرورة إلى رفاه اجتماعي، فارتفاع نسب الترمل والعيش المنفرد بين النساء المسنات، لا سيما في الوسط الحضري، يعكس تراكماً تاريخياً لعدم المساواة عبر مسار الحياة.

واسترسل المتحدث بأن تراكم عدم المساواة يتمثل في مشاركة محدودة في سوق الشغل ومسارات مهنية غير مستقرة أو غير معترف بها واستفادة ضعيفة من أنظمة التقاعد واعتماد متزايد على الأسرة أو على موارد هشة، ليخلص إلى أن "الشيخوخة النسائية تظهر بوصفها نهاية لمسار طويل من الهشاشة الاجتماعية، لا مرحلة استقرار وأمن اجتماعي ونفسي".

مسار صامت نحو الهشاشة

يكمل البحيري تحليله بالتأكيد أن "هذا المعطى يتقاطع مع تحول تدرجي لما يمكن تسميته: تفكك التضامن العائلي الصامت''، شارحاً أن الأسرة لا تزال تؤدي دوراً مركزياً في رعاية المسنين، غير أن هذا الدور لم يعد يحمل بالضرورة المعاني نفسها والقدرات السابقة، إذ تشير المعطيات إلى ارتفاع عدد المسنين الذين يعيشون بمفردهم، بخاصة في المدن، وإلى تزايد حالات العزلة الاجتماعية.

وأكمل قائلاً "المقلق هو ذلك التعايش الذي يخفي الهشاشة: مسنون يعيشون داخل أسر مثقلة بالضغط الاقتصادي، حين تتحول الرعاية إلى عبء يومي غير مُعلن، تتحمله النساء أساساً، من دون دعم مؤسساتي واضح"، مردفاً أن "هذا التفكك لا يأخذ شكل قطيعة صريحة، بل يتم على نحو تدرجي وصامت، مما يجعل كلفته الاجتماعية غير مرئية في السياسات العمومية".

ويلاحظ الأستاذ الجامعي بأن "هذه الهشاشة تتعزز داخل سياق اقتصادي يهيمن عليه القطاع غير المهيكل، مما يجعل الدخل في سن الشيخوخة امتداداً لهشاشة سابقة لا قطيعة معها، إذ إن عدداً كبيراً من المسنين، خصوصاً النساء، يصلون إلى هذه المرحلة من دون تقاعد مقبول أو دخل قار، نتيجة مسارات عمل غير مستقرة، وهكذا يصبح الاعتماد على الأسرة ضرورة اجتماعية مفروضة، لا خياراً ثقافياً".

وفي هذا السياق، يضيف المتكلم، "تبرز مسألة الرعاية الصحية وأنظمة التقاعد باعتبارها المجال الأكثر حساسية الذي تتكثف فيه آثار الشيخوخة المتسارعة، فقد ترافق الانتقال الديمغرافي مع ارتفاع واضح في الأمراض المزمنة والإعاقات الوظيفية، مما يخلق طلباً متزايداً على الرعاية الصحية الطويلة الأمد، غير أن المنظومة الصحية، وعلى رغم تحسن نسب التغطية، فلا تزال تعاني اختلالات بنيوية وتفاوتات مجالية، بخاصة في المناطق القروية والنائية.

وذهب البحيري إلى أن الشيخوخة في المغرب ليست مساراً بيولوجياً طبيعياً وحسب، بل سيرورة اجتماعية تكشف سؤال التحول الديمغرافي السريع وبطء تكيّف السياسات العمومية، ومن ثم فإن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في توسيع الخدمات الصحية أو إصلاح أنظمة التقاعد، بل في الاعتراف بالبعد الاجتماعي غير المرئي للشيخوخة، وبناء سياسة اجتماعية منصفة، تخفف العبء عن الأسر، وتضمن انتقالاً كريماً إلى سن الشيخوخة، بدل تركها مساراً صامتاً نحو الهشاشة".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير