Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ملامح الجريمة الجديدة في المغرب "رقمية" وأكثر انحطاطا

ارتفاع واضح في معدلات الجرائم المرتكبة عبر الوسائط الإلكترونية خصوصاً الابتزاز الجنسي والتزوير والتزييف

تفيد الأرقام الرسمية أن الجرائم المالية ناهزت 71317 قضية يتهم فيها 83675 شخصاً (أ ف ب)

ملخص

يرى مراقبون أن "العقل الإجرامي" في المغرب صار يميل أكثر إلى اقتراف الجرائم المنظمة والاقتصادية المتعلقة بالمعاملات الحديثة مقابل استقرار في معدلات الجرائم التقليدية المرتبطة بالأمن اليومي للمواطنين، مما يعني رسم ملامح خريطة جديدة للسلوكيات الإجرامية بالبلاد.

طفت على السلوك الإجرامي في المغرب تغيرات ملموسة ولافتة بدت في ارتفاع واضح بمعدلات الجرائم المرتكبة عبر الوسائط الإلكترونية، خصوصاً الابتزاز الجنسي عبر الإنترنت، وارتفاع جرائم التزوير والتزييف، فضلاً عن ارتفاع في قرارات إغلاق الحدود في وجه المجرمين خلال عام 2024، وفق التقرير السنوي الجديد الذي كشفت عنه رئاسة النيابة العامة في المملكة.

يرى مراقبون أن "العقل الإجرامي" في المغرب صار يميل أكثر إلى اقتراف الجرائم المنظمة والاقتصادية المتعلقة بالمعاملات الحديثة مقابل استقرار في معدلات الجرائم التقليدية المرتبطة بالأمن اليومي للمواطنين، مما يعني رسم ملامح خريطة جديدة للسلوكيات الإجرامية بالبلاد.

خريطة "الجريمة الجديدة"

أورد التقرير السنوي لرئاسة النيابة العامة بخصوص الخريطة الإجرامية لعام 2024 أن هناك استقراراً واضحاً في معدلات ومؤشرات بعض صور الجرائم من قبيل جرائم السرقة والاعتداءات الجسدية، بينما ارتفعت نسب الجرائم المالية والاقتصادية ومنها جرائم التزييف والتزوير، كما ارتفعت معدلات الجرائم المعلوماتية.

وتفيد الأرقام الرسمية أن الجرائم المالية ناهزت 71317 قضية يتهم فيها 83675 شخصاً، مع تسجيل تطور في بعض الصور المرتبطة بالمعاملات المالية الحديثة، وسجلت جرائم التزوير والتزييف والانتحال 10372 قضية خلال 2024.

ورصد تقرير النيابة العامة تطوراً لافتاً في جرائم التزوير والتزييف جراء تعقد المعاملات الإدارية والمالية والرقمية. وعزا هذا المنحى المتصاعد لهذا النمط من الجرائم إلى "التحول الرقمي المتسارع" بالنظر إلى ما يستوجبه من تداول للوثائق الإلكترونية من بعد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

التقرير نفسه توقف عند ملاحظة دالة أخرى تتمثل في ارتفاع جرائم المس بنظم المعالجة الآلية للمعطيات بنسبة 14 في المئة خلال 2014 مقارنة مع السنة التي سبقتها، مورداً أن جنحة الدخول إلى نظام المعالجة الآلية أكثر جرائم المس بنظم المعالجة الآلية للمعطيات ارتكاباً في البلاد.

وسجل التقرير أيضاً ارتفاع جرائم الابتزاز الجنسي عبر طلب مبالغ مالية بواسطة التهديد بإفشاء أو نسبة أمور شائنة، إذ ناهزت القضايا المتعلقة بهذه الجريمة 250 قضية. متابعاً أن القضاء يتصدى لهذه الجرائم، لا سيما في خضم التزايد المتصاعد لهذه الظاهرة الإجرامية جراء التكنولوجيات الحديثة التي تتيح الوصول إلى معلومات الضحايا والتشهير بهم.

على صعيد ذي صلة صدرت أوامر قضائية بسحب جوازات السفر وإغلاق الحدود أمام المجرمين بنسبة ارتفاع ناهزت 81 في المئة عام 2024 مقارنة مع 2023، مما دفع رئاسة النيابة العامة إلى السعي نحو "ترشيد اللجوء إلى هذه الإجراءات التي تمس بحريات الأشخاص وإعمالها في حال الضرورة فقط".

الجريمة التقليدية تتهاوى

تقرأ الباحثة في علم الاجتماع ابتسام العوفير هذه الأرقام الجديدة على أنها "تسير نحو تشكيل خريطة محدثة للسلوك الإجرامي في المغرب، متأثرة بالتحولات والتطورات الرهيبة والمتلاحقة للتكنولوجيات الحديثة التي باتت سلاحاً في يد المجرمين أيضاً".

وتشرح العوفير أن "الجانح الذي كان في الجريمة التقليدية يقوم بالاعتداء المباشر على ضحيته إما بالضرب أو الجرح أو بسرقته، صار يعمد إلى ارتكاب الجريمة ذاتها، أي السرقة والابتزاز، من طريق التكنولوجيا والوسائط الإلكترونية، حتى إن المجرم لا يكاد في أحايين كثيرة يعرف تقاسيم وجه ضحيته.

وأكملت الباحثة أن هذه التطورات التكنولوجية بقدر ما يسرت الحياة على الناس، فإنها خلقت فرصاً جديدة وكبيرة أمام المجرمين والجناة الذين يتربصون بضحاياهم، سواء عبر السرقة أو الابتزاز المالي والجنسي، أو التزوير والتزييف والانتحال.

وتابعت أن جرائم التزوير والتزييف والانتحال التي شهدت تصاعداً لافتاً خلال السنوات الليلة الأخيرة، منشؤها التعاملات الحديثة بين المواطنين، واستغلال البعض لهذه الوسائل من أجل اقتراف جرائم يقع فيها ضحايا بسبب قلة الوعي والمعرفة بالاحتيال والتزوير عبر الوسائط الرقمية.

وتعلق الباحثة على ارتفاع معدلات سحب جوازات السفر وإغلاق الحدود في وجه المشتبه فيهم بالقول إنه "يبرز حاجة العدالة إلى عدم إفلات المتورطين في بعض الجرائم من العقوبة بالهرب خارج البلاد، مما يفسر سحب جوازات السفر أو إغلاق الحدود، غير أنه في المقابل يتعين الحرص على عدم المساس بحرية الأشخاص في التنقل كما هو مكفول في الدستور والمواثيق الدولية".

تبعات العولمة

من جهته يرى أستاذ السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا بجامعة القنيطرة فوزي بوخريص أن من أهم صور جرائم التزوير والتزييف تلك المرتبطة بالإنترنت في إطار ما يسمى الجريمة السيبرانية، والتي تشمل مجموع المخالفات الجنائية التي ترتكب عبر الشبكة مثل التزوير والاحتيال، والاعتداء على سلامة البيانات أو الأنظمة المعلوماتية، علاوة طبعاً على جرائم أخرى مثل نشر الصور الإباحية أو العنيفة المتعلقة بالأطفال، أو الإهانات ذات الطابع العنصري أو المعادي للأجانب، إلخ.

ولفت بوخريص إلى أن العولمة وما يقترن بها من حركية للبشر والبضائع والأموال والمعلومات، خصوصاً في صيغتها الرقمية، كشفت عن أن التهديدات التي تطاول الأمن الداخلي للأفراد في المجتمع، قد تأتي من أي مكان، بل أصبحت هذه التهديدات تصدر من جماعات وأفراد متمركزين في الخارج، مما يفرض على أجهزة الأمن في كل بلد تطوير مصالح متخصصة بمكافحة الجرائم المرتبطة بتكنولوجيات المعلومات والاتصال، من أجل دعم التصدي لهذه الصورة الجديد من الإجرام.

وذهب الباحث إلى أن "من الصعب تقديم تقديرات دقيقة للسلوكيات الإجرامية في المغرب، كما في أي مجتمع كيفما كان"، مردفاً أن "معرفة الظواهر الإجرامية تتجاوز في الغالب مجرد الإدراك الإداري وإحصاء الجرائم المسجلة من طرف الأجهزة الأمنية أو أجهزة النيابة العامة، لأن كثيراً منها يظل مجهولاً بسبب عدم تقديم شكاوى في شأنه، أو لغياب اكتشافه ومعاينته من طرف المصالح المتخصصة".

مرصد وطني للجريمة

يرى بوخريص أن ثمة عوامل تفسر في العادة هذه المعرفة المحدودة بحجم هذه الظاهرة الإجرامية، فالإحصاءات الرسمية حول سرقات السيارات مثلاً تكون قريبة من الواقع بالنظر إلى أن شركات التأمين تفرض شكاية لدى الشرطة من أجل التعويض، أما الاعتداءات ذات الطبيعة الجنسية فهي غير مصرح بها كثيراً بسبب ما تثيره من شعور بالفضيحة أو الحرج أو العار لدى الضحية.

ويمضي الأستاذ الجامعي بالقول إن "الاعتداءات على الممتلكات معروفة أكثر من الاعتداءات على الأشخاص، باستثناء الحالات الخطرة، إذ إن الجنح الصغيرة نادراً ما تكون موضوع شكايات، ولا يتم بالتالي إحصاؤها، في حين أن أهميتها في الحياة اليومية لبعض الأشخاص تسهم في خلق مناخ انعدام الأمن. والمفارقة هنا هي أن السلوكيات الإجرامية وإن كانت مجهولة أحياناً من طرف مصالح الشرطة والقضاء، فهي ليست كذلك بالضرورة بالنسبة إلى المواطنين، الذين تكفي معاينتهم لعينة ولو محدودة من الجرائم، ليتولد لديهم شعور بانعدام الأمن، واعتقاد أنهم غير محميين، وبأنه لا تتم إدانة المدانين في السلوكيات الإجرامية ومعاقبتهم بصورة كافية". وذهب إلى أن هناك حاجة إلى إنشاء مرصد وطني للجريمة، من أجل العمل على تجميع المعلومات المتعلقة بالسلوكيات الإجرامية التي تم تسجيها ومعاينتها من طرف مصالح الشرطة والدرك، وتصنيف هذه السلوكيات الإجرامية بحسب نوعيتها، ووضع مؤشرات تتعلق بأهم ظواهر الإجرام، والكشف عن بعض الاتجاهات بخصوص ارتفاع أو تراجع بعض الجرائم، وفحص إدراك المجتمع للفعل الاجرامي وما يطرحه من شعور بانعدام الأمن".

المزيد من العالم العربي