Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نظرة سكان غرينلاند الفعلية إلى ترمب من شأنها أن تصدمه

عندما قرر دنيس ليهتونن، 30 سنة، الرحيل عن المدينة والعيش في أكثر الأماكن نأياً وعزلة على وجه الأرض، لم يتخيل الظروف القاسية التي كانت في انتظاره، وهو يشرح اليوم السبب الذي حثه على البقاء، وردود الفعل الحقيقية لأهالي غرينلاند على تصريحات الرئيس الأميركي

عدد المنازل ضئيل فعلاً في بعض التجمعات السكنية في غرينلاند (دنيس ليهتونن)

ملخص

بينما يروج ترمب لضم غرينلاند كصفقة استراتيجية، يسرد أحد سكان الجزيرة تجربته في العيش داخل المستوطنات النائية القاسية والفريدة، التي تعتمد على الصيد ومصادر محدودة للمياه والطعام، ويكشف عن مقاومة المجتمع المحلي للتدخلات الخارجية، وتمسكه بثقافته وهويته وسط عزلة جغرافية وقصص حياتية يمكن أن تعلم الزائر الصبر والتكيف.

بدأت رحلتي إلى غرينلاند فعلياً عام 2018، عندما شاهدت صورة لكوكب زحل، التقطها شخص من فناء منزله باستخدام جهاز تلسكوب. وأشعل ذلك شغفي بسماء الليل. وبما أنني مصور، أردت استكشاف أكثر الأماكن فرادة على الأرض، حيث يمكنني العثور على سماء حالكة إلى أقصى الحدود. وبداية، قصدت منطقة لابلاند الفنلندية لرؤية الشفق القطبي، لكنني كثيراً ما عدت أن وجهتي النهائية هي غرينلاند. فتلك الجزيرة الشمالية الشاسعة التي يكسوها الجليد هي أكثر مكان أردت استكشافه على الإطلاق. فأرسلت عدداً من طلبات العمل، مع أنني لم أتقن يوماً لا اللغة الدنماركية ولا الغرينلاندية. وانتهى بي المطاف بأن أعمل في مصنع للأسماك، لتسخر مني عائلتي بعض الشيء، كوني أكره السمك.

مرت نحو ثلاثة أعوام على رحيلي عن مدينة فانتا، مسقط رأسي القريب من هلسنكي، وعلى تفضيلي لحياة أعيشها في قرى صغيرة نائية، في أكثر الأماكن عزلة على وجه الأرض. وأمضيت هذه الفترة متنقلاً في عملي بين مستوطنة وأخرى. واليوم، أراني أضحك ساخراً، لأن هذه الأراضي القليلة السكان تحولت فجأة إلى موضوع نقاش وجدال على المسرح العالمي.

حين تحدث ترمب للمرة الأولى عن رغبته في شراء غرينلاند، سألت عدداً كبيراً من أهل المكان عن رأيهم في الموضوع، لكنني حتى الساعة، لم أسمع أياً كان يقول إنها فكرة سديدة، والانتظار يطول. أما التعليق الأخير لرئيس الولايات المتحدة، حيث قال إن الناظر إلى الساحل يرى "سفناً روسية وصينية في كل مكان"، فيقابله الناس عادة بالقول: "إن ترمب يهذي من جديد".

بيد أن كيتي ميلر، زوجة ستيفن ميلر، أحد كبار المستشارين السابقين لترمب، قررت نشر صورة لغرينلاند ملفوفة بالعلم الأميركي، أرفقتها بكلمة مشبوهة واحدة: "قريباً". وفجأة، اتخذت الأمور طابعاً أكثر جدية، وتوفر سبباً وجيهاً ليعمل الغرينلانديون على إغراق وسائل التواصل الاجتماعي بصور غرينلاند، ملفوفة بألوان علمهم الوطني.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في الواقع، تتعارض الحياة في هذا المكان بصورة جذرية عما اعتاد عليه أي مواطن أميركي. بل أكثر، قد تكون الحياة هنا أسوأ حتى مما كان ليتصوره في أبشع كوابيسه.

فالمياه الجارية ترف يقتصر فعلياً على المدن الكبرى. بالتالي، غالباً ما سترى بحيرة قريبة ومحطة ضخ تنقل المياه إلى ما يعرف باسم "بيت الماء"، وهو مكان يقصده الناس لملء حاويات بمياه ينقلونها للاستخدام المنزلي والاستحمام في مبانٍ مخصصة للعموم. وفي الأماكن التي ليس فيها بحيرات، مثل مستوطنة "ناجات" الصغيرة، يعمد السكان إلى جمع مياه الشرب عبر إذابة جبال جليدية خلال فصل الشتاء.

في سياق متصل، تستخدم الأكياس بدلاً من المراحيض. وعند امتلائها، تُكدس، وغالباً ما توضع إلى جانب نفايات أخرى. وجرت العادة، عبر التاريخ، بأن يُتخلص من النفايات من طريق الحرق. لكن بسبب المخاوف البيئية، باتت تنقل اليوم على متن السفن، وهو ما قد يسبب مشكلة حقيقية في المستوطنات النائية التي قد لا تصل إليها أية سفينة أكثر من مرة خلال العام.

منذ أبريل (نيسان) 2023، عملت في سبعة مصانع مختلفة للأسماك في أرجاء غرينلاند. وأول مكان أقمت فيه كان بلدة مانيتسوك التي تقطنها 2500 نسمة وتضم أربعة متاجر بقالة، وسيارات، ومطاراً صغيراً، لكنني عشت معظم الوقت في مستوطنات يراوح عدد سكانها ما بين عشرات ومئات الأشخاص.

والمستوطنات هذه ليس فيها ممرضون. وفي الحالات الطارئة، يقوم شخص مكلف كتابة وصف عن الوضع الراهن، ويتصل بمركز صحي قريب، على أن يعمل هذا الأخير على إرسال مروحية، إن كانت حالة الطقس تسمح بذلك. أما طبيب الأسنان، فلا يزور المكان إلا لبضعة أيام من كل عام.

وتُدفَّأ المنازل، في معظمها، بحرق وقود الديزل أو البنزين. وليلة رأس السنة الماضية، هوت درجات الحرارة إلى نحو 37 درجة مئوية تحت الصفر. وبسبب انسداد الأنابيب بالأوساخ، لم يسعني أن أدفئ منزلي إلا بشعلة نار صغيرة. بالتالي، سرعان ما هبطت حرارة الجو داخل البيت إلى ما دون الصفر، فأرغمت على النوم، تلك الليلة، في الكنيسة القريبة.

والمستوطنات، في معظمها، تضم متجر قرية صغيراً يعرف باسم "بيلرسيوسوك"، ويبيع عينات صغيرة من مختلف السلع، من أطعمة، وملابس، وعدة صيد للسمك والحيوانات، وحتى بنادق. أما أنواع الفاكهة والخضراوات الطازجة، فلن تجدها دائماً. وكلما ابتعدت نحو الشمال، ازدادت شحاً وقل احتمال العثور عليها. ومتى توافرت، كان سعرها باهظاً، فتجد مثلاً حبة الخيار الواحدة بسعر 36 كرونة دنماركية، أي نحو ستة دولارات (أو 4.5 جنيه استرليني).

ومع اقتراب فصل الشتاء، تصل السفينة الأخيرة للعام إلى أماكن كثيرة خلال ديسمبر (كانون الأول). ويحتفل السكان بالمناسبة عبر إطلاق الألعاب النارية، ويصرخون قائلين "كوجاناك"، شاكرين أفراد الطاقم لأنهم أحضروا لهم أطعمة يخزنونها طوال الموسم، علماً أن السفينة التالية لن تصل قبل شهر مايو (أيار)، بعد ذوبان جليد البحر، أي بعد نحو نصف عام، فيطلق السكان الألعاب النارية مجدداً. لكن في انتظار ذلك، نبقى صامدين باستهلاك الخضراوات المجمدة.

أوصلني عملي إلى مستوطنة "نوتارميوت"، الواقعة على جزيرة صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها 30 شخصاً. ولم يكن فيها أية متجر على الإطلاق. وفي فصل الشتاء، كنا نقطع مسافة 20 كيلومتراً فوق جليد البحر إلى مستوطنة "تاسيـوسا" القريبة للتبضع، فنحمل ما تسنى لنا على متن زلاجات. لكن عندما يرق الجليد في محيط "نوتارميوت"، تصبح المستوطنة معزولة تماماً، ويتعذر الوصول إليها حتى على متن المروحيات.

خلال الأشهر الأربعة التي عشتها في ذاك المكان، لم أقصد متجراً إلا مرتين. حتى أنني امتنعت، في إحدى المرات، عن زيارة المتجر لمدة 82 يوماً. وكانت ثلاجة مصنع السمك تحوي صندوقاً كبيراً من خبز التوست، وغالباً ما كنت آخذ منه علبة إلى البيت، وأتناوله مع لحم الخنزير المعلب. أما المضحك، فهو أننا قلما نأكل السمك الذي ننتجه في هذه المصانع، والقسم الأكبر منه يصدر إلى الدنمارك.

وغالباً ما يقابلك سكان هذه المجتمعات بترحيب حار وسلوك ودي. وتقام مناسبات متكررة تعرف باسم "كافيميك"، تقوم على دعوة الجميع إلى منزل أحدهم للأكل والشرب وتمضية الوقت معاً. وبهذه الطريقة، احتفلت الشتاء الماضي بعيد ميلاد طفل له سنتان من العمر في سافيسيفيك. وأحصيت 36 شخصاً داخل ذلك المنزل الصغير، وسألت أحدهم: "هل سكان القرية كلهم هنا"؟ فنظر حوله لحظة وأجاب: "ينقص ستة أشخاص".

وغالباً ما كنت أخرج للصيد على جليد البحر مع صياد محلي اسمه أولينغواك، وكنا نستخدم كلاباً تجر الزلاجات. وخلال الليل القطبي، يستخدم الصيادون الشباك لصيد الفقمات، لأن شدة الظلام تمنع رصد الحيوانات على الجليد باستخدام البنادق. ولدى عودتنا إلى المنزل لتناول لحم الفقمة مع الرز الذي أعدته زوجته نادوك، أخبرني بأنه قبل ظهور الإنترنت، كان الأطفال يستخدمون عظام الفقمات ليلعبوا. ومع وصول الإنترنت إلى سافيسيفيك بحلول عام 2007، ذهبت عظام الفقمات طي النسيان.

تقع سافيسيفيك على مسافة أكثر من ألف كيلومتر شمال دائرة القطب الشمالي. وخلال خمسينيات القرن الـ20، نقل عدد كبير من السكان الإينويت المحليين قسراً إلى خارج المنطقة، لإفساح المجال أمام إنشاء قاعدة "ثول" الجوية، التي سميت لاحقاً قاعدة "بيتوفيك" الفضائية. ولا يزال الحنين يراود الناس حيال أراضيهم القديمة، حيث يقولون إن الصيد فيها كان أفضل.

وغالباً ما تأخذ المروحيات المتجهة إلى سافيسيفيك استراحة موقتة في قاعدة "بيتوفيك" الفضائية التي تديرها الولايات المتحدة، والتي يتطلب ولوجها تصريحاً خاصاً. ويقوم طاقم القاعدة بتحميل المروحية بالفاكهة الطازجة للمستوطنة، ويوزعون هدايا عيد الميلاد على جميع الأطفال دون سن الـ16 في هذه المنطقة الشمالية النائية من غرينلاند.

قد يبدو رأيي غريباً، لكن وقتاً قضيته هنا علمني أنني لا أحتاج إلى معظم الخدمات الموجودة في المدن – كل تلك الأشياء التي نقنع أنفسنا أننا لا نستطيع العيش من دونها. ما أحتاجه حقاً هدف واضح. وبالنسبة إلي، كان هذا الهدف توثيق الحياة هنا: الناس، وأسلوب حياتهم، والقصص التي يروونها والدروس التي يمكن أن يعلمونا إياها.

وحتى بعد ثلاثة أعوام، لا أزال أشعر بالحماسة كلما وصلت إلى مستوطنة جديدة. وسمح لي عملي في مصانع السمك بالتعرف إلى مجتمعات ما كنت سأتمكن من الوصول إليها أو التواصل معها بطريقة مؤثرة في أي ظرف آخر. وتشكل هذه الأخيرة دعامة للاقتصاد المحلي وتوجد في معظم الأماكن. وغالباً ما تكون زيارة إحدى المستوطنات من دون عمل محفوفة بالتحديات، وقد يكون العثور على سكن صعباً. ومن ثم، عشت طوال أشهر في غرف الغسيل، وغرف الطعام، وفي ضيافة العائلات المحلية، لكنني رسخت صداقات تدوم لمدى الحياة. وفي عيد الميلاد هذا، أهدتني العائلة التي استضافتني قفازات من جلد الفقمة والدب القطبي، وقبل عام، حصلت على فروة رأس دب قطبي كهدية.

بنظر شخص ثلاثيني، قد تبدو حياة من هذا القبيل غريبة. لكن بما أن الإنترنت يصل إلى معظم مستوطنات غرينلاند، يمكنني البقاء على تواصل مع أصدقائي، وهو ما أفعله كل يوم تقريباً. وتجربتي هذه لها طابع اجتماعي إلى حد غريب. ففي معظم الأحيان، أتعرف إلى وجوه بعض الأشخاص في أماكن لم أكن زرتها من قبل، بالنظر إلى قلة عدد سكان المكان ومعرفة الجميع ببعضهم بعضاً، لا سيما في الشمال. والواقع أنني أزور موطني ولو مرة خلال العام، وأستفيد من خدمات لا أجدها في قرى غرينلاند الصغيرة هذه، ومن بينها زيارة حلاق.

تخضع غرينلاند لسيادة الدنمارك منذ 300 عام تقريباً. وأقر الحكم الذاتي فيها عام 1979. ومنذ عام 2009، أقر استفتاء حق مواطني غرينلاند بالاستقلال. ومع أن أهل غرينلاند عموماً لا يكنون للدنمارك مشاعر عداء كتلك الموجهة ضد الولايات المتحدة، لا يزال عدد كبير من السكان غاضبين بسبب التعامل معهم على أنهم مواطنون أقل شأناً من غيرهم. وأهالي غرينلاند لم ينسوا الظلم الذي لحقهم عبر التاريخ، بما يشمل برنامج بقي مستمراً لعقود، وتضمن إقدام السلطات الدنماركية على تركيب وسائل منع حمل لآلاف الفتيات والنساء من الإنويت في غرينلاند من دون علمهن أو موافقتهن. واعتذرت الدنمارك عن هذا الفصل المظلم من تاريخها عام 2025. ومع أنها تدعم المالية العامة لغرينلاند بمنحة سنوية تناهز قيمتها 460 مليون جنيه استرليني، فإن معظم الناس هنا يأملون أن تنال غرينلاند استقلالها في نهاية المطاف.

وأهالي غرينلاند يواصلون النزوح إلى المدن الأكبر حجماً، تاركين مستوطنات كثيرة في مواجهة تناقص حاد في عدد السكان. والاحتمال كبير بأن يكون الزوال مصير بعض من المجتمعات الصغيرة التي عشت فيها. واليوم، تعد مستوطنة "كاغيرلوك" الأصغر على الإطلاق من حيث عدد السكان، ولا تضم سوى عائلة واحدة. وإن غادرت، فالاحتمال كبير بأن تقفل بالتالي، آمل زيارتها قبل حصول ذلك، لأتمكن من توثيق جمالها إلى الأبد.

على أمل أن سأصل إليها قبل الأميركيين.

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير