ملخص
يتحول سباق الدوري الإنجليزي هذا الموسم إلى معركة استنزاف ذهني وبدني بين أرسنال ومانشستر سيتي، مع مباريات متقاربة وضغط جدول خانق قد يقلب الموازين في الأمتار الأخيرة من المنافسة.
مع عودة لاعبي أرسنال إلى غرفة الملابس عقب الفوز على تشيلسي بنتيجة (2 - 1) ألقى ميكيل أرتيتا كلمة سريعة أشاد فيها بهم على انتصار تحقق بعد معركة شاقة، لكن مع ملاحظة خفيفة. فالمدرب الباسكي قال لهم إنهم لم يديروا الدقائق الـ15 الأخيرة بالطريقة التي كان يريدها، لكنه أضاف أن ذلك ليس نقاشاً مناسباً لتلك اللحظة. لكنه ربما يكون نقاشاً سيعود لاحقاً هذا الموسم، وليس لأرسنال فقط.
الضغط النفسي في سباقات لقب الدوري الإنجليزي
ففي سباقات اللقب المعتادة، يصعب ألا يشعر المرء بأن القلق نفسه الذي يعيشه المتصدر سيستنزفه في النهاية. فكثير من المباريات تتحول إلى معارك شرسة، وكثير منها يحسم على الهوامش الدقيقة. وهذا أمر يصعب الاستمرار عليه؛ كأنك تتأرجح على الحافة مراراً حتى تسقط في النهاية.
لكن مانشستر سيتي يعيش الحالة نفسها تماماً. أربع من آخر خمس مباريات له في الدوري الإنجليزي الممتاز كانت معارك حتى اللحظة الأخيرة، باستثناء الفوز السهل بنتيجة (3 - 0) على فولهام. وذلك بحد ذاته أمر غير معتاد لفريق يطارد اللقب بقيادة بيب غوارديولا.
ومع ذلك، بدا المزاج المحيط بسيتي مختلفاً - سواء خارج النادي أو حتى في أحاديث غوارديولا مع لاعبيه - لأن الفريق هذه المرة هو الذي يتولى المطاردة، وقد فعل ذلك من قبل. والمسألة الآن تتعلق بالبقاء قريباً من الصدارة بدلاً من الحفاظ عليها.
موسم استثنائي يعيد تنافسية التسعينيات
لكن كما تغيرت النظرة إلى سيتي على ما يبدو، ربما ينبغي أيضاً أن تتغير النظرة إلى سباق اللقب نفسه، بخاصة مع دخول المنافسة مرحلة الحسم مع تبقي 10 جولات فقط.
قد يكون هذا السباق مليئاً بالفعل بالمنعطفات والتقلبات، بطريقة لم نشهدها حقاً منذ تسعينيات القرن الماضي. وقد أشير بالفعل في هذه الصفحات إلى أن هذا هو أكثر مواسم الدوري الإنجليزي تنافسية منذ عقد.
سلاسل الانتصارات الطويلة قليلة. والانتصارات الساحقة تراجعت كثيراً، إذ لم تشهد سوى ست مباريات فوزاً بفارق أربعة أهداف أو أكثر. وكما يجسد المتصدران حالياً، فإن كثيراً من المباريات تتحول إلى معركة.
وهذا سيكون له تأثيره. فإلى جانب التأثير الذهني، حيث يستنزف التوتر المصاحب لكل مباراة الحافة التنافسية تدريجياً، هناك أيضاً التأثير البدني. حيث أن نهايات المباريات لم تعد تدار بهدوء عبر تدوير الكرة بسهولة، ولا يمكن إخراج اللاعبين الأساسيين لتقليل دقائقهم من أجل إراحتهم.
بل أصبح الأمر أشبه بدفع كل شيء إلى الحد الأقصى طوال الوقت، وبطريقة مختلفة عن معظم تاريخ الدوري الإنجليزي الممتاز في السنوات الأخيرة، لأن الأبطال والمنافسين طوال العقد الماضي كانوا قريبين من حد الكمال.
الفوارق المالية وسلاسل الانتصارات في العقد الأخير
الميزة المالية الضخمة لأندية سوبر ليغ (دوري السوبر الأوروبي)، عندما كانت فرقها في أفضل حالاتها، ترجمت إلى انتصارات كبيرة وسلاسل أطول.
بلغ ذلك ذروته في موسم (2018 - 2019)، حين أسقط سيتي وليفربول معاً نقطتين فقط من أصل 60 في مرحلة الحسم. ويمكن القول إن لحظة الحسم الفعلية للقب كانت أبكر بكثير، حين أبعد جون ستونز الكرة من على خط المرمى أمام ليفربول في الثالث من يناير (كانون الثاني) 2019.
مقارنة تاريخية مع مواسم المنافسة القديمة
لم يكن سباق اللقب الأخير بين أرسنال وسيتي بعيداً من ذلك أيضاً. ففي موسم (2023 - 2024) خسر الفريقان معاً سبع نقاط فقط خلال الفترة نفسها. وفازا في 17 مباراة من أصل 20، مع عدة انتصارات مريحة لكل منهما. وحتى في موسم (2007 - 2008)، كان مانشستر يونايتد وتشيلسي قد فقدا 13 نقطة فقط من أصل 60.
قارن ذلك بموسم (1994 - 1995)، عندما كان الفارق في الأجور بين أسفل الدوري وأعلاه أقل بكثير - 2.85 مرة مقارنة بنحو 4.5 مرة حالياً - حينها خسر بلاكبيرن روفرز ومانشستر يونايتد، الذي كان يلعب من دون إريك كانتونا، معاً 24 نقطة من أصل 60.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
كانت مباريات أكثر بكثير تلعب تحت وطأة توتر أكبر. وقابلية أكبر للخطأ فصنعت دراما أكبر.
كذلك أن بناء مرحلة الحسم كان مختلفاً أيضاً. إذ كان نهج السير أليكس فيرغسون قبل حقبة جوزيه مورينيو عادة يقوم على البقاء قريباً من القمة حتى آخر 10 مباريات، ثم الضغط بقوة.
ولهذا حصد يونايتد 25 نقطة من آخر 30 في موسم (1995 - 1996)، و28 نقطة في (2002 - 2003). لكن أداء منافسيه كان لافتاً أيضاً. ففريق أرسنال العظيم مع مدربه أرسين فينغر جمع 18 نقطة فقط في نهاية موسم (2002 - 2003)، بسجل نتائج احتوى على خمسة انتصارات وثلاثة تعادلات وهزيمتين، بينما حصد نيوكاسل يونايتد بقيادة كيفن كيغان، الذي انتهى موسمه بشكل مأساوي، 17 نقطة بسجل خمسة انتصارات وتعادلين وثلاث هزائم.
ازدحام الروزنامة يعيد التوازن بين الأندية
وعلى رغم أن الدوري الإنجليزي الممتاز لم يعد تماماً إلى مستويات التكافؤ تلك، فإن هناك كثيراً من الأدلة التي تشير إلى أن ازدحام الروزنامة (جدول المباريات) وفر نوعاً من التوازن أمام التفوق المالي. فقد تقلصت آثار الفوارق المالية. ويصبح ذلك أكثر تأثيراً عندما تكون المباريات متقاربة إلى هذا الحد.
ببساطة، عندما تنتقل من فوز صعب إلى مواجهة مرهقة في الأدوار الإقصائية لدوري أبطال أوروبا، ثم إلى فوز صعب آخر، فإن احتمال التعثر في المباراة التالية يرتفع بطبيعة الحال.
وفجأة، تلك الحافة الحاسمة - الإرادة التي تدفع المنافسين غالباً لتحقيق هدف متأخر عندما يحتاجونه - لم تعد موجودة. فقد استنزفت قواهم. كذلك أن رتابة الجدول نفسه تعمل ضد ذلك أيضاً، وقد يفعل جدول المباريات نفسه الشيء ذاته.
في أرسنال، لا يزال بعضهم يعتقد أن الفريق كان سيفوز بلقب موسم (2023 - 2024) لولا كيفية تداخل مباريات دوري الأبطال مع مباريات الدوري المحلي، ففي أول ربع نهائي كبير للنادي منذ 14 عاماً، وضع فريق شاب جديد على هذه المرحلة شحنة عاطفية هائلة في مواجهة صعبة ضد بايرن ميونيخ الألماني - مواجهة لم يعد أحد يتذكرها الآن كثيراً - قبل أن يخسر بعدها مباشرة (0 - 2) على أرضه أمام أستون فيلا بقيادة أوناي إيمري.
جدول مرهق ينتظر مانشستر سيتي
قد يسخر البعض من ذلك، لكن تسلسل المباريات نفسه قد يكون مؤثراً. وسيقول غوارديولا وطاقمه إن الأمر انعكس الآن بالنسبة للناديين، بدءاً من هذا الأسبوع. فبينما يواجه سيتي نيوكاسل يونايتد في كأس الاتحاد الإنجليزي، يلتقي أرسنال مع مانسفيلد تاون. أما نظام "التنس" الجديد في دوري الأبطال فيعني أن سيتي قد يواجه سلسلة مباريات محتملة كالتالي: ريال مدريد (خارج الأرض)، وست هام (خارج الأرض)، ريال مدريد (على أرضه)، أرسنال في نهائي كأس الرابطة، بايرن ميونيخ (على أرضه)، تشيلسي (خارج الأرض)، بايرن ميونيخ (خارج الأرض)، أرسنال (على أرضه)، بيرنلي (خارج الأرض)، ليفربول أو باريس سان جيرمان، إيفرتون (خارج الأرض)، ليفربول أو باريس سان جيرمان، برينتفورد (على أرضه).
وإذا تجاوز الفريق كل ذلك، خصوصاً في موسم يتطلب الكثير من هذه التشكيلات، فإن اللاعبين سيستحقون كل ميدالية يحصلون عليها.
بالطبع لا ينبغي التقليل من شأن رحلات أرسنال إلى سبورتينغ لشبونة أو بودو غليمت، لكن ليس من قلة الاحترام القول إنها ليست بنفس صعوبة مواجهة عمالقة أوروبا.
ومع ذلك قد يشير أرتيتا إلى أن ديسمبر (كانون الأول) 2025 شهد تعاقد سيتي مع المهاجم الأكثر طلباً في الدوري الإنجليزي، أنطوان سيمينيو، والمدافع الأكثر طلباً، مارك غيهي، لتعزيز فاتورة أجور كانت أعلى من فاتورة ناديه بـ70 مليون جنيه استرليني (93.57 مليون دولار) في الموسم الماضي.
لكن النقطة الأوسع، بالنظر إلى كيفية سير المباريات الأخيرة، هي أنه من الصعب تصور حتى هذه التشكيلات الواسعة قادرة على الحفاظ على سلاسل انتصارات طويلة في الدوري خلال هذه الفترات. ومن المرجح أن تحدث تعثرات، وربما تقلبات.
قرارات تكتيكية صعبة في الأسابيع الحاسمة
كذلك ستكون هناك قرارات كبيرة. فهل يجب على أرسنال، على سبيل المثال، أن يحصر مشاركة كاي هافيرتز أساسياً في مباريات الدوري فقط؟ وهل قد يضطر غوارديولا إلى اتخاذ قرارات مشابهة في شأن رودري وإيرلينغ هالاند؟
في كل الأحوال، لهذا كان أرتيتا شديد التركيز على آخر 15 دقيقة لأرسنال أمام تشيلسي، إلى درجة أنه تحدث عنها أيضاً في المؤتمر الصحافي. لكنه أضاف أن الجدول المزدحم لا يترك وقتاً كافياً للتحضير.
وقد ناقش هو وغوارديولا هذا الأمر بينهما بشكل خاص.
واليوم الأربعاء، هناك حالة نادرة حيث ينطلق الفريقان في التوقيت نفسه. وهو مشهد يعيد إلى الأذهان تسعينيات القرن الماضي، في موسم قد يحمل المزيد من تلك الذكريات.
© The Independent