ملخص
تآكل استقرار الوظيفة التقليدية بفعل الأزمات الاقتصادية والذكاء الاصطناعي دفع مختلف الأجيال إلى البحث عن الدخل السلبي وتعدد مصادر العمل بوصفهما وسيلتين لتعزيز الأمان المالي واستعادة قدر من السيطرة في سوق عمل هشة ومتقلبة.
"بصراحة، أحياناً أتساءل إن كان تكبدي عناء السعي إلى مسار مهني مجدياً من الأساس"، هذا ما تقوله لويز* البالغة من العمر 37 سنة. على مدى فترة تزيد قليلاً على 15 عاماً، عملت بلا كلل لتحقيق طموحاتها في مجال التسويق – ونجحت أكثر مما كانت تتوقع. بكل شعور بالواجب، واظبت على بذل الوقت والجهد لتتقدم في الرتب كخبيرة استراتيجية في علامات تجارية كبيرة ومبهرة، وكانت على وشك نيل أول منصب لها كمديرة إبداعية. وتقول: "كان ذلك المنصب هدفي الدائم. لكنني ها أنا ذا، والعالم يتغير. بغض النظر عن مدى أن ما سأقوله مثيراً للإحباط، فعام 2025 لم يعُد تحقيق الأحلام كافياً".
أقول لها إن ذلك يبدو محزناً جداً، ومن دون تردد، تشرح لويز الأسباب التي تجعل قولي صحيحاً "الأمر محزن فعلاً. بدأتُ مساري المهني بعد تخرجي في الجامعة مثلما يفعل الجميع، وفي ذهني أن العمل الجاد وحده كفيل بأن يؤتي الثمار – العمل بجد، وتسلق السلم الوظيفي، وما إلى هنالك كله".
وتتابع لويز "لكن هذا لم يعُد صحيحاً. فحتى إذا حالف الحظ المرء وجمع دفعة أولى من المال لشراء بيت، تصده في الغالب كلف الرهن العقاري، وتنفذ الشركات عمليات تسريح جماعية في لمح البصر، على الأرجح لأن الذكاء الاصطناعي بات قادراً على أداء عمل المرء بسرعة وكفاءة أكبر. كذلك باتت كلف المعيشة باهظة إلى حد لا يترك لأحد فائضاً للاستثمار في معاش تقاعدي من خلال شركة تأمين خاصة، ومن السذاجة الاعتقاد بأن معاشاً تموله الدولة سيحتفظ بقيمته بعد 30 عاماً". تتوقف عن الكلام لالتقاط أنفاسها. "لا بد من تولي المرء أمره بنفسه".
بالنسبة إلى بعضهم، يعني ذلك أن يصبحوا ممن يسمون "عاملين متعددي الارتباطات" polygamous workers – وهذه فئة جديدة من الموظفين تتقاضى رواتب في مقابل تولي وظائف متعددة عبر استغلال ثقافة العمل من المنزل. وتنتشر حالياً مقاطع فيديو كثيرة على تطبيق "تيك توك" ومواقع إلكترونية تعلم الموظفين كيف يعملون في الخفاء، إلى درجة أن الشرطة باتت تتعاون مع أصحاب العمل للتصدي للسلوك الاحتيالي في المكاتب، ففي أبريل (نيسان) الماضي، أنكر موظف مدني تسع تهم بالاحتيال بعد اتهامه بشغل ثلاث وظائف حكومية مختلفة في الوقت نفسه.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أما لويز، فخيارها كان البحث عن طرق لتوليد "دخل سلبي" passive income – أو في الأقل إيجاد وسائل لتحصين دخلها أو "اختطافه" بعيداً من هياكل العمل التقليدية. إنه مال يجنى بجهد ضئيل أو من دون جهد يذكر – أو مال يكسبه المرء أثناء نومه.
تقنياً، ينتج "الدخل السلبي" عن نشاط تجاري أو مهني لا يشارك المرء فيه مشاركة مادية مباشرة. وهو يختلف عن "العمل الجانبي" في أنه ليس عملاً إضافياً يتولاه المرء – في أعقاب جهد أو كلفة أوليين، يفترض أن يتدفق المال تلقائياً وبهدوء. وكثيراً ما كان الدخل السلبي يعني، في الغالب، امتلاك محفظة استثمارية من نوع ما، أو عقاراً مؤجراً يدر مالاً – أي، باختصار، أن يكون المرء ثرياً. أما اليوم، فيكتسب المفهوم معنىً جديداً كلياً.
ليس مفاجئاً أن سوق الدخل السلبي سوق مشبعة – لا يحتاج المرء إلى بحث كثير ليعرف السبب. ومعظمنا، على غرار لويز، قادرون على تعداد أسباب لا تحصى تجعل الحياة تبدو أصعب بكثير مما ينبغي. ويشعر كثرٌ، بحق، بأنهم خدعوا قليلاً. ولا يقتصر الأمر على جيل الألفية مثل لويز. الجـيل "إكس" شهد أيضاً نصيباً سيئاً عند مرحلة مختلفة من السلم الوظيفي – معظم أفراده لا تزال أمامهم 10 أو 20 عاماً قبل التقاعد في سوق للوظائف يقودها الذكاء الاصطناعي ويزداد العاملون فيها شباباً، ومثل جيل الألفية، تقادمت مهاراتهم وأفكارهم بسرعة أمام قفزات تكنولوجية غير مسبوقة.
أما أفراد "الجيل زد"، فلم يشعروا يوماً بشك حقيقي بهشاشة سوق العمل – ولهذا سلكوا طريقاً مختلفاً. فبدلاً من تكريس أنفسهم بالكامل في دوام للعمل يمتد بين الساعتين التاسعة صباحاً والخامسة مساءً كما فعلت الأجيال التي سبقتهم، اكتسبوا سمعة جيل تواجه أخلاقياته المهنية تشكيكاً. لكن ذلك ليس بالضرورة صحيحاً: هم يعملون بجد، لكن ليس بالضرورة في وظيفة تقليدية من ثماني ساعات يومياً. وهم يميلون إلى رفض ساعات العمل الطويلة في وظائفهم الأساسية لأنها ليست مصدر دخلهم الوحيد. والمرونة هي العامل الرئيس، فهم نشأوا وهم يعلمون أن الوظائف لا تستمر مدى الحياة.
"لا ألوم الجيل زد إطلاقاً على ما يسمى مواقف أفراده السيئة في العمل"، هكذا تقول جين*، وهي صديقة في الـ36 تعيش في شرق لندن. "لماذا يعملون أصلاً؟ أين العائد؟". حققت جين أيضاً "حلمها" بأن تصبح كاتبة متفرغة عبر تنويع مصادر الدخل. والآن، في كل مرة نلتقي فيها على العشاء، نتبادل أفكاراً حول الأنشطة التجارية اللازمة لتمويل تقاعدنا.
شريكها، وهو صانع أفلام وثائقية، يستخدم بالفعل تطبيق "غت أراوند" Getaround لتأجير سيارته عندما لا تكون قيد الاستخدام – لقد ركبت الشركة جهازاً يتيح للمستخدمين فتح السيارة وإقفالها باستخدام الهاتف. كذلك يؤجر معدات تصوير بالطريقة نفسها.
ويستثمر كل من جين وشريكها الأموال التي يجنيانها من هذه المصادر شهرياً في صناديق استثمار. ويذهب حسم مباشر بقيمة 200 جنيه استرليني (270 دولاراً) من راتب جين إلى استثمار بعيد الأجل عبر تطبيق "ناتمغ" Nutmeg. وينطوي الاستثمار على مخاطرة – على غرار الاستثمارات كلها – وتتكبد جين خسائر من خلاله. لكنها عرفت أيضاً فترات بلغ فيها دخلها السلبي نحو 30 ألف جنيه استرليني في صورة أرباح.
ويقول أليكس كينغ، مؤسس منصة "جينيريشن ماني" Generation Money، إن ضمان الاستثمار بحكمة – حتى لو من خلال مجرد استخدام حساب ادخار شخصي يتألف من أسهم وسندات – هو الطريقة الأكثر أماناً وشيوعاً والأقل جهداً لتحقيق دخل سلبي. وبنى كينغ منصته خصيصاً لمعالجة المسائل التي أدت إلى هذا الاندفاع في صفوف الشباب بحثاً عن بدائل للأمان المالي. وتوفر "جينيريشن ماني" تعليماً وإرشاداً لتحسين الادخار وإدارة المال بصورة أفضل – وهو أمر تشعر قلة منا بالثقة حياله أو سبق لقلة منا أن تعلمته.
ويقول كينغ، البالغ 35 سنة والذي أمضى أكثر من عقد من الزمن يعمل في قطاع التمويل: "أعتقد بأن الاهتمام بما يتعلق بالتمويل الشخصي كله ازداد بمرور الوقت. يصح ذلك أكثر مما كان عليه لدى جيل والدي – كان من المعتاد أن المرء، إذا التحق بجامعة، فسيضمن تماماً تقريباً وظيفة تستمر لـ30 عاماً ثم يتقاعد في مقابل معاش جيد. لكن، ولا سيما منذ الأزمة المالية عام 2008، انقلب الوضع رأساً على عقب".
ويضيف "اليوم، المعاشات أقل أماناً، والوظائف أقل أماناً، وكلف السكن تفوق القدرة على التحمل، والأجور أكثر جموداً. لذلك أصبح الناس أكثر اهتماماً بالطرق التي تجعلهم مستقلين مالياً. ولا يحمل أفراد ’الجيل زد‘ الذهنية نفسها التي حملتها الأجيال السابقة والمتعلقة بالعمل من الساعة التاسعة إلى الخامسة بإخلاص. في بعض الحالات، ينظر إليهم على أنهم يمنون شركاتهم بحضورهم إلى العمل. بصراحة، أقدر موقفهم إلى حد ما".
وتتلخص المسألة في أن كل جيل يشعر بأنه تعرض لغبن – لكن اليوم، في ضوء أوضاع الاقتصاد العالمي وسوق العمل، والآثار المتتالية لجائحة "كوفيد" والحرب الروسية- الأوكرانية، وأزمة كلف المعيشة، وتخبط الحكومات المتعاقبة مع تنامي الديون الوطنية، يبدو الجميع، بطريقة ما، على حق. ويقول كينغ: "يشعر كثرٌ بقدر من عدم الإنصاف في جيلهم. لذلك يمنحهم البحث عن دخل سلبي، أو إطلاق عمل جانبي، أو تعلم الاستثمار أو التداول إحساساً بأنهم قادرون على التقدم في وضع أقل من مثالي".
ويضاف إلى ذلك التهديد المتنامي والحقيقي الذي يمثله الذكاء الاصطناعي، فتتلاشى الرهانات كلها. فيمتلك الذكاء الاصطناعي القدرة على خفض عدد الوظائف في أية سوق بصورة كبيرة، والقضاء على بعضها كلياً. وعلى رغم أن التغيير ليس وشيكاً تماماً، هو بالتأكيد ليس فكرة مجردة. إن ما يجري، إن دل على شيء، يعزز فكرة افتقار المسار المهني التقليدي إلى الأمان – ويجعل فكرة استخدام مصادر عدة للدخل السلبي أكثر جاذبية.
ومن غير المستغرب أن يعني ذلك بيع كثير من المواد المزيفة تحت مسمى الدخل السلبي. وعلى "تيك توك" و"يوتيوب" و"إنستغرام"، يبدو تحقيق أكوام من الدخل السلبي، بكثير من الصراحة، أمراً في غاية السهولة.
وينشر المستخدمون بأعداد هائلة منشورات عن مخططات يزعمون أنها شديدة الربحية وتدر أحياناً آلاف الجنيهات شهرياً – سواء عبر بيع كتب إلكترونية أو مواد تدريبية معدة سلفاً، أو شراء آلات بيع ذاتي (نعم، هذا حقيقي)، أو استخدام "الدروب شيبينغ" (أو البيع من دون مخزون) dropshipping – حيث يرسل طرف ثالث يعمل مورداً المنتجات مباشرة إلى الزبون – لبيع دفاتر وقمصان وأكواب. وينصح آخرون بإنشاء قنوات "يوتيوب" متعددة باستخدام كلمات مفتاحية شائعة مثل "الضجيج الأبيض [صوت ثابت يساعد في النوم]، أو باستخدام روابط للتسويق في مقابل عمولة على وسائل التواصل الاجتماعي.
أما المؤثرون في مجال الدخل السلبي – أو "المؤثرون الماليون" finfluencers – فيجنون المال، للمفارقة، من الاهتمام الجماهيري من خلال آلاف المشاهدات التي يتقاضون مقابلاً عنها. وبينما قد يكون الوجود المكثف على الإنترنت مصدراً مشروعاً للدخل السلبي، في مقدور تأجير الأصول التي يملكها المرء بالفعل أيضاً أن يدر مئات الجنيهات شهرياً.
يؤجر أحد المعارف المقطورة السكنية المركونة في مدخل منزله في مقابل 45 جنيهاً في اليوم أو الليلة (وهذا شائع على نحو مدهش، ولا سيما لدى جارة من السكان المحليين تستخدم المقطورة "للهروب من أطفالها"). ويؤجر آخرون ممرات السيارات أو أماكن ركن السيارات الخاصة بهم لكسب دخل إضافي. وقد يدر تأجير غرفة فائضة في البيت عائداً يصل إلى 7500 جنيه استرليني سنوياً، معفاة من الضرائب. وهناك أيضاً مواقع مثل "سويمبل" Swimple، يؤجر عبرها أثرياء مسابحهم الخاصة. وعلى رغم أن ذلك ليس دخلاً سلبياً بالمعنى الدقيق، يستخدم كثرٌ مواقع مثل "كات إن أي فلات" Cat in a Flat، يتقاضى من خلالها المرء أجراً للإقامة في منزل شخص آخر والعناية بقطته، ويمكنه أن يجني أكثر من 100 جنيه في عطلة نهاية أسبوع واحدة – وأكثر خلال الأسبوع (وهذا خيار ممتاز لمن يستطيعون العمل من أي مكان).
ويحذر كينغ من "المؤثرين المريبين على وسائل التواصل الاجتماعي"، كما يسميهم، الذين يبيعون في الغالب مواد تدريبية حول كيفية تحقيق الدخل السلبي، قائلاً إنهم "قد يكونون مفترسين إلى حد كبير". ويضيف "هناك بالتأكيد عنصر يتطلب الحذر الشديد قبل الاشتراك في عروضهم. لو كانت هذه المصادر – مثل شراء آلات البيع الذاتي مثلاً – تدر عليهم فعلاً هذا المال كله، فهل كانوا سيخبرون آلافاً مؤلفة غيرهم عنها؟ لا". الخلاصة: استخدموا عقلكم، إذا بدا الأمر جيداً أكثر مما ينبغي، فهو كذلك في الغالب.
لكن إذا أدير الدخل السلبي على نحو صحيح، وترافق مع مزيد من التثقيف حول كيفية إنجاحه، فقد يكون أكثر بكثير من مجرد رمز للمكانة الاجتماعية، إذ قد يشكل خطوة أولى نحو تعميم الاستقرار المالي.
وبالنسبة إلى معظم الناس، سواء كان المرء في بداية مساره المهني أو يقترب من التقاعد في سوق وظائف قاتمة ومستنزفة، لا يقتصر الأمر على حفنة إضافية في الجيب، بل يتعداه إلى وسيلة تمنح شعوراً أكبر بالسيطرة في عالم مضطرب في أحسن الأحوال.
أما لويز، فقد عنى توليها أمرها بنفسها إكمال مادة تدريبية قصيرة في الاستثمار ثم إنشاء محفظة صغيرة، إضافة إلى تسجيل شقتها على موقع يستكشف فيه مخرجو التلفزيون والسينما مواقع للتصوير. ليس الدخل السلبي تماماً مالاً يجنى أثناء النوم، "بل هو"، كما تقول، "مال في جيبي أكثر موثوقية من الزيادة المقبلة في راتبي. باتت الفرص متاحة أمامي من جديد". تقول ذلك وتضحك.
*جرى تغيير بعض الأسماء
© The Independent