ملخص
أدت العمليات العسكرية الحكومية الأخيرة في سوريا إلى نزوح عشرات الآلاف من السكان وبخاصة الأكراد من مناطقهم، وآخرون من مناطق نزوحهم، لا سيما أولئك الذين كانوا في الطبقة والرقة، إضافةً إلى نزوح داخلي في المدن والمناطق الكردية خشية اقتراب الأعمال العسكرية منهم. وفي ظل ضعف المساعدات الدولية يسعى إقليم كردستان للوقوف إلى جانبهم من خلال المؤسسات الخيرية.
داخل أروقة إحدى مدارس مدينة القامشلي، ووسط أجواء رطبة وباردة جداً افترشت عائلات نازحة صفوف المدرسة الباردة على عجل التي خُصصت لإيواء الهاربين من الحرب. وعلى رغم وصولهم منذ أسبوع تقريباً إلى منطقة الجزيرة السورية فإنهم قضوا أوقاتاً سيطر عليها الرعب والخوف والبرد الشديد أثناء تنقلهم ما بين الطبقة والرقة والحسكة وصولاً إلى القامشلي وبقية المدن والبلدات في تلك المنطقة.
بعض هذه العائلات خاضت رحلة النزوح القاسية للمرة الرابعة خلال أعوام الحرب في سوريا، فمعظم هؤلاء كانوا من ريف عفرين الفقير وهَجروا مناطقهم أثناء العملية العسكرية التركية التي عُرفت بـ"غصن الزيتون" عام 2018 وانتقلوا إلى مخيمات النزوح في ريف تل رفعت والشهباء، حيث تجاوز عددهم الـ100 ألف شخص، وآخرون استقروا في حيَي الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب، وعند بدء عملية "فجر الحرية" التي أطلقها الجيش السوري بعد أيام على انطلاق عملية "ردع العدوان" التي أوصلت الرئيس أحمد الشرع إلى الحكم في دمشق، فرّ معظم هؤلاء النازحين وقتها من تلك المنطقة إلى ريف الرقة والطبقة وبعضهم إلى حلب والحسكة وقسم قليل منهم عاد إلى عفرين، ومع الهجوم الأخير للقوات الحكومية على شرق الفرات انتقل هؤلاء النازحون إلى مدن الجزيرة لا سيما القامشلي.
نزوح تحت جنح الخوف
تبدو وجوه وهيئات هؤلاء النازحين المتوزعين على مراكز الإيواء متعبة ومنهكة من البرد والجوع والخوف الذي تجمع في هيئاتهم النحيلة، حيث إن غالبيتهم من النساء والأطفال وكبار السن.
بلغة عربية هشة تتحدث خديجة محمد ذات الـ50 سنة عن معاناتها المتجددة مع النزوح من مدينة إلى أخرى ومن خيمة إلى أخرى، ومن مخيم لجوء إلى مركز للإيواء.
لكن لحظات نزوحها تحت جنح الليل وأصوات القذائف والرعب الذي كان يلاحقهم، لا سيما وأن المركبة التي كانت تقلهم تعطلت بهم في الطريق الطويل بين الطبقة والحسكة، لا تفارق هذه السيدة، فتقول "أثناء الانتقال كنا نشعر بالخوف الشديد مع صعوبة حال والدتنا المريضة وتعطلت بنا السيارة وأصوات الانفجارات وبكاء الأطفال الصغار مع فقدان الحليب والتدفئة حيث وصلنا بصعوبة بالغة".
أصبحت هذه السيدة كمَن تنقل صغارها من مكان إلى آخر تجنباً للحريق الذي يلاحقهم طوال هذه الأعوام، فهذه المرة الثالثة التي تنزح مع عائلتها من عفرين والشهباء والطبقة "ولدينا أطفال صغار لا يتلقون التعليم وحالتنا مزرية".
نزوح متعدد
بلغ عدد النازحين من مدينة الطبقة والذين تعود أصولهم إلى مدينة عفرين 5497 عائلة، تضم 21447 شخصاً بحسب الأرقام الرسمية التي حصلنا عليها من "مكتب التنسيق للشؤون الإنسانية" (OCHA) جرى توزعيهم على نحو 222 مركز إيواء (مدرسة، جامع، ومبنى حكومي...) لكن هذا العدد غير نهائي خصوصاً وأن المكتب يتلقى يومياً تحديثات لهذه الأرقام من خلال المنظمات المحلية التي تقدم المساعدات الإنسانية. واستضافت المجتمعات المحلية عشرات آلاف النازحين الموقتين من القرى والبلدات الجنوبية، لا سيما مدينة الحسكة التي شهدت نزوحاً كبيراً من أحيائها إضافة إلى القرى المفتوحة على السهول القريبة من نهر الخابور وجبل عبدالعزيز، حيث دارت خلال الأيام الماضية اشتباكات بين "قوات سوريا الديمقراطية" والقوات الحكومية ومؤازريها من مسلحي العشائر، أدت إلى نزوح عائلات أخرى من تل تمر ومنطقة زركان إلى مدن كالدرباسية وعامودا وتربه سبي وديريك الواقعة في أقصى شمال شرقي البلاد والمتاخمة لتركيا والقريبة من حدود كردستان العراق، التي اكتظت بالنازحين.
على الجانب الآخر نزح سكان عرب من هذه المدن والقرى نحو مناطق سيطرة الحكومة السورية خشية اندلاع مواجهات قد تطاولهم شراراتها.
وبحسب التقديرات فإن القامشلي وحدها شهدت نزوح ما لا يقل عن 100 ألف شخص خلال الأيام القليلة الماضية حيث انتقل كثر منهم إلى منازل أقاربهم أو معارفهم من الأهالي إضافة إلى مراكز الإيواء.
حصار "كوباني"
لكن المنطقة التي تأثرت كثيراً بعمليات الحكومة السورية هي عين العرب (كوباني) وريفها التي أصبحت، عقب انهيار "قوات سوريا الديمقراطية" في الرقة والطبقة ثم الانسحاب من "سد تشرين"، تحت ضغط الجيش السوري، مما أوقعها في حصار مطبق، إذ انقطعت جغرافياً عن بقية مناطق "الإدارة الذاتية" الكردية، وأدى ذلك إلى انقطاع الكهرباء والماء بعد فقدان السيطرة على "سد تشرين". وتفاقمت الأوضاع في "عين العرب" وريفها المحاصر من كل الجهات، حيث الحدود التركية من الشمال والجيش السوري من الأطراف الثلاثة الأخرى، بعد سقوط الثلوج وموجة برد قارس أدت بحسب السلطات الصحية إلى وفاة خمسة أطفال جراء البرد لا سيما وأن نازحين كثراً كانوا ينامون في الشاحنات والمركبات إضافة إلى نقص حادٍ في الأدوية ونفاد الوقود والطحين من معظم الأفران.
لكن الأمم المتحدة نجحت أمس الأحد في إدخال قافلة مساعدات مكونة من 24 شاحنة، تحمل مواد طارئة وتقل أغذية وأدوية ووقود.
وأعلنت الحكومة عن تحديد ممر إنساني يربط مناطق "عين العرب" (كوباني) بالمناطقة الخاضعة حديثاً لسيطرة الجيش في الريف الجنوبي للمدينة، وأعلنت هيئة العمليات التابعة للجيش عن ممر إنساني آخر في مدينة الحسكة أيضاً دون تحديد آلية عملها أو تفاصيلها، لكنها مخصصة فقط لإدخال المساعدات والحالات الإنسانية وفق الإعلان.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
المساعدات الكردية
وأمام عشرات آلاف النازحين الذين تأثروا بالعمليات العسكرية الحكومية المباغتة بدت المساعدات المنقذة متواضعة أمام حجم النزوح والصدمة التي شهدتها المجتمعات المحلية، لكن كثيراً من المبادرات المحلية بدأت بجمع المساعدات للنازحين الوافدين إلى جانب الهلال الأحمر الكردي الذي بات عبء الأوضاع الإنسانية والصحية يثقل كاهله. وأدخلت "مؤسسة بارزاني الخيرية" الأربعاء الماضي قرابة 67 شاحنة محملة بالمواد الغذائية والمواد الشتوية والتدفئة عبر معبر "سيمالكا- فيش خابور" مع كردستان العراق.
ودخلت أمس 39 شاحنة أخرى تحمل المساعدات من المنظمة ذاتها، بما فيها المشتقات النفطية، كوجبة ثانية من المساعدات التي تستند بدورها إلى حملة ضخمة من المساعدات تقدمها المؤسسات المدنية والأهلية وحملات شعبية ينضم إليها المواطنون والجهات المدنية في إقليم كردستان العراق.
أكثر من مساعدات
ويقول موسى أحمد رئيس "منظمة بارزاني الخيرية" إن أسباباً عدة دفعتهم لدخول المنطقة وتقديم المعونات الطارئة للنازحين فيها، أولها فضل أكراد سوريا على سكان إقليم كردستان العراق خلال عقود سابقة، عندما كانوا يعانون سياسات النظام العراقي السابق، ووقوفهم إلى جانبهم في أحلك الظروف، إضافةً إلى أن واجب الجيرة يفرض عليهم القدوم، ومؤسسة "بارزاني الخيرية" مرخصة لدى الحكومة السورية وتمكنت من تقديم المساعدات مع وقوع الزلزال في فبراير (شباط) 2023.
وتحمل المساعدات المقدمة من هذه المؤسسة أصنافاً متنوعة من المواد كنوع من التدخل الطارئ مثل الطحين والمواد الغذائية الجاهزة والألبسة الشتوية والمواد الصحية إضافة إلى 12 ألف خيمة والمشتقات النفطية، لا سيما المازوت والبنزين، والمقدمة كمساعدة عينية من حكومة إقليم كردستان العراق بقرار من رئيسها مسرور بارزاني، حيث يجري تقديم معظمها بالتنسيق مع فرق الهلال الأحمر الكردي.
جسور في الصراع
ويُعرِب موسى أحمد الذي يملك خبرةً في التعاطي مع حالات الكوارث في المنطقة عن ارتياحه لتمكن طواقم المنظمة من الوصول إلى هذه المناطق، مشيراً إلى عدم وجود عوائق جدية أمام الوصول إلى النازحين، كذلك عدم تعرضهم لأي ضغوط تَحدّ من وصولهم إلى المناطق الكردية في سوريا، لا سيما وأن وجودهم رسمي في عفرين وحلب أيضاً، متوقِعاً أن "يستمر هذا الوجود بصورة دائمة بسبب حاجة السكان الدائمة لتقديم المساعدات جراء الأوضاع الاقتصادية المتدهورة حيث المنطقة من أفقر المناطق في سوريا، ولبناء جسور التواصل الإنساني مع سكان هذه المنطقة".
العودة أهم
وعلى رغم جهود تأمين المأوى والمساعدات العاجلة للنازحين في هذه المنطقة، فإن شعور الأمان لا يزال مفقوداً لدى كثير منهم، وبخاصة أن المعارك لم تنته ولم يُعقد اتفاق سلام واضح بين دمشق و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) حتى الآن.