Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

خريطة طريق خروج ليبيا من قوائم الدول الخطرة عالميا

يدعو مراقبون إلى توحيد المؤسسة الأمنية والحكومة و"استغلال ورقة النفط"

رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية عبد الحميد الدبيبة إلى جانب مبعوث الرئيس الأميركي مسعد بولس خلال حضورهما قمة الطاقة والاقتصاد في العاصمة الليبية طرابلس، في 24 يناير الحالي (أ ب)

ملخص

أكد "مؤشر هينلي" (لتصنيف جوازات السفر) لعام 2025 أن ليبيا من بين الدول الأضعف عالمياً في مجال حرية التنقل، ليتم بذلك استثناؤها من قوائم الدول الآمنة.

قال رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، مسعود سليمان، مساء أول من أمس السبت، على هامش انعقاد قمة الطاقة والاقتصاد في العاصمة الليبية طرابلس، إن "ليبيا استعادت مكانتها على خارطة الاستثمار العالمي في قطاع الطاقة، نفطاً وغازاً"، بينما رد مراقبون أنه على رغم ذلك ما زالت ليبيا ضمن قائمة الدول الأفريقية الـ10 ذات مستويات الجريمة الأعلى مع بداية عام 2026، وفق المؤشر العالمي لجودة الحياة "نومبيو".

وأكد مؤشر "نومبيو" أن تذبذب الاستقرار السياسي وتواصل الصراع بين مختلف الفصائل الليبية المسلحة جعل مؤشر الجريمة في البلاد يبلغ 55.8 نقطة، في حين استقر مؤشر الأمان عند 44.2 نقطة، مما دفع العالم الغربي إلى اعتبار ليبيا من أخطر الدول التي يمكن السفر إليها والعيش فيها بسبب استمرار عمليات الخطف والهجمات المسلحة ونشاط الميليشيات، وجاءت ليبيا في الترتيب بعد جنوب أفريقيا والكونغو ونيجيريا والكاميرون وأنغولا ونامبيا والصومال وموزمبيق وزيمبابوي.

"دولة خطرة"

واستند تصنيف ليبيا المنقسمة على نفسها منذ سقوط نظام الرئيس السابق معمر القذافي عام 2011، كـ"دولة خطرة"، إلى عناصر عدة، منها سيطرة الميليشيات والفساد المالي والسياسي، إذ تراجعت ليبيا إلى أدنى مستوياتها في التصنيف العالمي لمؤشر الفساد، فحسب تقرير لمنظمة الشفافية الدولية لعام 2025، تحتل ليبيا المرتبة 173 من أصل 180 دولة.
كذلك في حوادث المرور، تصدرت ليبيا قائمة الدول الأكثر خطورة وأتت في المرتبة الثانية عالمياً، مع 34 حالة وفاة لكل 100 ألف نسمة، (عدد سكان ليبيا 7 ملايين نسمة)، بينما تصدرت غينيا الترتيب، بحسب تقرير منظمة الصحة العالمية الصادر أواخر عام 2024.

حظر السفر

وأكد "مؤشر هينلي" (لتصنيف جوازات السفر) لعام 2025 أن ليبيا من بين الدول الأضعف عالمياً في مجال حرية التنقل، ليتم بذلك استثناؤها من قوائم الدول الآمنة.
وكانت المؤشرات الدولية كافية لتصنيف ليبيا ضمن قائمة الدول الخطرة عالمياً، إذ صدرت أخيراً تحذيرات دولية عدة من السفر إليها، إذ جددت وزارة الخارجية الأميركية إدراج ليبيا في المستوى الرابع على قائمة "لا تسافر" (level 4 , no travel ) في يناير (كانون الثاني) 2026 بسبب الجريمة والإرهاب وعمليات الخطف والنزاعات المسلحة، ووجود ذخائر غير منفجرة، وهو أعلى مستوى تحذيري.

وحثت الخارجية الأميركية مواطنيها الموجودين في ليبيا على مغادرتها فوراً عبر الوسائل التجارية المتاحة، وهي تحذيرات تأتي في سياق استمرار حال عدم الاستقرار السياسي والأمني في البلاد.

من جانبها، حذرت السفارة الفرنسية في ليبيا أخيراً مواطنيها من السفر إلى ليبيا، مصنفةً كامل التراب الليبي ضمن "المنطقة الحمراء"، وهي أعلى درجات التحذير، مما يعني منع السفر إليها بالكامل لأي سبب كان، واضعةً مدينتي مصراتة وبنغازي ضمن "المنطقة البرتقالية"، التي يُمنع السفر إليها إلا في الحالات الاضطرارية القصوى، موصيةً بأخذ أقصى درجات الحيطة والحذر والالتزام الصارم التوجيهات الأمنية. المملكة المتحدة أوصت بدورها رعاياها بعدم السفر نهائياً إلى ليبيا على خلفية ارتفاع التوترات الإقليمية.

عوامل داخلية وخارجية

وبخصوص استمرار تصنيف ليبيا على قوائم الدول الخطرة، قال عميد كلية العلوم السياسية بجامعة نالوت، إلياس الباروني، إن كثيراً من التصنيفات الغربية والتحذيرات التي صدرت أخيراً (مثل التحذيرين البريطاني والفرنسي) تستند إلى تقييمات رسمية لأخطار أمنية وسياسية متواصلة في البلاد، يأتي في مقدمها ضعف الأمن، بسبب الانتشار الواسع للجماعات المسلحة غير النظامية والميليشيات المتعددة في مناطق عدة بليبيا، بما فيها العاصمة طرابلس.

ونوّه بأنه "على رغم وقف إطلاق النار، تبقى المواجهات المحلية بين هذه الجماعات ممكنة في أي لحظة مع تداعيات مباشرة على الأمن المدني والمرافق الحيوية، هذا الضعف الأمني يجعل أي تقييم خارجي للوضع يشير إلى أخطار عالية مثل الإرهاب، واحتجاز الأجانب، أو عمليات سرقة وخطف، مما يؤدي إلى تصنيف البلاد كمنطقة غير آمنة للسفر أو الاستثمار"، ويضيف أن "الانقسام السياسي المتمثل بالانقسامات بين القوى السياسية والفصائل المسلحة، حال دون تنفيذ سياسات موحدة أو إصلاحات مؤسساتية ذات فعالية، فضعف الهيكل السياسي يجعل من الصعب على الدولة الليبية فرض سيطرتها سواء في الجانب الأمني أو الاقتصادي أو حتى في إدارة الحدود"، مشيراً إلى أن "الدول التي تُصنَّف ذات أخطار عالية عادة ما تكون صاحبة مؤسسات ضعيفة، أو غير قادرة على حماية مواطنيها والمقيمين فيها على غرار ليبيا".

ولاحظ الباروني أن "تقارير حقوق الإنسان تُبرز مشكلات خطرة في مراكز الاحتجاز التي تدور بها انتهاكات لحقوق المحتجزين، إلى جانب قصور في نظام العدالة"، موضحاً أن "مثل هذه القضايا تزيد من تدهور صورة الدولة أمام المجتمع الدولي وتؤثر في تصنيفها في التقارير العالمية".
أما بالنسبة إلى العوامل الخارجية وتأثيرها في هذا التصنيف الدولي، فقال المتخصص بالعلوم السياسية إن "ليبيا تُعد نقطة عبور مهمة للهجرة غير النظامية من أفريقيا إلى أوروبا، وهو ملف أمني وسياسي حساس"، مشيراً إلى أن "هذا الربط بين الأمن ومشكلات الهجرة عزز اهتمام الدول الغربية بتصنيف ليبيا كـمنطقة عالية الأخطار، لأنه يرتبط مباشرة بأمن حدودها وتهريب الأسلحة والمهاجرين".

الإصلاحات 

وفي إجابة عن سؤال، ماذا يعني الخروج من قوائم الدول الخطرة بالنسبة إلى ليبيا؟ لفت الباروني إلى أن "هذا الأمر ليس مجرد شعار، بل نتيجة إصلاحات عدة مترابطة على المستويين الداخلي والخارجي، على غرار الاستقرار السياسي، والتوصّل إلى توافق سياسي واسع عبر حكومة وحدة وطنية قوية تعمل بنظام حكم معترف به دولياً لتقود البلد نحو انتخابات شاملة وموثوقة، مؤكداً أن "الاستقرار المؤسسي يُرسل إشارات قوية إلى الأسواق والدول الأخرى بأن ليبيا أصبحت دولة قابلة للتعاون الدولي".
ورأى الباروني أن "الخروج من هذا التصنيف يشير إلى أن ليبيا دولة ذات سيادة فعلية على أرضها، وذلك لن يحدث إلا عبر حل أو دمج التشكيلات المسلحة ضمن مؤسسة أمن وطني موحّدة تعمل على تقليل العنف والانقسامات المسلحة عبر قيادة موحدة تتحكم بالحدود وتعزز الأمن الداخلي، لأن الدول والهيئات الدولية تنظر إلى الأمن كأحد أهم المعايير في توصيف أخطار السفر والاستثمار".

ودعا إلى "تطبيق إصلاحات قانونية وإنسانية تمر بتحسين نظام العدالة، ومعالجة أوضاع مراكز الاحتجاز بما يتماشى مع المعايير الدولية، إضافة إلى التعاون مع المؤسسات الدولية مثل المحكمة الجنائية الدولية بطرق شفافة ومستقرة"، وقال إن "هذه الخطوة تتحول إلى مؤشر إلى احترام القانون، وهو عامل مهم في تخفيف التصنيف الأمني".
وأكد المتحدث ذاته أن "خروج ليبيا من قوائم الدول الخطرة ممكن لكن الطريق طويلة جداً، إذ يتطلب الأمر إرادة سياسية قوية وتنازلات متبادلة وإصلاحات حقيقية داخل المؤسسات العسكرية والأمنية، وإعادة بناء الثقة بين الأطراف المختلفة والمجتمع الدولي". وقال إن "الخروج من قائمة الدول الخطرة ليس فقط مسألة علاقة خارجية، بل نتيجة أساسية لحال الاستقرار الداخلي التي يجب أن تحققها ليبيا أولاً". 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ورقة النفط

وللخروج من هذا التصنيف الدولي لليبيا كدولة خطرة، أوصى اللواء المصري محمد عبدالواحد، المتخصص بالشؤون الإقليمية، بأنه "يجب استغلال ورقة النفط الليبي التي تعد جودتها محل إعجاب لدى العالم الغربي"، مشيراً إلى أن "وصول كثير من الشركات الدولية السبت إلى ليبيا للمشاركة في قمة الطاقة والاقتصاد، يشكل فرصة للدولة الليبية لتحسين صورتها لدى العالم الغربي، حتى تتجاوز هذا الإدراج كدولة خطرة".
وقال إن "ليبيا يجب أن تسلك سلوكاً يوضح بأنها دولة حديثة وفقاً لمقتضيات القانون الدولي بمعنى أنها دولة تستطيع أن تسيطر على القوة الأمنية والسياسية بالكامل، كاحتكار السلاح، وفرض وجودها على كل أقاليمها"، منوهاً بأن "هذه السيطرة يمكن أن تتجلّى في الأماكن الخدمية، من مطارات وموانئ، وأيضاً تحكماً في العملية الاستثمارية لجلب دول للاستثمار في ليبيا".
ويتابع أن "الاستثمار الخارجي قادر على رفع الدولة الليبية من هذا التصنيف العالمي الخطر"، مستدركاً أن "الأمر يتطلب تضافر عناصر عدة، بمعنى أنه يجب أن تسير المسارات السياسية والأمنية والاقتصادية بصورة متزامنة". 

ولفت عبدالواحد إلى أن "العامل الأمني شرط أساس لينظر الغرب إلى ليبيا كدولة حديثة، بمعنى توحيد المؤسسة العسكرية تحت قيادة واحدة حتى تثبت للعالم أنها تحولت من الفوضى إلى الديمقراطية، وذلك بإنهاء وجود المرتزقة والميليشيات، عبر نزع سلاحها، وإيجاد حل لها، إما بالتسريح وإما الدمج في صلب مؤسسة أمنية وعسكرية واحدة". 
ولاحظ أن "سيطرة الدولة المركزية على كل المرافق السيادية وعلى رأسها الموانئ النفطية، التي تعد ورقة قوية يمكن أن تحصل من خلاله ليبيا على مزايا كبيرة جداً من الغرب، إضافة إلى الحفاظ المستمر على المستوى الأمني في ليبيا بمعنى تقليص نسبة انتشار الجريمة والاغتيالات السياسية والأمنية وخطف الأجانب، مما يمكن أن يسهم في تحسين ترتيب ليبيا كدولة آمنة يمكن السفر إليها".
وأوضح عبدالواحد أن "الشرعية السياسية ووحدة القرار مؤشران في غاية الأهمية إلى ضمان خروج ليبيا من الوضع الحالي، إذ يُنظر إليها حالياً كدولة ذات حكومتين، حكومة في الشرق وأخرى في الغرب، وهذا عامل في حد ذاته من المنظور الدولي خطر"، وشدد على أهمية وجود حكومة واحدة معترف بها داخلياً وخارجياً، وفق خارطة سياسية وأمنية تفضي إلى انتخابات وطنية تُحترم نتائجها حتى ينظر الغرب إلى ليبيا نظرة متقدمة، على حد تعبيره.

المجتمع الدولي

ودعا المتحدث ذاته إلى أن "تعمل ليبيا على تحسين علاقاتها بالمجتمع الدولي، حتى تثبت أنها قادرة على التفاعل مع الأحداث الدولة والإقليمية، وذلك من خلال استضافة الدولة عدداً أكبر من السفارات وتعزيز حماية الدبلوماسيين، إضافة إلى تكثيف اتفاقات تعاون مشتركة وشراكات اقتصادية خاصة في مجالات تجذب الغرب مثل مكافحة الإرهاب ومكافحة الجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية"، منوهاً بـ"أهمية تطوير الخدمات والمرافق مثل الكهرباء والصحة والمطارات والتعليم".
"ليبيا لا تصنَّف كدولة خطرة بسبب شعبها بل بسبب غياب الدولة الموحدة وتفكك السلطة والقرار"، هذا ما أكده المرشح لرئاسة الحكومة الليبية محمد المزوغي، مشدداً على أن "الخروج من هذه القوائم يبدأ من الداخل عبر مسار سياسي وأمني واضح وليس عبر التصريحات"، وتابع أن "أهم الخطوات تتمثل في توحيد السلطة التنفيذية في حكومة ليبية موحدة جديدة ناتجة عن توافق وطني أو تفويض شعبي"، داعياً إلى "إنهاء ازدواجية الشرعية والأجسام المتنازعة، لأن الانقسام يُنظر إليه دولياً كفراغ قانوني يهدد الاستقرار".

وطالب بفرض "حد أدنى من الاستقرار الأمني، وضبط السلاح ومنع استخدامه في الصراع السياسي، وبناء شراكة حقيقية مع المجتمع الدولي في ملفات الأمن والهجرة ومكافحة الجريمة من موقع الدولة لا من موقع التبعية لتقديم ليبيا كـشريك موثوق للعالم يحترم التزاماته الدولية، لا كأزمة مفتوحة أو خطر محتمل".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير