Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حين تكون السبعون بدايتك: آلن ليفي ورواية فاجأت النشر

تبدو الرواية إشارة ضرورية إلى أن العالم الخالي من علاقات مواقع التواصل لا يزال قائماً لولا أن الشاشات كثيراً ما تحول بيننا وبينه

صورة غلاف الكتاب عن "أمازون"

ملخص

الأجمل مما قد تكون عليه الرواية في ظني، هو خطة ترويجها التي اتبعتها ابنة أخي الكاتب، وأقامتها على إيمان بالصداقة والزمالة والجيرة والعلاقات التي تتكون على مدى العمر.

على مشارف الـ70 من العمر، قرر قاضٍ أميركي ومطرب متقاعد من رحلة احتراف جاب بها أميركا طولاً وعرضاً، أنه آن الأوان لأن يكتب رواية، وكتبها ونشرها على نفقته، وفي غضون عام تقريباً كانت "واشنطن بوست" تتساءل في عنوان لها "كيف أصبح رجل في الـ70 من عمره روائياً للمرة الأولى برواية أصبحت من أكثر الروايات مبيعاً؟"، وذلك الروائي السبعيني المبتدئ هو آلن ليفي، وروايته عنوانها "ثيو في غولدن".

"لم يكن لدى ثيو، في هذا اليوم، أو في المستقبل القريب، مواعيد يتحتم اللحاق بها، أو اجتماعات، أو التزامات من أي نوع. فكان له أن ينعم بحرية مطلقة ومرونة تامة وخصوصية كاملة في مكان لا يعرفه فيه أحد.

كان محض سائح.

لا يعرف نفساً في المدينة.

أو لعله كان يعرف نفساً واحدة.

بل إنه لم يكُن على يقين أصلاً من الفترة التي سيقضيها هناك، أهي أسابيع أم أشهر أم أكثر؟ لكنه سرعان ما بات سعيداً بإحساس وطنه الموقت الجديد.

وكان أول انطباع لديه هو أن الوجود في هذه البلدة رائع وأنها اسم على مسمى بحق.

اسمها غولدن".

ليست هذه السطور مفتتح رواية "ثيو في غولدن"، ولكنها ترد في فصلها الأول ذي الإيقاع المتمهل، شأن خطوات ذلك الشيخ ثيو، إذ يجوب شوارع البلدة التي حل عليها قبل سويعات، ومضى فيها ملتفتاً إلى كل شيء:

"لم تكُن في باله وجهة معينة أو هدف. فصار كلما رأى شيئاً مثيراً لاهتمامه، وكان رجلاً يسهل للغاية أن يثور اهتمامه، توقف له، وتمهل أمامه، إلى أن يشبع فضوله منه".

ذلك الصباح المبكر

في هذا الفصل الأول نفسه، نرى ثيو في تمشية ذلك الصباح المبكر وقد خلت له الشوارع تقريباً، فيصادف طائراً ينقب عن شيء من الفتات على الرصيف، فيتمهل عنده ثيو، ويعتذر من أن ليس لديه ما يعطيه له، لكنه يعده بشيء ما في الغد، ولا يفوته أن يواسيه بقوله "كفاك شكوى، وافرح أنك لست في نيويورك".

وينتهي هذا الفصل، وهو الوحيد المتاح للقراءة على الإنترنت فضلاً عن المفتتح، من دون أن نعرف ما سيكون من أمر ثيو في مدينة غولدن ـ وغولدن صفة من الذهب، فكأن البلدة بالعربية هي "الذهبية".

تكتب صوفيا نغيون ["ذا واشنطن بوست" – 24 ديسمبر (كانون الأول) عام 2025] أن خبراً بدأ يشيع في عالم النشر في الربيع الماضي عن "كتاب أبيض" منشور على نفقة مؤلفه بغلاف بسيط وجذاب سرعان ما أصبح ضمن أكثر الكتب مبيعاً خلال العام. "ولم يعرف أحد بالضبط كيف تم ذلك، إذ لم يتوافر لرواية ’ثيو في غولدن‘ سوى توزيع محدود، ولم توضع لها خطة دعاية، ولم تنظم حملة تسويقية على الإطلاق"، أو أن كل ذلك تم على نحو بسيط غير معهود في صناعة النشر الأميركية. كان مؤلف الرواية آلن ليفي يعيش وحده في 1600 فدان من أرض أسرته، غالبيتها شجر صنوبر، في ولاية جورجيا الأميركية، مشغولاً في تربية النحل، وبالنشر في مدونة، فضلاً عن بثه بين الحين والآخر فيديوهات موسيقى منزلية. فلم يكُن له من حضور على مواقع التواصل الاجتماعي إلا في تلك الحدود. لكنه غنى في أحد فيديوهاته تلك، وهو في الـ69 من العمر، فقال ’إنني أؤلف كتاباً، وإنه يثير جنوني. إنني أولف كتاباً، وإنني أفقد عقلي‘".

 

تحكي الرواية قصة ثيو، الغريب المسن الذي يظهر ذات يوم في بلدة غولدن الصغيرة، ويكتب ليفي "في أول يوم كامل له في غولدن، استيقظ ثيو مبكراً، وفتح ستائر غرفته الفندقية، ونظر إلى الفجر الجنوبي. كان قد وصل بعد ظهر اليوم السابق آتياً من منزله في مدينة نيويورك التي كان الشتاء فيها مستعر الغضب، وفيه مزيج فريد من الثلج والجليد في أواخر الشتاء، وإذا برحلة طيران إلى أطلنطا (في طائرة خاصة) ثم الرحلة باتجاه غولدن في الجنوب (على متن سيارة تابعة لشركة "لينْكُن تاون" يقودها سائق خاص) تنقلانه إلى عالم من الدفء، تأتلق فيه درجات لا حصر لها من الأخضر والأصفر والبنفسجي والوردي".

وتنتهي تمشية ثيو الصباحية الأولى في غولدن في مقهى محلي ينبهر فيه "بمجموعة بورتريهات مرسومة بقلم الرصاص، فيشتريها كلها، عازماً على أن يهدي الصور الــ92 إلى أصحابها، أي الشخصيات المرسومة فيها. وخلال قيامه بتلك المهمة التي فرضها على نفسه، يغير ثيو بهدوء من المجتمع الصغير الذي حل عليه.

ترى صوفيا نغيون في سردية آلن ليفي تشابهاً مع أسلوب باولو كويلو ومات هيغ [له بضعة عناوين مترجمة إلى العربية]، وميتش ألبوم [أعرف له في العربية "اللقاء التالي في الجنة"]، غير أنها تستدرك قائلة "إن له طابعاً استعارياً خفيفاً مقصوداً منه أن يثير الإحساس بالرهبة أمام مسارات الحياة المتشعبة. ومع ذلك، فقد أضاف أيضاً انعطافة متأخرة في الحبكة، وهي انعطافة شديدة القسوة جعلت القراء المكروبين منها ينتقدونه أشد الانتقاد في جميع اللقاءات العامة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولا تكشف صوفي نغوين عن تلك الانعطافة بطبيعة الحال، لكنها تزيد الفضول إليها، إذ تسأل ليفي عنها خلال حوار أجرته عبر تطبيق "زوم" من أجل مقالتها عن الكتاب، فقال ليفي "لم أشأ أن أكون الشخص الذي يخون القصة ويحولها إلى شيء شديد السذاجة والعاطفية"، فتعلق نغوين بأن "مسار حياة الكاتب نفسه شهد بعض الانعطافات، إذ عمل في القانون في كولمبوس بولاية جورجيا لمدة 13 عاماً، ثم سافر إلى الخارج لدراسة الأدب الروائي الاسكتلندي في جامعة إدنبره، ثم تفرغ للعمل مغنياً وكاتب أغانٍ محترفاً فكان يحيي حفلات الشركات ويشارك في فعاليات منظمة ’يونغ لايف‘ المسيحية الشبابية، حتى صار مطار أطلنطا وظيفياً، وعلى مدى عقدين من الزمن، بمقام بيت ثانٍ له. وعام 2010 تقريباً، تعب من حياة الترحال، فخفف من جدول جولاته حتى يقضي وقتاً أكبر مع أخيه المريض وأبيه المسن المقيمين في الغابة، بل إنه عاد لفترة للقانون، إذ عمل لمدة بسيطة قاضي محكمة الوصايا في مقاطعة هاريس، فلما انتهت فترة ولايته لم يعرف بحسب ما قال ما الذي يمكن أن يفعله بعد ذلك. وذات صباح وهو ينتظر في صف داخل المقهى الذي اعتاد التردد عليه، متأملاً البورتريهات المعروضة، حدثته نفسه ’ألن يكون طريفاً لو اشتراها جميعاً شخص ما؟‘".

ثيو اشتراها فعلياً، أو "اشترى حفنة منها (وعلى مدى الأيام والأسابيع التالية صرت أنظر إليها وأتخيل القصص التي تحاول أن تحكيها لي)". ألهمته تلك البورتريهات في نهاية المطاف الشخصيات التي يقابلها ثيو في الرواية من أمثال كندريك عامل النظافة في الجامعة القريبة، وسيمون الطالب الذي يدرس التشيلو، وإيلين المرأة المشردة التي غالباً ما تتنقل على دراجة حول الميدان العام. وشيئاً فشيئاً، تؤدي لقاءات ثيو العابرة إلى صداقات عميقة وتلقي ضوءاً على ماضيه المأسوي والأسباب التي أفضت به إلى المجيء إلى غولدن في المقام الأول".

أرواح طيبة للتواصل

تكتب نغوين أن الكلمات، في حال كتابة الأغنيات، كانت ألين عريكة، إذ كانت الموسيقى كفيلة بمداواة أي عوار فيها، وهكذا لا تضطر نغوين إلى أن تطعن في لغة ليفي الروائية طعناً واضحاً. وتمضي فتكتب أنه لم تكُن لدى ليفي خطط لنشر مخطوطة روايته أول الأمر، "فإتمامها وحده كان يبدو له إنجازاً. لكن أصدقاءه منذ أيام الكلية، وهم مجموعة مترابطة من ستة أفراد ظلوا يلتقون سنوياً لتذكر أيامهم وللصلاة معاً، تحدثوا إليه في شأن إطلاع آخرين على المسودة. (وكان عنوان الرواية في فترة العمل بها هو "يحكى أن شيخاً"). قال أحدهم، ويدعى بن ماي ’قلنا له علينا أن نفعل شيئاً في شأنها. لا تعدها إلى الدرج، ولا تكتفِ بأن تربت بيدك على ظهرك‘".

"أشار ليفي إلى أنه استعان بابنة أخيه آرون ريتشي التي كانت آنذاك تعمل مديرة مشاريع في ألاباما لتولي أمر رواية ’ثيو‘ عام 2023. أغرقت ريتشي نفسها في بحث خبايا النشر المستقل، ثم اتبعت نهجاً بسيطاً في الترويج، إذ جمعت بياناً بشبكة علاقات ليفي الواسعة من فصول حياته السابقة المختلفة، في الطفولة والجامعة والموسيقى وعمله التطوعي بالقراءة لتلاميذ المرحلة الابتدائية، وعمله في دار رعاية، وطلبت من أولئك المعارف جميعاً نشر الخبر. وفي الليل، بعد أن تضع أبناءها في أسرَّتهم، كانت تنشر في مجموعات ’فيسبوك‘ مستعملة هاتفها الشخصي، محاولة الوصول إلى أندية الكتب في أرجاء البلد. ’قالت ريتشي إن فيسبوك لم يمت بعد‘. ومن كان من هؤلاء المعارف على مسافة يمكن الوصول إليها بالسيارة، فقد كان ليفي يزورهم شخصياً، فيقابل 10 أو 20 في كل زيارة. وكل بضعة أسابيع كانت آرون ريتشي تعد لعمها قائمة بعنوان ’أرواح طيبة للتواصل‘، وهؤلاء قراء أرسلوا رسائل إلكترونية إلى ليفي موجهين إليه شكراً دافئاً، أو أرادوا تدريس الكتاب في برنامح دراسي، أو شاركوا الرواية مع مجموعتهم الخاصة بدعم مرضى السرطان، فكان على ليفي أن يتصل بهم شخصياً".

 

باعت رواية "ثيو في غولدن" 3 آلاف نسخة بحلول نهاية عام 2023، وعام 2024 باعت 25 ألف نسخة، و"تنبأت ريتشي بأن المبيعات ستنخفض في أوائل 2025 ولكن المبيعات ظلت ثابتة. ثم تحققت في الربيع طفرة لم تستطِع ريتشي تحديد أسبابها إلى الآن، إذ صارت الرواية فجأة تبيع ألف نسخة في اليوم. قالت ريتشي ’لن نعرف أبداً في حياتنا الدنيا هذه، كيف ترابطت الخيوط‘. لعل السبب يرجع إلى صديق قديم لليفي كان يعمل في المجال الرياضي بجامعة (ألاباما)، وهناك ’كثير للغاية من مشجعي كرة القدم في ألاباما‘، وربما كان السبب شخصاً متحمساً صار صاحباً وكان يشتري كثيراً للغاية من النسخ، بل كان يشتريها بالصناديق، لدرجة أن قال ليفي مازحاً إنه ’يوزعها ولا شك من شباك سيارته‘".

"في البداية، تركزت قاعدة قراء الرواية في الجنوب، وتكونت بالدرجة الأساسية عبر ’فيسبوك‘، حيث الفئة العمرية أكبر سناً، كما أشارت كيت نينتزل مديرة التحرير في دار "آتريا بوكس" التابعة لدار "سيمون أند شوستر" التي استحوذت على رواية ثيو في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ’وكان هذا في ما أعتقد مهماً لاكتشاف الرواية، ولقراءتها، ولطريقة تواصل القراء معها‘".

وقال شين ديلون، المحرر في دار "آتريا بوكس" إن في رحلة ليفي إلى النشر "صفاءً ما" ووصف عملية الاستحواذ على "ثيو" بأنها شهدت "تنافساً محتدماً، فقد علم الجميع في عالم النشر أنهم أمام شيء خاص، بسبب التضافر بين قصة الرواية وشخصية مؤلفها، وبسبب رسالتها الداعية إلى التواصل مع الأغراب، والقيام بأعمال البر البسيطة، والبحث عن لقاءات الصدفة بلا عون (أو إعاقة) من التكنولوجيا، كل ذلك حول القراء العاديين إلى دعاة متحمسين للرواية".

وتكتب نغوين أن الرواية تكتسب طابعاً دينياً واضحاً قرب نهايتها، "وعلى رغم أن ليفي يقول إنه لم يخطط لكتابة رواية مسيحية، بل إنه رفض عرضاً من ناشر مسيحي تقدم إليه للاستحواذ على ’ثيو‘، فإن عقيدته وخياله مرتبطان أحدهما بالآخر. (فضلاً عن استشهاده بقول الروائية الأميركية فلانري أوكونور إن الجنوب يظل منطقة ’ممسوسة بيسوع‘)، وقد أراد بطل الرواية ثيو ’من الناس أن يجربوا محبة الإله، وأن يروا صورته في أنفسهم، ومن هنا كانت فكرة البورتريهات‘ كما قال ليفي، أما من لا يتبنون هذا المنظور العقائدي، فيبقى بوسعهم أن يقرأوا ’ثيو‘ بوصفها قصة عن الطيبة، وأعتقد بأنها ستحقق شيئاً ما لقلوبهم".

بعيداً من الوعظ

"مع إقبال الناشرين وتقدمهم بالعروض، عرضت ريتشي الأرقام على عمها وأخبرته أنه سيحقق مزيداً من المال إذا بقي مستقلاً، لكنه كان مستعداً للتضحية بذلك من أجل التوزيع، فقد كان لديه إحساس بأنه صاحب رسالة، أو داعية كما وصفته ريتشي. كان يرى أنه إذا ما قرأ شخص شيئاً من كتابته، وكان لذلك الشيء أثر عليه جعله أقرب إلى العثور على إلهه، فهذا بالنسبة إليه مكسب يكفيه".

تبدو "ثيو في غولدن" رواية جميلة، ذلك الجمال الناعم البسيط غير المنفر حتى للمتمرسين في قراءة الأدب شرط أن يكون بعيداً من الوعظ. وتبدو الرواية أيضاً إشارة ضرورية إلى أن العالم الخالي من علاقات مواقع التواصل الاجتماعي لا يزال قائماً، لولا أن الشاشات كثيراً ما تحول بيننا وبينه. لكن الأجمل مما قد تكون عليه الرواية في ظني، هو خطة ترويجها التي اتبعتها ابنة أخي الكاتب، وأقامتها على إيمان بالصداقة والزمالة والجيرة والعلاقات التي تتكون على مدى العمر.

لكن خطة آرون ريتشي، وإن نجحت في ترويج الرواية بقدر جيد للغاية، لم تؤدِّ إلى عروض نقدية في الجرائد الكبرى، بقدر ما أدت إلى سطور بسيطة محبة في "فيسبوك"، أو إشارات في "إنستغرام"، في صفحات شخصية لقراء عاديين أو أصدقاء وجيران. لكن ها هي "واشنطن بوست" تهتم، وسرعان ما سيتبعها غيرها، فالخطة اعتباراً من الآن لا تقوم على ابنة أخي الكاتب وإنما على عملاق النشر الأميركي "سيمون أند شوستر". انتهت إذاً مرحلة ابنة الأخ المخلصة للشيخ ثيو، وبدأت مرحلة تتولاها دار النشر العملاقة للبحث عن ذهب غولدن.

العنوان: Theo of Golden 

تأليف: Allen Levi 

الناشر: Allen Levi 

اقرأ المزيد

المزيد من كتب