ملخص
مع حلول عام 2026 وبدء نفاذ مخرجات منظومة التحديث السياسي والتحول إلى حكومات حزبية ثمة تساؤل إن كانت ملامح "النخبة" الوزارية قد تغيرت بالفعل، أم أننا نعيش حقبة "إعادة تدوير" بأسماء حزبية.
في صالونات عمان السياسية تتردد بصورة دائمة عبارة أن الطريق إلى الدوار الرابع، حيث مقر رئاسة الحكومة، لا يمر عبر صناديق الاقتراع، بل يبدأ من شجرة العائلة. وحتى في مجالس الأردنيين اليومية ثمة مقولة مفادها أن ابن الحراث حراث، وابن الوزير وزير، في إشارة إلى تدوير المناصب المهمة واقتصارها على أبناء الذوات وأقاربهم.
وعلى رغم أن تشكيل الحكومات في الأردن ظل لغزاً عصياً طوال عقود، فإن ثمة من يرى أن الأمر ليس دقيقاً، فهنالك توليفة منطقية تحاول التوازن بين الجغرافيا، والعشيرة، والولاء البيروقراطي، نظراً إلى خصوصية تركيبة المجتمع الأردني.
مع حلول عام 2026 وبدء نفاذ مخرجات منظومة التحديث السياسي والتحول إلى حكومات حزبية ثمة تساؤل إن كانت ملامح "النخبة" الوزارية قد تغيرت بالفعل، أم أننا نعيش حقبة "إعادة تدوير" بأسماء حزبية.
خريطة المناصب
بمراجعة السير الذاتية المنشورة في أرشيف رئاسة الوزراء، ومن خلال تتبع قامت به "اندبندنت عربية" للسير الذاتية لأعضاء آخر 10 تشكيلات وتعديلات وزارية، تظهر الأرقام حقائق لافتة من بينها سيطرة البيروقراطية الصلبة التي شكلت نحو 45 في المئة، إذ لا يزال ثمة تفضيل للأمناء العامين والمديرين الذين تدرجوا في الوظيفة العامة. بينما بلغت نسبة الأكاديميين 15 في المئة فحسب، إذ ظلت ظاهرة وزراء الجامعات حاضرة كخيار "تكنوقراطي" آمن.
وفي السياق الأردني يقصد بالوزير الأكاديمي الشخص الذي سبق له العمل في التعليم العالي أو الجامعات كمحاضر أو باحث أو رئيس جامعة وكلية أو إدارة تعليمية.
وكانت نسبة الأكاديميين ضمن التشكيلة الحكومية أكبر من مثيلاتها في حكومة عمر الرزاز عام 2018. وبصورة عامة كان الأكاديميون في الغالب يعينون في وزارات ذات علاقة مباشرة بتخصصاتهم.
من ناحية ثانية، وعلى رغم كل الحديث عن جذب الاستثمار، ما زال دخول رجال الأعمال إلى نادي الوزراء محدوداً ومحاطاً بمخاوف "تضارب المصالح"، إذ تبلغ نسبتهم 10 في المئة فقط.
والملاحظ أن التوريث السياسي كان قوياً في الحقائب الواسعة النفوذ والتقليدية مثل الداخلية والخارجية، والتي غالباً ما يشغلها سياسيون أو قياديون من خلفيات غير أكاديمية.
وفقاً للتحليل ذاته يمكن القول إن نحو ربع الوزراء في العقد الأخير هم أبناء عائلات سياسية، بمعنى أنهم أبناء أو أحفاد وزراء أو رؤساء وزراء سابقين، وهم يتولون المناصب الجديدة كامتداد لنهج سياسي واقتصادي معين.
على رغم ذلك، فإن من الملاحظ اتجاه الحكومات نحو دور أكبر للخبرات الأكاديمية التقنية في المجالات الاقتصادية والقانونية، مما يشير إلى محاولة تحسين كفاءة اتخاذ القرار في ملفات متخصصة.
توريث سياسي
يشير الكاتب والمحلل السياسي محمد أبو غزلة إلى ظاهرة التوريث السياسي بوصفها ظاهرة خطرة وممارسة أصبحت هي القاعدة على مختلف المستويات، وتحت مسوغات عديدة، وهي تعكس أزمة عميقة في بنية العدالة وتكافؤ الفرص داخل الدولة، وتقوض ثقة المواطن المنتمي بدولته ومؤسساتها.
ويؤكد أبو غزالة أنه في ظل هيمنة التوريث السياسي والتدوير جرى تهميش عديد من الكفاءات لمصلحة شخصيات مرتبطة بمراكز قوى أو بعلاقات عائلية أو مصاهرة أو قربى أو جهوية، حيث يتم تعيين وترقية وتدوير الوجوه والأسماء نفسها من دون محاسبة أو تقييم. ويعتقد أن كثيراً من الشباب الأردنيين اليوم يشعرون بأن التفوق الأكاديمي والاجتهاد الوظيفي لم يعد لهما قيمة بسبب هذه القنبلة الموقوتة التي تؤدي إلى فقدان الثقة بالمؤسسات وتصعد من الغضب الشعبي وتآكل الشرعية الاجتماعية، وغير ذلك، وقد تغذي أيضاً الخطابات المتطرفة.
وتظهر الأرقام الواردة من مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية على مدى سنوات فجوة ثقة واضحة بين المواطن و"نادي الوزراء"، وبينما تؤكد بيانات مركز "راصد" أن شيفرة "الوراثة السياسية" لا تزال عصية على الكسر مع استمرار سيطرة "جينات النفوذ" والتدوير البيروقراطي كعائق أمام طموح جيل جديد من الشباب تدفعهم الدولة اليوم للانتظام في الأحزاب، لكنهم يخشون أن يجدوا في نهاية الطريق "سقفاً زجاجياً" لا يمكن اختراقه إلا بلقب عائلي أو تزكية من النخبة القديمة.
بين نفي وتأكيد
يؤكد النائب في البرلمان الأردني حسين العموش وجود طبقة سياسية نخبوية مكونة من نحو 200 شخص يتم تدويرهم في المناصب ويتنقلون بين المواقع عاماً بعد آخر وكأنه لا يوجد غيرهم، متسائلاً متى سيحين دور الأردنيين الآخرين لتولي مناصب قيادية في الدولة.
ويقول مراقبون إن النائب العموش يشير إلى ما يمكن وصفه ببورصة التدوير والوزراء أو المسؤولين العابرين للحكومات، وهم الوزراء الذين يخرجون في تعديل وزاري وما يلبثون أن يعودوا في التعديل الذي يليه بحقيبة مختلفة، إذ تشير البيانات المتاحة إلى 12 وزيراً في الأردن تكرروا في أكثر من أربع حكومات مختلفة خلال السنوات الثماني الماضية، أما الحكومة الحالية فإن 72 في المئة من أعضائها وزراء سابقون.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ينفي رئيس الوزراء السابق سمير الرفاعي في لقاء إذاعي محلي وجود توريث سياسي بقوله "عندما عملت في الديوان الملكي تقدمت للعمل كغيري، وتم قبولي بعدما تخرجت من جامعة (هارفرد) بالعلوم السياسية، و(كامبردج) بالقانون الدولي".
ويقول الرفاعي إن أولاده لا ينوون دخول العمل السياسي، مفضلين القطاع الخاص، وعزا ذلك جزئياً لتجربته الشخصية، مؤكداً أنهم يحققون نجاحات في مجالاتهم الخاصة. وكرر أن رئاسة الوزراء ليست ملكاً لأحد ليتم توريثها.
لكن تصريحاته أثارت جدلاً في حينه حول مفهوم التوريث ودور عائلته السياسي، بخاصة مع وجود عائلة الرفاعي في مناصب قيادية عبر الأجيال.
إرث سياسي أم توريث؟
منذ تولي الملك عبدالله الثاني الحكم في 1999، شكل الأردن نحو 18 حكومة بوجود 12 رئيس وزراء مختلفاً مع تعديلات متكررة، مما يعني أن الكفاءات والأسماء نفسها غالباً ما تعود للحكومة أو تحافظ على مواقع مؤثرة.
ويرفض بعض المحللين وصف ما يحدث بالتوريث، ويعتبرون أنه إرث سياسي مبني على رصيد تاريخي، بينما يعتبر آخرون أن التوريث السياسي لا يزال واقعاً ملموساً في المناصب العليا.
ومع مطلع عام 2025 واشتراط وجود حصة حزبية في الحكومات، تغيرت الحال قليلاً لكن على نحو مقلق، حيث انضم مسؤولون سابقون لأحزاب عشية الانتخابات لضمان بقائهم في المشهد، بينما استلم عدد قليل من الحزبيين القدماء الذين تدرجوا في العمل الحزبي لسنوات زمام المناصب عبر حقائب وزارية غير سيادية.
ويصف مراقبون ما حدث بأنه عملية إعادة تكيف ذكية قام بها رموز النخبة القديمة عبر الانتظام في الأحزاب الكبرى والسيطرة على مواقع القرار فيها ليقدموا أنفسهم مجدداً كـ"وجوه حزبية" أمام الشارع.
وعلى رغم الحديث عن "حكومة برامج"، ما زالت البيانات تشير إلى أن توزيع الحقائب السيادية يخضع لميزان دقيق يراعي الثقل العشائري والمناطقي (شمال، وسط، جنوب). إذ لم تنجح "البرامج الحزبية" حتى الآن في إلغاء "التمثيل الجغرافي" كشرط للاستقرار السياسي.
أما الصحافة الأردنية فتناقش بين الحين والآخر ما يوصف بـالإقطاع السياسي الحديث، إذ تعاد الأسماء والعائلات نفسها إلى المناصب العليا باستمرار، لكن بعض المراقبين يميز بين التوريث السياسي والإرث السياسي، إذ يرى أن مجرد استمرار الأسماء ذاتها في المناصب لا يعكس بالضرورة كفاءة بل تراكماً لعلاقات النفوذ.
تدوير مناصب
ويشير تحليل دستوري إلى أن المادة 22/2 من الدستور، والتي تنص على أن التعيين للوظائف العامة يجب أن يتم "على أساس الكفاءات والمؤهلات"، لا تطبق على الوزراء مثلما تطبق على الوظائف العامة الأخرى، مما يفسح المجال أمام إعادة تدوير المناصب الحكومية من دون قيود قانونية واضحة.
ويتناقل الأردنيون منذ سنوات قصة وزير سابق خرج من الحكومة بسبب الاعتلال الصحي ولكنه عاد بعد فترة وجيزة بحقيبة وزارية جديدة.
ولا تحظى ظاهرة "التوريث السياسي" في الأردن بدراسات أكاديمية مباشرة، إلا أن كثافة التحليلات السياسية والصحافية والقانونية تشير إلى نمط متكرر من إعادة تدوير النخب والأسماء في المناصب الرسمية، وتكشف مراجعة الخلفيات العائلية للوزراء أن نحو ربع أعضاء الحكومات خلال العقد الأخير ينحدرون من عائلات سياسية تولى أحد أفرادها سابقاً مناصب وزارية أو سيادية، سواء كآباء أو أجداد، ما يوحي بوجود امتداد عائلي في الوصول إلى السلطة التنفيذية.
وتظهر السير الذاتية الرسمية المنشورة في موقع رئاسة الوزراء وجود أكثر من حال جمعت بين الأب والابن، أو الأشقاء، في مناصب وزارية أو مواقع سيادية عبر حكومات متعاقبة، من دون وجود نص قانوني صريح يمنع ذلك أو يفرض معايير شفافة للاختيار.
ويلاحظ أن هذا النمط كان أكثر حضوراً في الحقائب التقليدية الواسعة النفوذ مثل الداخلية والخارجية، والتي غالباً ما أسندت إلى شخصيات ذات خلفيات سياسية أو إدارية أكثر من كونها أكاديمية.
ومنذ تأسيس الدولة الأردنية الحديثة لم يكن تشكيل الحكومات نتاج عملية سياسية تنافسية بالمعنى الكلاسيكي، بل جاء ضمن منطق توافقي – وظيفي يراعي اعتبارات الاستقرار أكثر مما يراعي التمثيل السياسي أو البرامجي.