ملخص
أزاحت بريطانيا الستار أخيراً عن مراسلات سرية لوزارة خارجيتها تتمحور حول العلاقة بين إيران والعراق في مرحلة بداية التسعينيات، التي شهدت محاولات حذرة للتقارب بعد الحرب التي جرت بينهما في الثمانينيات، إلا أنها كشفت في الوقت نفسه عن سياسات مزدوجة اعتمدت من جانب طهران للتأثير سلباً في بغداد في عدد من الملفات البارزة.
في الرابع من ديسمبر (كانون الأول) 2025 كشفت وزارة الخارجية البريطانية عن وثائق سرية تحمل السجل المرجعي FCO 8/9479، تتمحور حول العلاقات بين إيران والعراق خلال عام 1993، محفوظة في الأرشيف الوطني ومفتوحة للوصول أمام الباحثين والمهتمين. تكشف هذه الوثائق أن العلاقات بين البلدين بدأت في نوفمبر (تشرين الثاني) 1993، تظهر بوادر حذر للتقارب بعد أعوام من الحرب الإيرانية –العراقية (1980–1988). وجاءت هذه التطورات بعد زيارة مهمة قام بها محمد جواد ظريف، أحد كبار الدبلوماسيين الإيرانيين آنذاك، إلى بغداد في محاولة لمعالجة الملفات العالقة منذ نهاية الحرب.
غير أن المراسلات السرية تشير إلى أن إيران كانت تسلك في الوقت نفسه سياسة مغايرة، تهدف إلى التأثير في الدولة العراقية ووحدة أراضيها، من خلال استغلال تداعيات حرب الخليج الثانية ودعم المعارضة الشيعية والكردية، والسعي إلى الحفاظ على ملف العراق ضمن جدول أعمال مجلس الأمن تحت البند السابع. وشملت هذه السياسة نشر معلومات مضللة حول استخدام العراق للأسلحة الكيماوية وارتكابه انتهاكات ضد الشيعة في جنوب البلاد، مما يعكس ازدواجية الموقف الإيراني بين السعي إلى التقارب من جهة والممارسة السرية لأجندة سياسية تتجاوز حدود الدبلوماسية من جهة أخرى.
انقسام "مجاهدي خلق" والأزمة العراقية – الإيرانية بعد حرب الخليج
ورصد السفير البريطاني في طهران، جيفري جيمس، تفاصيل هذه الزيارة، مستنداً إلى معلومات نقلها له السفير الألماني في لقاء ثنائي جرى بتاريخ الثالث من نوفمبر 1993. أبرز ما أظهرته المعلومات هو الدور البارز الذي لعبته اللجنة الدولية للصليب الأحمر في إيران، حين عمل وفدها على مقابلة الأسرى العراقيين للتحقق من رغبتهم في العودة إلى وطنهم، وقد جاءت هذه المبادرة بدعم أوروبي، بخاصة من الجانب الألماني، وقد تعاونت السلطات الإيرانية بصورة ملحوظة، إذ تمكن الوفد من مقابلة نحو 1100 أسير من أصل 1700، بمعدل 80 مقابلة يومياً.
وعلى رغم هذا التقدم بقيت التعقيدات قائمة، فقد قدمت إيران قائمة تضم أسماء نحو 3700 أسير ومفقود إيراني تزعم أنهم محتجزون في العراق، بينما رفض الجانب العراقي اعتبار بعض الفئات كأسرى حرب، مثل العاملين الإنسانيين الذين حوصروا داخل العراق أثناء الحرب، أو الطيارين الذين سقطوا في إيران ولكن هبطوا بالمظلات داخل الأراضي العراقية، ومع ذلك وافق العراق مبدئياً على السماح للجنة الدولية بمقابلة جميع الأسرى لدى الطرفين لتحديد رغباتهم في شأن العودة، ما اعتبر خطوة إنسانية مهمة بعد أعوام طويلة من الجمود.
إلى جانب قضية الأسرى ناقش ظريف خلال زيارته ملفات حساسة أخرى شملت أوضاع اللاجئين الفارين من أهوار جنوب العراق، وحماية الأماكن المقدسة الشيعية في الجنوب العراقي، إضافة إلى إزالة الألغام التي زرعتها القوات العراقية داخل الحدود الإيرانية، والتي لم يعد العراق قادراً أو راغباً في تحديد مواقعها بدقة، كذلك تطرقت المحادثات إلى قضايا ترسيم الحدود، بخاصة في المناطق التي أزيلت منها العلامات الحدودية، بصورة أصبحت معها القوات العراقية تستخدم طرقاً تقع داخل الأراضي الإيرانية.
على الصعيد الأمني والسياسي أظهرت التقارير الإيرانية تزايد تغطية نشاطات منظمة "مجاهدي خلق"، وهي المنظمة المعارضة للنظام الإيراني والمدعومة من العراق في تلك الفترة، وأشارت هذه التقارير إلى أن قيادة المنظمة كانت تمر بأزمة داخلية، إذ ضغط مسعود رجوي على بغداد للسماح له بمغادرة العراق، بينما غادرت زوجته، مريم، سراً إلى فرنسا، كذلك تحدثت التقارير عن تفكك المنظمة واستقالة كبار قياداتها وإعادة دمجهم في "المجلس الوطني للمقاومة"، مع تراجع الدعم العراقي بعد حرب الخليج، مما جعل مستقبل المنظمة العسكري والسياسي داخل العراق في طريقه نحو التصفية.
لقد رسمت هذه الزيارة والجهود الدبلوماسية والإنسانية المصاحبة لها صورة لمرحلة دقيقة وحساسة في تاريخ العلاقات الإيرانية – العراقية، حين بدأت القوى الإقليمية والدولية تتدخل لمحاولة طي إرث الحرب الطويل، وفتح مسارات جديدة للتعاون وحل النزاعات الإنسانية والسياسية العالقة.
دبلوماسية بين النزاع والتقارب
في الثامن من نوفمبر 1993 شهدت اللجنة الثالثة التابعة للأمم المتحدة مناقشة حول المسائل الإنسانية بين إيران والعراق، إذ أثار البيان الإيراني قضية تبادل حقوق الرد المتعلقة باللاجئين، وقد اتهم الجانب العراقي إيران بالمبالغة في أعداد اللاجئين العراقيين على أراضيها، مستنكراً ما وصفه باستخدام الملف الإنساني لأغراض سياسية، وأكد العراق في مداخلته أنه يلتزم تسهيل عودة اللاجئين، مشيراً إلى أن بعضهم فر نتيجة تدخلات أجنبية في العراق، وأن العراق نفسه يستضيف أعداداً كبيرة من اللاجئين الإيرانيين.
من جانبها، شددت إيران على أنها حرصت على تجنب تسييس بيانها، وأنها ركزت على تقديم صورة دقيقة لأوضاع جميع اللاجئين الموجودين على أراضيها، وأعربت إيران عن استعدادها لمناقشة هذه القضية مع السلطات العراقية في أي وقت، مؤكدة أن الهدف الأساس هو معالجة الأبعاد الإنسانية بصورة نزيهة وشفافة.
إيران وعقوبات العراق 1993
في أواخر عام 1993 كانت اللجنة الدولية المعنية بعقوبات العراق تتابع من كثب مزاعم استمرار التجارة بين إيران والعراق، وسط جهود دولية لتطبيق الحظر الاقتصادي المفروض على بغداد بعد حرب الخليج، في هذا الإطار أرسلت إيران رداً رسمياً إلى لجنة العقوبات لتوضيح موقفها من هذه المزاعم.
من جهتهم أكد الإيرانيون أنهم اتخذوا إجراءات صارمة لمنع أي نشاط تهريب، ورفعوا دعاوى قضائية ضد المخالفين، كذلك أعلنوا عن توقف موقت لشحنات المواد الغذائية والأدوية، لتعزيز الترتيبات الأمنية وضمان الامتثال للعقوبات الدولية، وأشاروا إلى أنهم يشاركون بنشاط في تقديم المساعدات الإنسانية، مستهدفين أكبر عدد ممكن من اللاجئين، الذين يقدر عددهم بنحو 4.1 مليون شخص، مع التزام إخطار اللجنة بالشحنات التي يتم إرسالها.
وشدد الإيرانيون على تكثيف مراقبة الحدود واعتقال 22 شخصاً انتهكوا العقوبات، ونفوا وجود أي خط أنابيب نفط بين إيران والعراق، وعلى رغم هذه الإجراءات كانت المخاوف الأميركية مستمرة، بخاصة بعد مراجعة صور الأقمار الاصطناعية، وأكدت اللجنة أن التصريحات الإيرانية قد تساعد على التخفيف من بعض المخاوف لكنها لن تزيلها بالكامل.
كانت هذه القضية على جدول اجتماع لجنة العقوبات القادم، إذ كان من المقرر مناقشتها في الـ29 من نوفمبر 1993، مع توجيه التعليمات اللازمة في شأن متابعة الموضوع لضمان التزام إيران الحظر، وضمان استمرار المساعدات الإنسانية من دون انتهاك للعقوبات.
شكوك دولية حول الشهادات المدعومة من طهران
في نوفمبر 1993 كانت لجنة تفتيش الأسلحة التابعة للأمم المتحدة (UNSCOM) تتابع من كثب المزاعم المتعلقة باستخدام أسلحة كيماوية ضد السكان الشيعة في الأهوار الجنوبية بالعراق. في الـ22 من نوفمبر، عاد فريق التفتيش الكيماوي UNSCOM إلى البحرين بعد زيارة ميدانية لمواقع مزعومة استخدم الكيماوي فيها، من دون العثور على أي دليل فوري يشير إلى وقوع هجوم بأسلحة كيماوية.
على رغم عدم وجود دليل مباشر، لاحظ الفريق وجود عدد كبير من الذخائر غير المنفجرة في المنطقة، فإنها لم تظهر أي اشتباك عسكري حديث بالمستوى الذي أبلغت عنه الشهادات السابقة للاجئين الشيعة. وأثارت هذه الملاحظات الشكوك حول بعض شهادات الشهود الذين التقاهم المفتشون في إيران.
مع ذلك، جمع الفريق عدداً كبيراً من عينات التربة والمياه والنباتات والحيوانات، التي كان متوقعاً أن تستغرق عملية تحليلها من شهر إلى شهرين قبل التوصل إلى استنتاج نهائي حول المزاعم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
سمحت السلطات العراقية للفريق بالدخول إلى المنطقة بصورة عامة، مع توفير قوة أمنية تصل إلى مستوى كتيبة، إلا أنهم رفضوا طلب المفتشين مقابلة أفراد من الجيش، وهو ما كان مقرراً مناقشته لاحقاً بين لجنة تفتيش الأسلحة التابعة للأمم المتحدة في نيويورك والسلطات العراقية.
وكانت لجنة تفتيش الأسلحة التابعة للأمم المتحدة UNSCOM تعتزم إصدار بيان صحافي يوضح نتائج التحقيق الأولية، مؤكدة أن أي حكم نهائي حول استخدام الأسلحة الكيماوية لن يصدر إلا بعد انتهاء تحليل العينات والوثائق التي جمعها الفريق، مما يعكس الحذر والدقة التي تتسم بها عمليات التفتيش الدولية في هذه المرحلة الحساسة.
مراقبة التزام إيران العقوبات العراقية
في نهاية نوفمبر 1993 ناقشت لجنة العقوبات على العراق الرد الإيراني على استفسارات اللجنة في شأن الانتهاكات المحتملة للعقوبات، وذلك بعد إرسال إيران توضيحات حول التزامها التدابير الدولية المتعلقة بالتجارة مع العراق، وأشار رئيس اللجنة إلى أن ممثل إيران الدائم لدى الأمم المتحدة، كمال خرازي، أكد عزمه على الالتزام الصارم بنظام العقوبات مستقبلاً.
على رغم الترحيب بتأكيدات إيران، أشار أعضاء اللجنة، بخاصة الولايات المتحدة، إلى ضرورة مراقبة التنفيذ من كثب، معتبرين أن الالتزام يجب أن يتحول من تصريحات إلى أفعال ملموسة. في المقابل، أعربت باكستان عن موقف حذر، معتبرة أن إرسال رسالة ترحيب في هذه المرحلة قد يكون سابقاً لأوانه، وأنه يمكن دائماً إعادة النظر إذا ظهرت معلومات جديدة، محذرة من أن أي مراقبة حالية لا تعني انعدام الثقة فحسب، بل يمكن تفسيرها على أنها موقف سياسي حاد تجاه إيران.
وتم الاتفاق على صياغة رد يوازن بين الترحيب بتأكيدات إيران ومواصلة مراقبة اللجنة لأعمالها، مع منح باكستان حق الاعتراض إذا رأت الصياغة غير مناسبة، كذلك طلب خرازي عقد اجتماع إضافي لمناقشة النقاط التفصيلية، مما يعكس حرص إيران على إقناع المجتمع الدولي بالامتثال الكامل للعقوبات المفروضة على العراق.
خرازي والسفير البريطاني يناقشان التزامات إيران تجاه العقوبات
في الـ30 من نوفمبر 1993 عقد السفير البريطاني اجتماعاً مع الممثل الدائم لإيران لدى الأمم المتحدة، كمال خرازي، لمناقشة الوضع الراهن للتجارة بين إيران والعراق، في ظل متابعة لجنة العقوبات الدولية. وأوضح خرازي أن إيران أرسلت مواد غذائية وأدوية لأغراض إنسانية وفق القرارات الدولية، مع إخطار لجنة العقوبات بالشحنات، مؤكداً أن أي مخالفات تم التعامل معها بعقوبات ومصادرة البضائع، كذلك أوقفوا جميع الشحنات الإنسانية موقتاً حتى يتم وضع إجراءات رقابية إضافية، ونفى وجود أي خط أنابيب بين البلدين.
وأكد خرازي أن الوضع لم يكن سلساً بالكامل بسبب العراق، مشيراً إلى رفض بغداد استقبال فريق لجنة تفتيش الأسلحة كما كان مخططاً، مما يعكس التوترات القائمة في تطبيق التدابير الدولية. وأكد السفير البريطاني أن الرد الإيراني كان إيجاباً ومفيداً، وأن أي رسالة محتملة من اللجنة ستكون روتينية، تعبر عن الشكر لإيران على التزامها العقوبات وتشجعها على استمرار الجهود.
كذلك ناقش الاجتماع التعاون الإيراني مع فريق "لجنة تفتيش الأسلحة" للتحقيق في استخدام الأسلحة الكيماوية، مشيراً إلى أهمية دعم الدول المجاورة للعراق لفرق التحقيق، لضمان فعالية الحظر الدولي على الأسلحة الكيماوية وحماية الجيران من أي تهديد محتمل.
وأخيراً، أبدى السفير لبريطاني اهتمامه بتقدم ملف أسرى الحرب الإيرانيين في العراق، فأوضح خرازي أنه لم يتم إحراز أي تقدم، وأنه لا يزال هناك تقدير بوجود نحو 5 آلاف أسير، في ظل معارضة العراق السماح للصليب الأحمر الدولي بإجراء تحقيقات فعالة لتحديد وضع الأسرى.
الأمم المتحدة تكذب مزاعم شهود إيران حول هجمات كيماوية في جنوب العراق
في ديسمبر 1993 أكدت لجنة تفتيش الأسلحة التابعة للأمم المتحدة مجدداً عدم وجود أي دليل فوري على استخدام العراق الأسلحة الكيماوية في منطقة المستنقعات الجنوبية قرب البصرة، بعد تحقيقات استمرت بين الـ11 والـ22 من نوفمبر، وأوضح التقرير أن كثيراً من روايات الشهود الذين تمت مقابلتهم في إيران كانت غير موثوقة أو متناقضة، مع وجود أدلة على إعداد مسبق أو مبالغات في وصف ما يزعم أنه تأثيرات الهجوم الكيماوي.
شمل التحقيق تحديد الموقع الدقيق للحادثة المزعومة، على بعد نحو 45 كيلومتراً شمال غربي البصرة و35 كيلومتراً جنوب مدينة المدينة، وهو موقع غير مأهول عادة ويحوي مباني مهجورة، إذ لم تسجل أي أنشطة عسكرية كبيرة، وعلى رغم رفض السلطات العراقية السماح مقابلة القادة العسكريين في المنطقة، أظهرت الفحوصات المبدئية والبحث الجنائي عدم وجود أي أثر للأسلحة الكيماوية.
وبينما ستستغرق نتائج تحليل العينات والكشوفات العلمية أسابيع عدة للوصول إلى استنتاج نهائي، أفاد ممثل UNSCOM بأن النتائج النهائية من المرجح ألا تتناقض مع ما توصل إليه فريق التفتيش الميداني، كذلك أشار التقرير إلى أن ممثل UNSCOM لن يقدم تقريراً شخصياً إلى مجلس الأمن حول هذه القضية، لتجنب جذب الانتباه إلى نقاط سياسية حساسة تتعلق بصدقية بعض الشهود الإيرانيين ورعاتهم.
لذا تظهر تلك المراسلات طبيعة العلاقات الحساسة المشوبة بفقدان الثقة بين بغداد وطهران في بداية التسعينيات، لا سيما بعد حرب ضروس خاضها البلدان في ثمانينيات القرن الـ20 حاول خلالها النظام الإيراني استغلال عداء المجتمع الدولي تجاه نظيره العراقي الذي كان يترأسه صدام حسين، لصالحه.