هوشيار زيباري: نهاية الحرب العراقية الإيرانية كانت كارثية على الكرد ومصائر الذين تآمروا على ثورتنا "شنيعة (الحلقة الأولى) "

قال إن كولن باول أمسك بالمسطرة وخط حدود منطقة الحظر الجوي شمال العراق على حدود كردستان

وزير خارجية العراق الأسبق هوشيار زيباري (اندبندنت عربية)

في بيته "العادي" في أعالي سفح جبل مصيف، التقت "اندبندنت عربية" القيادي الكُردي ووزير خارجية العراق الأسبق هوشيار زيباري، لتفتح معه العديد من دفاتر ذاكرته. مُنذ يفاعته الأولى كناشط وفاعل ومن ثُم قيادي في الحزب الديمقراطي الكُردستاني، مروراً بالسنوات الطويلة التي كان زيباري فيها أحد "مُهندسي" العلاقات بين قوى المُعارضة العراقية، طوال عقد التسعينيات بالذات، وختاماً بتجربته كوزير لخارجية العراق، مُنذ تشكيل عراق ما بعد صدام حسين بعد العام 2003 وحتى العام 2014. على الرُغم من كُل تلك التحولات، يبدو الوزير زيباري محافظاً على حيوية فاعليته السياسية. فالانتظار لوقت قصير في بهو منزله الجبلي، يدفع المُتابع إلى مُلاحظة كم الاجتماعات واللقاءات والاتصالات والمُراسلات التي يُجريها يومياً وتمتد إلى طيف واسع من الملفات التي ينشط بها. ملفات تبدأ من كونه وجيهاً اجتماعياً كُردياً بارزاً، يتابع أمور عائلته ومنطقته، وتمر بعمله كعضو بارز في المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكُردستاني، وبعلاقات حزبه مع بقية الأحزاب والقوى الكُردية والعراقية، ولا تنتهي بشبكة العلاقات الدبلوماسية، الإقليمية والدولية، التي ما زال زيباري يحتفظ بها.

الصدمة الأولى

سألته "اندبندنت عربية" عن اللحظة التأسيسية لوجدانه وخياره السياسي، حينما انهارت الثورة الكُردية المُسلحة في العراق، عقب اتفاقية الجزائر الشهيرة عام 1975، بين نائب الرئيس العراقي وقتئذ صدام حُسين وشاه إيران محمد رضا بهلوي، والتي أدت إلى وقف إيران دعمها للثوار الكرد، وإعلان المُلا مُصطفى البارزاني في إثرها إنهاء الكفاح المُسلح، وتعرض الكُرد لمؤامرة دولية.

 

يقول الوزير زيباري عن تلك الأوقات "في مارس (آذار) من ذلك العام، كُنت طالباً في الجامعة الأردنية في عمان، كُنت واحداً من ثلاثة طُلاب حصلوا على منحة دراسية مُقدمة من الملك الأردني الراحل الحسين بن طلال، مُكلفين من قبل المُلا مُصطفى البارزاني. صُعقنا حينما سمعنا عن اتفاقية الجزائر المشؤومة، التي جرت بالتحديد يوم 6 مارس عام 1975، وانهارت ثورة سبتمبر (أيلول) العظيمة. لن أنسى أنني بكيت من هول الصدمة. فمن جانب أحسست بأن ثورتنا تعرضت لخيانة من شاه إيران والولايات المُتحدة والدول التي كانت تدعي دعم الشعب الكُردي في العراق، ومن جانب آخر لأن قرار الانسحاب ومنح مُقاتلي البيشمركة حُرية الخيار بين اللجوء إلى إيران أو تسليم أنفسهم للحكومة العراقية، كان شديد التأثير بدوره".

يستعيد الوزير زيباري صورة المُلا مُصطفى البارزاني في ذاكرته، التي هي جزء من صورة البارزاني في كامل الذاكرة الجمعية للكُرد. فيصفه بأنه كان رجلاً "صلباً وصامداً ومؤمناً بقضية شعبه". حتى في المحادثات الهاتفية التي جرت بينه وبين المُلا مُصطفى خلال تلك الفترة وما تلتها، باعتبار أن علاقة قرابة اجتماعية تجمع الوزير زيباري بالبارزاني، فإن هذا الأخير بحسب وصف زيباري كان مؤمناً بعودة الحركة والمقاومة والثورة، وأن ما جرى بالنسبة إلى البارزاني كان مُجرد "غدر تاريخي وطعنة في الظهر، وأنها مُجرد كبوة، والشعب الكُردي لن يقبل بالاستسلام والرضوخ".

يتابع الوزير زيباري سرده عما علق في ما بعد في الذاكرة الجمعية الكُردية عن تلك المرحلة، فيقول: "كُل الذين تآمروا على الثورة الكُردية وقتئذ انتهى بهم المطاف بأقدار تراجيدية. إذ ذهب شاه إيران نتيجة ثورة شعبية، وكان ذلك مبعث بهجة للوجدان الجمعي الكُردي، وكذلك هوراي بومدين وصدام حُسين، اللذين كانت مصائرهما شنيعة".

 

يتذكر الوزير كيف أن القيادي في الحزب الديمقراطي الكُردستاني وقتئذ مسعود بارزاني طلب منه بعد عامٍ واحد من ذلك الوقت، بعدما أنهى دراسته الجامعية في الأردن، المُغادرة إلى أوروبا، لتنظيم أحوال الحزب في الخارج، لتكون تنظيمات الحزب في الخارج وعلاقاته جزءاً من إعادة التجهيز للعودة إلى الكفاح المُسلح.

الوزير زيباري بقي سنوات ناشطاً في صفوف حزبه في الخارج، ويذكر كيف أن العمل السياسي الكُردي لم يكن قادراً على النشاط العلني والمباشر وقتذاك حتى في الدول الأوروبية، لذا فإنهم كانوا يمارسون نشاطاتهم عبر جمعية الطلبة الكرد في أوروبا، التي كانت مظلة لمُختلف التنظيمات السياسية الكُردية.

بداية الكفاح المسلح

مُنذ أواخر السبعينيات، اشترك الوزير زيباري في الكفاح المُسلح ضمن صفوف قوات البيشمركة، بعد أن حصل على شهادة الماجستير في علم الاجتماع التنموي، وغدا عضواً في المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكُردستاني في المؤتمر التاسع للحزب عام 1979، وكان في السادسة والعشرين، وأصغر عضو في المكتب السياسي للحزب.

يتحدث الوزير زيباري عن تجربته في تلك السنوات: "عدت بشكل نهائي إلى كردستان، وبقيت قُرابة الشهرين، ثم كُلفت بمهمة صعبة. فبعض الأخوة في القيادة كانوا يسعون إلى امتحاني، لإثبات الجدارة. كُلفت بمهمة نقل قواعد قوات البيشمركة من النقاط الحدودية إلى الداخل العراقي. كانت ثمة لجنة اسمها "لجنة التفتيش والمراقبة"، مُختصة بمراقبة مقرات الحزب وقواعده كافة على طول الحدود العراقية والتركية، وأعطونا صلاحيات الإقالة والمحاسبة وتأكيد الانضباط، إلى جانب مكافحة العشائرية والمحليات، حتى نكون بمستوى هذا الحدث. بقيت كمقاتل في البيشمركة وتولّيت مواقع قيادية. نزلت بهذه المقرات إلى سبعين كيلومتراً، داخل العمق الكردستاني في العراق، في "جبل كارى". السبب وراء تلك ذلك كان أن قدراتنا اتسعت وقواتنا ازدادت، أثناء الحرب العراقية الإيرانية، فقد اضطرت الحكومة العراقية إلى سحب العديد من قطعاتها من كردستان إلى الجبهات الجنوبية. لذا بات المجال أكبر للتحرك وللقيام بمواجهات كبيرة مع القوات العراقية آنذاك، التي بقيت بتلك الوتيرة إلى العام 1988".

مأساة حلبجة تُشكل حجر زاوية في ذاكرة الوزير زيباري. حيث يسرد كيف أنه في ربيع العام 1988 كان في جولة في الدول الأوربية، للتحذير مما قد تُجلبه نهاية الحرب الإيرانية العراقية من إبادة متوقعة للشعب الكُردي: "كُنا نتلمس عدداً من البوادر والتغيرات الميدانية التي تؤشر إلى قُرب نهاية تلك الحرب. وحينما حصل القصف الكيماوي لتلك البلدة، كنت مع رئيس العراق السابق في ما بعد جلال الطالباني نقود حملة إعلامية وسياسية من مدينة لندن، لتنبيه العالم إلى فداحة ما يواجه الكُرد العراقيون". يركز الوزير زيباري على تلك اللحظة المفصلية في تاريخ علاقة المُجتمعات والقوى السياسية الأوروبية مع المسألة الكُردية. فمع انتشار خبر مأساة حلبجة، انهال تعاطف أوروبي هائل على المسألة الكُردية، سواء من القوى السياسية أو من الإعلام أو المنظمات المدنية، ونُظمت حملات شعبية متضامنة. فما جرى في حلبجة ذكّرت المُجتمعات الأوروبية بمآسي الحرب العالمية الثانية، حينما كانت الأسلحة الكيماوية والجرثومية تُستخدم ضد المُجتمعات المدنية، بحسب شرح الوزير زيباري.

مأساة حلبجة

يصف الوزير زيباري التغيرات التي أصابت تكتيكات البيشمركة عقب هجمة حلبجة الكيماوية: "آنذاك، غدا لدينا انطباع بأنه طالما دخل السلاح الكيماوي في مكافحة حرب العصابات وفي القضاء على البيشمركة والمقاومة، فيجب أن نعيد النظر في استراتيجيتنا، استراتيجية حرب العصابات، ونلجأ إلى أساليب أخرى للمقاومة، والتركيز على الداخل وعلى المدن وعلى التجمعات السكانية، وأن نبقّي قدراً محدوداً من فصائل البيشمركة لأغراض معنوية، لكن التركيز يجب أن يكون أكثر للعمل على تنشيط تنظيماتنا وقواعدنا في المدن الكردستانية والتجمعات السكنية".

السنوات الثلاث التالية، بين عامي 1988-1991، كانت الأقسى على المُجتمع والقوى السياسية الكُردية العراقية. فالحرب العراقية الإيرانية انتهت، وتفرّغ الجيش العراقي بشكل شبه نهائي لتحطيم الحركة القومية والمُجتمع الكُردي، فمارس حملات الأنفال السيئة الصيت، والتي راح ضحيتها أكثر من 180 ألف مدني كُردي بحسب المصادر الإحصائية الكُردية، منهم خمسة آلاف ضحية من مدينة حلبجة التي قُصفت بالأسلحة الكيماوية في مارس من العام 1988.

 

في ربيع عام 1991، حدثت الانتفاضة الشعبية الكُردية، وتمكنت قوات البيشمركة الكُردية من السيطرة على غالبية المناطق الكُردية، حيث عاد الوزير زيباري من لندن مُباشرة: "رجعت واستقبلتني قوات البيشمركة في منطقة حاجي عمران، كان ثمة شعور غريب حينما دخلت إلى كردستان. فمن هناك غادرت إلى منطقة رواندوز، ومنها إلى مدينة آكري/عقرة، مدينة طفولتي وصباي... صدام حُسين كان قد أعدم ثلاثة من إخوتي، واحداً قتله بالسم، واثنين بحادثة مرورية مُدبرة من المخابرات بين مدينتَي أربيل والموصل، والدتي كانت قد توفيت في فترة غيابي، وعوائل أخواني شُرّدوا، وقالت الاستخبارات العراقية لهم "روحوا التحقوا بأبنائكم". هذه كانت سياسة صدام، سياسة العقاب الجماعي، لعائلة كاملة، بسبب نشاط واحد من أبنائها".

الضابط البريطاني المستعمر

 استمرت المناوشات بين قوات البيشمركة والجيش العراقي النظامي طوال شهور تلت اندلاع الانتفاضة، إلى أن أقرّ مجلس الأمن الدولي منطقة حظر الطيران على "الخط 36"، والتي كانت الفاعل الأهم لأن يستحصل الكُرد منطقة للحُكم الذاتي، يتذكر الوزير زيباري: "بالمناسبة، بعد سنوات من ذلك القرار، أصبحت وزيراً لخارجية العراق، وقتها كان "كولن باول" وزير خارجية للولايات المُتحدة، وفي إحدى زياراته إلى بغداد سألته: معالي الوزير ثمة سؤال شخصي وليس سياسياً: هل يُمكن أن تُخبرني عن الأمر الذي جرى حتى تم إقرار منطقة حظر الطيران لحماية الكُرد العراقيين؟ فأخبرني الوزير باول: "الرئيس بوش أتخذ قراراً بضرورة فعل شيء ما لحماية الكُرد العراقيين، وقد كنت وقتها رئيساً لهيئة أركان الجيوش الأميركية، وبعد لقاء مع الرئيس بوش، الذي طلب خطة مستعجلة لإنقاذ الأرواح، وبعد النظر إلى الخرائط، كانت الفكرة المباشرة هي منع الطيران العراقي من قصف تلك المناطق، فحملت المسطرة، ورسمت خطاً مُستقيماً على كامل الخط 36 الجُغرافي وقلت إن المنطقة شمال هذا الخط يجب أن تحظّر على طيران الجيش العراقي، كُنت أتصرف كضابط استعماري بريطاني، بجر حدود دولة ما على الخريطة، هذه الحدود التي رسمتها، كانت حدود الدولة الكردية".

يصف الوزير زيباري بداية التواصل بين القوى السياسية الكُردية والولايات المُتحدة بأنها كانت صعبة للغاية، فالاجتماع الأول بين الطرفين حضره إلى جانب الوزير زيباري كُل من الدكتور محمود عثمان والدكتور برهم صالح، كممثلين عن الجبهة الكُردستانية، حيث التقوا بمساعد نائب وزير خارجية الولايات المُتحدة مايك ديفيد ماك. يذكر الوزير زيباري كيف أنهم عرضوا تواصلاً وتنسيقاً وتعاوناً سياسياً من قِبلهم مع الولايات المُتحدة، التي أسست منطقة آمنة للكُرد العراقيين، وكيف أن المسؤول الأميركي بعد سماع كامل الأحاديث من الحاضرين علق باقتضاب: " مهمتنا في شمال العراق، هي مهمة إنسانية بحتة، لإنقاذ أرواح الذين فروا من الحروب، وسنتعامل مع القيادات المحلية الموجودة على الأرض، وسوف نُدخل الأمم المتحدة في المشاريع التنموية". بمعنى ما، فإن المسؤول الأميركي طلب من القيادات الكُردية استبعاد أي اعتقاد عن إمكان تعامل الولايات المُتحدة معهم كممثلين سياسيين لمنطقة ما، بحسب وصف الزيباري.

المؤتمر الوطني العراقي

 بعد لقاء المسؤول الأميركي وبقاء الأبواب الحكومية الأميركية مُغلقة، التقى الوزير زيباري بالدكتور أحمد الجلبي، الذي كان برفقته الشيخ محمد بحر العلوم. الجلبي كان أخبر زيباري بصعوبة التواصل مع الحكومة مباشرة، وأن أبواب الكونغرس ومراكز القرار والأبحاث والمُستشارين والخبراء الأميركيين يجب أن تُدق، وحدثت تلك اللقاءات بالفعل، حيث كانت مُقدمة لتبلور المؤتمر الوطني العراقي، "كانت الفكرة ضرورة العمل على "بلات فورم" عراقي وطني، وحدث أول اجتماع للمؤتمر الوطني في فيينا، كان تشاوريّ الطابع. اشترك به الرئيس جلال الطالباني والكثير من القيادات الكُردية، حيث اعترضتنا من جديد مسألة حقوق الكُرد في العراق، إلى أن توصلنا إلى صيغة فضفاضة (حق تقرير المصير للشعب الكُردي ضمن العراق الواحد)، وهو ما كان مُقدمة لعقد مؤتمر صلاح الدين للمعارضة العراقية، في أكتوبر (تشرين أول) من العام 1992".

يُضيف الوزير زيباري متحدثاً عن مؤتمر صلاح الدين لقوى المُعارضة العراقية في أواخر العام 1992 "الفكرة أنه لا بد من تأسيس هيكلية للمعارضة، لم تعد تنفع البيانات والشعارات. كذلك تلقينا وعداً أميركياً بالدعم إذا شكلنا تنظيماً عراقياً موحداً. في ذلك المؤتمر تبلورت القيادة الثلاثية، الشيعية والسنية والكردية. هنا لا بُد من الإشارة إلى أن اتهام الولايات المتحدة أو الدكتور أحمد الجلبي بخلق هذا التقاسم إنما هو أمر غير دقيق. إذ بالعودة إلى تاريخ العراق، فإن أول مجلس للسيادة تأسس في الزمن الجمهوري، زمن عبد الكريم قاسم، كان فيه ثلاث شخصيات، سني وشيعي وكردي، هُم الفريق نجيب الربيعي ممثلاً للعرب السُنة، والشيخ محمد مهدي كُبة ممثلاً للشيعة، والعقيد الركن خالد النقشبندي ممثلاً للكُرد، المجلس الذي كان برئاسة عبد الكريم قاسم". يُكمل الوزير زيباري متحدثاً عن تجدد الخلاف بشأن المسألة الكُردية في ذلك المؤتمر نفسه: "اتفقنا حول الديمقراطية والنظام السياسي وإسقاط النظام، لكن أيضاً توقفنا عند موقع الكرد في العراق الجديد، حدث خلاف شديد جداً، بين العرب والكرد، أنقذتُ الموقف، حتى من دون رضا تام من الرئيس مسعود والرئيس "مام جلال"، خرجت بمقترح بديل ووسط، يقول (المؤتمر الوطني يحترم إرادة الشعب الكردي، في الفيدرالية). وقتها كانت أولى المرات التي تداولت كلمة الفيدرالية. فالكُرد كانوا يريدون الإقرار بالنظام الفيدرالي، والطرف العربي كان يرفض".

يصف الوزير زيباري السنوات الصعبة التي سعى فيها العراقيون إلى إسقاط نظام صدام حُسين، العراقيون الذين "جربوا كُل شيء في سبيل ذلك، لكن الأحوال الإقليمية والدولية لم تكن مُساعدة لتحقيق ذلك، إلى أن جرت أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) من العام 2001"، التي يعدّها الوزير زيباري بالمفصلية، مُضيفاً "كنت من الزوار الدائمين لواشنطن، والعواصم الأوروبية. لكن بعد ضربة 11 سبتمبر 2001 استشعرنا بأن تحولاً كبيراً جداً سيجري في المنطقة، هذا الحدث غيّر تاريخ العالم، لذا كُنا متيقنين أن العقاب بالنتيجة سيطاول صدام حسين، هذا نظام يتحدى ويرفض كل القرارات، ويستخدم أسلحة محرمة سابقاً. كنا نتحسس أن ثمة إعادة نظر للسياسة الأميركية تجاه العراق".

اقتربت نهاية صدام

يتحدث الوزير زيباري تفصيلاً "في ربيع العام 2002، ذهبنا في زيارة سرية إلى واشنطن، إلى مكان يسمونه المزرعة، كانت زيارة للقيادات الكردية، الرئيسين بارزاني والطالباني، والدكتور برهم صالح وأنا. هناك تبلورت فكرة واضحة جداً وعملية عما جرى في ما بعد. أسّسنا من طرفنا مجموعة الأربعة، وهي بمثابة نواة لقيادة المعارضة العراقية، مؤلفة من الحزب الديمقراطي الكُردستاني والاتحاد الوطني الكُردستاني والمجلس الإسلامي الأعلى وحزب الوفاق. في تلك النواة أدركنا أن الولايات المُتحدة مُقدمة على الحرب، وأنها رُبما تُهمل دور المعارضين العراقيين، وكُنا نعتقد أنه علينا توجيه رسالة واضحة إلى القيادة الأميركية، مفادها استحالة إسقاط نظام صدام حُسين وبناء عراق جديد من دون الاستناد إلى القوى السياسية العراقية، وبالذات نواة الأربعة. لأجل ذلك أخبرت المجموعة بضرورة عقد مؤتمر وطني شامل لقوى المعارضة العراقية، ليكون صوت الشعب العراقي. وهو ما جرى في لندن بعد شهور قليلة، وكان المؤتمر بالكامل من تمويل العراقيين أنفسهم. بعدما كُنا قد التقينا كوفد من المؤتمر الوطني العراقي بوزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد، في أغسطس (آب) من العام 2002، حيث كان قد وجه إلينا إشارات واضحة بأن الحرب ستقع، من دون تحديد تاريخ حدوثها".

بعد اللقاءات الأولى التي جرت في واشنطن، يذكر الوزير زيباري أنهم كقيادة كُردية قرروا التواصل مع محيطهم الجيوسياسي، آخذين في الاعتبار إشارة أحد المسؤولين الأميركيين إلى قدرة دول الجوار على تخريب المشروع الأميركي للعراق.

يذكر الوزير زيباري أن القيادات الكُردية اجتمعت في مدينة فرانكفورت الألمانية بعد لقاءات واشنطن، وأنه طرح على الرئيس جلال الطالباني ضرورة التواصل مع سوريا وإيران، الدولتين اللتين رعتا واستضافتا قوى المُعارضة العراقية. ومن هُناك توزعت المهام بأن يذهب الرئيس مسعود البارزاني للتوافق مع دمشق، والرئيس جلال الطالباني ليفعل الأمر ذاته مع طهران.

يُضيف الوزير زيباري متحدثاً عن لقاء البارزاني مع بشار الأسد "في دمشق التقينا بالرئيس بشار الأسد، وأنا كنت حاضراً، الرئيس مسعود قال له إننا كُنا في أميركا في زيارة خاصة، وإن الحرب مقبلة لا محال وحتمية. شكك الأسد في الأمر، قائلاً (أميركا تستخدمكم مثل تحالف الشمال في أفغانستان)، فهو لم يكن يتوقع أن تقع حرب شاملة أبداً".

موقف النظام السوري  

يتحدث الوزير زيباري عن انطباعه خلال زيارة العاصمة دمشق وقتها، وكيف أن بعض الفروق كانت تظهر بين أركان النِظام السوري "اللواء محمد ناصيف، الشخصية الأمنية التي كانت مكلفة بمتابعة الملفات العراقية في النِظام السوري، كان موقفه شديداً تجاه التطورات، وكذلك كان وزير الخارجية فاروق الشرع، بينما كان نائب الرئيس عبد الحليم خدام غير مُصدق بأن الحرب ستقع. لكن أولاً ثمة مسألة المنافع الاقتصادية التي كان يجنيها النِظام السوري من نظيره العراقي، فانفتاح الطرفين بعد العام 1997 خلق نافذة اقتصادية استثنائية للسوريين، الذين كانوا يعتقدون بأن الحرب سوف تُطيحها. إضافة إلى مخاوفهم الشديدة من أن يكونوا البلد التالي بعد العراق".

 يُضيف الوزير زيباري واصفاً ما جرى على الدفة الإيرانية بأنه كان أكثر سلاسة، حيث وإن لم يكن ثمة تنسيق إيراني أميركي مُباشر، لكن تناغم الطرفين كان واضحاً، والكثير من القوى العراقية التي كانت تُنسق مع الولايات المُتحدة كانت شديدة الارتباط بإيران.

يُنهي الوزير زيباري حديثه عن المرحلة التي سبقت إسقاط نِظام صدام حُسين بسرد مشاعره ليلة بدء الحرب في التاسع عشر من مارس عام 2003 "كُنت جالساً إلى مكتبي في مصيف صلاح الدين، والذي كان يعجّ بالصحافيين والإعلاميين، كان ينتابني شعور دفين يقول إن هذه الحرب مشروعة، لأنها تنتصر لمظلوميتنا ككرد وكعراقيين، نحن الذين جربنا كُل شيء ولم نتمكن من إسقاط النظام الديكتاتوري ولم ننجح، لا بحرب العصابات، ولا بالمفاوضات ولا بالتظاهرات. فإذا لم يحدث التدخل الدولي، فإن أحفاد عدي صدام حُسين كانوا سيحكموننا من بعده وبعد أبيه".

المزيد من حوارات