Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الساعاتي... مهنة تصحيح الزمن

توشك هذه الحرفة على الاندثار في عصر "الثورة الرقمية" و"الساعات الذكية" رغم أن علاقة وجدانية تربط كبار السن مع ساعاتهم

 تواجه مهنة الساعاتي الانقراض بفعل الساعات الذكية (اندبندنت عربية)

ملخص

ارتبطت مهنة "الساعاتي بالدقة والوقت"، وقد أسهمت في الحفاظ على "إرث" و"القطع النادرة" للكثير من الناس. ويواجه "الساعاتي" تحدياً متصاعداً بفعل التطور التقني والانتقال من نظام التشغيل الميكانيكي إلى الرقمي، فيما يجاهد بعض الساعاتية للحفاظ على مهنتهم وفق الأصول القديمة.

"عندما تتوقف ساعتي عن العمل أشعر بالحيرة والإرباك وكأن الزمن الفعلي قد توقف" هكذا تجيب الحاجة غالية (السيدة الثمانينية) عن سؤال "ما قيمة الساعة في حياتك؟"، وتضيف، "تجدني أسارع إلى الساعاتي في السوق لفحصها وتغيير البطارية لإعادة الانتظام في حياتي، فهي تعني لي موعد الصلاة، ووضع القدر للطبخ، وتحضير طاولة للغداء، وتناول الدواء والخلود إلى الفراش"، و"بعد مرور أكثر من 60 عاماً على زواجي ما زلت أحتفظ بالساعة التي أهداني إياها المرحوم"، و"تُعد الساعة والرزنامة عناصر أساسية في المنزل، وأحرص على شرائها والحفاظ عليها".

 

وتختزن الساعة الكثير من الذكريات لدى كبار السن، يقول السيد هاني (78 سنة)، "أهداني والدي في سن الـ18 ساعة جيب من الفضة، توضع داخل شملة الشروال، وما زلت أحتفظ بها في صندوق أغراضي الثمينة، وبين الفينة والأخرى أتفقدها لأنها تعني لي الكثير على رغم أن عدداً من الساعاتية عجز عن تصليحها. وقد رافقتني أثناء مرحلة غربتي في الكويت"، و"أذكر أننا كنا نتباهى بامتلاك ساعة الجوفيال تعمل على النبض لأنها كانت ماركة مشهورة، وهي مؤشر على الفخامة والالتزام بالوقت". أما على صفة الشباب فتعني لهم "الأناقة والتميُز"، يقول غسان "أمتلك مجموعة من الساعات التي أعتبرها جزءاً مكملاً لمظهري"، و"قد ظهر لديَّ منذ المراهقة ميل لشراء الساعات النادرة التي تشكل جزءاً من مدخراتي".

 

تحدي الزمن

يعيش محبو الساعات في بحث مستمر عن "ساعاتي شاطر"، يبقي مواعيدهم منضبطة. وتشهد مهنة "الساعاتي" تراجعاً بفعل تقدم محترفيها في السن، وعدم إقبال الشبان على تعلمها، مفضلين الانتقال إلى تعلم مهن أخرى تواكب الزمن. في أحد أزقة سوق العطارين في طرابلس، يحتفل جمال مبيّض بمرور 50 عاماً على بدء مسيرته في تصليح الساعات الميكانيكية، وهي مهنة ورثها عن والده. ويروي جمال "في سن الخمس سنوات نزلت إلى ورشة والدي لتصليح الساعات في أواخر ستينيات القرن الـ20 في موازاة دراستي في المدرسة وبلوغي صف البكالوريا القسم الثاني". وأضاف، "بدأت المصلحة صغيراً، كان والدي يعطيني ساعات المنبه الكبيرة لأنها تحتاج إلى جهد أقل من تلك الصغيرة، وفي عمر 15 عاماً بدأت تصليح الساعات اليدوية الصغيرة. وفي عام 1985 تسلمت المحل نهائياً عن الوالد. وقد أتممت الـ40 عاماً منفرداً وراء طاولة المهنة، والـ50 عاماً في المهنة بعد احتساب 10 سنوات التعليم"، معتبراً أن بعض المهن ومن ضمنها الساعات أصبحت شبه مهجورة "ولا يعمل فيها إلا ما ندر، وتتعذب في معرض بحثك عمَن يتعلمها ويشتغل بها". ويقرن مبيّض استمرار المهنة بالعاملين الحاليين فيها لأنه "طالما هناك أشخاص يعملون في تصليح الساعات تستمر المهنة، وهي ستتوقف بصورة إجبارية عندها سيلجأ الناس للاعتماد على ساعات البطارية، والتي كلما تخربت، يستغنون عنها لصالح شراء أخرى، وهو ما يفقد الساعة عنصر النوستالجيا والطابع المعنوي للتجربة".

يحسب الداخل إلى ورشة جمال مبيّض وكأنه في غرفة عمليات جراحية، حيث يستخدم عدداً كبيراً من المناظير والمقاطع والمشارط اليدوية. كما تزدحم طاولة الشغل بآلاف القطع الدقيقة والصغيرة التي يحسبها الرائي "مجوعة من الخردة والكراكيب" التي تتحول إلى ترياق لعلاج ساعات أنهكتها كثرة الاستعمال ودوران العقارب وسباق عدّاد العمر بين ثوانٍ ودقائق.

يفاخر مبيّض، "لم يستعصِ عليَّ أي شغل. ميكانيكي في تصليح الساعات، إلا أن المشكلة تكمن في فقدان بعض القطع، وقد تمكنت من إصلاح أغلبية الساعات التي عُرضت عليَّ"، منوهاً بدقة عمل الساعاتي لأن "أي غلطة يرتكبها المصلح تؤدي إلى تخريب القطعة، ولذلك على الساعاتي امتلاك الخبرة قبل تفكيك أي قطعة، وعدم تحويل التصليح إلى تخريب سرعان ما يُكتشَف خطؤه". ويتطرق الساعاتي جمال مبيّض إلى أهمية الساعات بوصفها "رمزاً للثروة والادخار"، فهي ليست مجرد آلة للوقت، ولا تقتصر قيمتها على الشق المعنوي لأن "بعض الساعات غالية الثمن، وتشكل ثروة لأصحابها لأن سعرها ليس بالليرة أو الليرتين، وإنما قيمتها بآلاف الدولارات، وهو ما يدفع البعض إلى هواية تجميعها".   

 

الوقت على الحائط

رافقت الساعة حياة العرب، ففي باحات المساجد الكبرى، أقام الموقتون "ساعات شمسية" لحساب مواعيد الصلاة على غرار تلك الموجودة في الجامع المنصوري الكبير في طرابلس القديمة (شمال لبنان). ومع تطور الزمان ظهرت موضة "أبراج الساعة" التي استلهمت هندستها من تنظيم المدن الكبرى وتصميمها العمراني الضخم، وأصبحت جزءاً من هوية المدينة وركناً من أركانها. في قلب طرابلس اللبنانية ينتصب برج الساعة الحميدية الذي يشكل معلماً من معالم المدينة يعود إلى العهد العثماني. وفي وسط العاصمة بيروت تتوسط "ساعة العبد" الساحة المقابلة لمجلس النواب اللبناني، وينسحب الأمر على مختلف المدن العربية التي تحتضن الميادين المرتبطة بتسمية "دوار الساعة" التي تزامن بناؤها مع حقبة الحداثة وبشائر "الدولة الوطنية". أما في داخل المنزل فقد احتلت الساعة مكاناً بارزاً ووسطاً في جدران الصالونات والقاعات والغرف.
داخل ورشته وبين ساعاته يجلس الحرفي عزام زيني الذي يمتهن تصليح الساعات والأجهزة الصوتية القديمة، وهو يراهن على خبرته العلمية والعملية التي اختزنها طوال 50 عاماً من الخبرة بغية الحفاظ على تلك الأدوات حية و"شغّالة" على رغم تقدمها في السن. ويشير الزيني إلى أن "ساعة الحائط هي امتداد تاريخي لا يمكن للإنسان الاستغناء عنها، وقد أصبحت جزءاً من التراث الوطني، ولدى بعض الناس هواية جمع ساعات الحائط، وقد دفعتني رغبتي إلى إقامة ساعة شبيهة بساعة التل – برج الساعة الحميدية - وقمت بتركيب بوق لها لتدق عند رأس كل ساعة". ويلفت زيني إلى أن "ساعات الحائط القديمة التي تعمل وفق نظام ميكانيكي تم اختراعها منذ قرابة الـ200 عام، وهي تعمل بواسطة الحركات والاهتزاز، فيما الساعات الجديدة الرقمية لا قيمة لها. وأنا أعتز بامتلاكي مجموعة من الساعات الميكانيكية بسبب هوايتي لها". ويتحدث الزيني عن تصليح الساعات، حيث يستورد أحياناً بعض القطع من الخارج، مستدركاً أنه "في بعض الأحيان نعثر على بعض القطع في ’سوق الأحد‘ الشعبية ونشتريها من أناس كانوا يمتلكون ساعات قديمة، حيث نلجأ إلى استبدال قطع ساعة بأخرى". ويشدد على القيمة المعنوية لساعات الحائط القديمة التي لا يجدها الراغبون فيها إلا ضمن سوق الأنتيكا التي تقتصر على محبي القطع القديمة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ساعة ذكية للزمن الجديد

توشك مهنة الساعاتي على الاندثار في عصر "الثورة الرقمية" و"الساعات الذكية" التي تجاوزت الحدود الضيقة للساعة التقليدية، فهي لم تعد تقتصر على أداة لقياس الوقت، وإنما تجاوزتها إلى مراقبة الصحة والعلامات الحيوية للإنسان، وترتبط مباشرة مع هوية المستخدم وحساباته على منصات التواصل الاجتماعي. يقارن عمر قصقص الخبير في التكنولوجيا الرقمية بين مزايا الساعة الذكية وتلك التقليدية، فالأولى تحولت من أداة لمعرفة الوقت إلى "مركز شخصي مصغَر للتحكم بالحياة اليومية فهي تتيح للمستخدم مراقبة أوضاعه الصحية من نبض القلب، وأوقات النوم، وحساب النشاط، والتوتر، واستقبال الإشعارات، والرد على المكالمات، وصولاً إلى إتمام الدفعات الإلكترونية، فيما تفقر الساعات التقليدية لجملة المزايا تلك".

يتطرق قصقص إلى فائدة الساعة الذكية للإنسان العادي، فهي مثالية لمن يعتمد باستمرار على الهاتف والبيانات على غرار الرياضيين أو المهتمين بالصحة، ولكنها قد لا تكون مناسبة لمَن يستخدم الساعة لمعرفة الوقت حصراً. ويعتقد قصقص أن الساعة الذكية في تطور سريع ومستمر مستفيدةً من تقدم التكنولوجيا، ولكن في المقابل، ينوه بأن التقدم السريع للبرمجيات وضعف البطاريات وتراجع قدراتها، يجعل من الساعة الذكية سلعة استهلاكية قصيرة العمر، فيما التقليدية تبقى بمثابة تحفة ميكانيكية يمكن أن تورَّث من جيل إلى جيل.

 

الأخطار حاضرة

تمتاز الساعات التقليدية بطول العمر واستقلالها عن موارد الطاقة، وهو ما دفع بعض الشركات للاعتزاز بديمومتها لمدى الحياة، وهو ما تفتقد إليه الساعة الذكية التي توشك بطاريتها على النفاذ وحاجتها للتحديث، إلا أن الخطر الأكبر يتمثل في أخطار الاختراق الرقمي.

ويشرح عمر قصقص أبرز الأخطار الناجمة عن تخزين تلك الساعات للمعلومات الشخصية والبيانات الصحية، وموقع المستخدم، والحسابات المالية، وحتى الرسائل الخاصة، بالتالي فإن أي اختراق أو فقدان قد يعرض الخصوصية للخطر. ويقدم بعض النصائح لتقليل الأخطار، حيث "يجب تفعيل القفل وكلمة المرور أو البصمة. وتحديث النظام دورياً، وتجنب تحميل التطبيقات غير الموثوقة وعدم ربط كل الحسابات الشخصية مباشرة بالساعة". ويتطرق إلى استخدام تلك الساعات خلال الامتحانات الرسمية والمباريات، معتبراً أن "المخاوف مبررة لأنه بإمكان استخدام الساعة الذكية للغش أو التواصل الخفي، ولهذا تُمنع غالباً في قاعات الامتحانات على غرار منع الهاتف، إلا أنه خارج هذا الإطار، يمكن تسخيرها والاستفادة منها بوصفها أداة لخدمة الصحة والإنتاجية بدل أن تكون تهديداً".

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات