ملخص
ويقول مراقبون إن "مقديشو حصلت على موافقة منظمات دولية عدة ودول فاعلة في المنطقة والعالم للمضي قدماً في تأكيد سيادتها على أراضيها كافة، ومن ثم من المتوقع أن تمضي في اتجاه إلغاء العقود كافة مع الشركات التجارية ذات العلاقة بهرجيسا، التي ظل الصومال يغض الطرف عنها لجهة تعزيز النمو الاقتصادي في جزء من أراضيه السيادية"، مشيراً إلى أن "الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بدأ جولاته الدبلوماسية إلى دول الإقليم وتركيا، وستشمل الجولة الدول الفاعلة في منطقة الخليج العربي، بخاصة السعودية، إضافة إلى زيارات مرتقبة لدول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة".
بلغت المواجهة بين الحكومة الفيدرالية الصومالية في مقديشو وحكومة إقليم "أرض الصومال" المطالب بالانفصال مرحلة حرجة، بخاصة بعد الاعتراف الإسرائيلي باستقلال الإقليم عن جمهورية الصومال وما تبعه من توترات حركت الملفات الساخنة في منطقة القرن الأفريقي المضطربة أساساً، إذ تعتبر مقديشو أنها أمام "معركة وجودية"، ومن ثم تسعى إلى تجاوز مرحلة التنديد المحلي والدولي بالخطوة الإسرائيلية إلى مرحلة متقدمة من تأكيد سيادتها على الأراضي الصومالية كافة، وذلك من خلال اتخاذ إجراءات قانونية وإدارية من بينها إلغاء تراخيص شركات تتعامل مع حكومة "أرض الصومال"، فضلاً عن تفعيل الشراكات الدولية، من بينها الشراكة الصومالية - التركية، لا سيما اتفاقات الدفاع المشترك وتعديلاتها خلال عامي 2024 و2025 في محاولة لتضييق الخناق على هرجيسا، وقانونياً عبر المنظمات الدولية والأفريقية، مثل الاتحاد الأفريقي، ومنظمة الإيغاد، وعبر دول القارة الممانعة لانفصال الإقليم، والقوى الداخلية المعارضة لسياسة هرجيسا الحالية، علاوة على تفعيل وتنشيط علاقاتها بالقوى الكبرى التي تسعى إلى تعزيز حضورها بالقرن الأفريقي، بخاصة في ظل تحركات عالمية واسعة للقوى الكبرى للتموضع، استعداداً لأية مواجهة عالمية أو إقليمية محتملة في القرن الأفريقي وممراته المائية التي تشكل نحو 15 في المئة من حجم الملاحة التجارية الدولية.
زيارة تل أبيب
من جهة أخرى أعلن وزير خارجية إسرائيل جدعون ساعر أن رئيس "أرض الصومال" عبدالرحمن محمد عبدالله "عرو"، تلقى دعوة من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لزيارة تل أبيب وقبلها.
ووصل ساعر أمس الثلاثاء، إلى عاصمة "أرض الصومال" هرجيسا، في أول زيارة رسمية بعد إعلان إسرائيل الاعتراف بها. وقال ساعر في تغريدة على موقع "إكس"، "إنه لشرف عظيم أن أقوم بأول زيارة دبلوماسية رسمية إلى ’أرض الصومال‘، بدعوة من رئيسها"، مضيفاً "نحن عازمون على تعزيز العلاقات بين إسرائيل و’أرض الصومال‘ بقوة، وقد أجرينا اليوم محادثات جوهرية مع الرئيس وكبار أعضاء حكومته حول جوانب علاقاتنا كافة".
واعتبر أن "الاعتراف المتبادل وإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين ليسا موجهين ضد أي طرف، هدفنا المشترك هو تعزيز المصالح المشتركة للبلدين".
وتابع "أوضحت جلياً في هرجيسا، أن إسرائيل وحدها هي من تقرر من تعترف به ومن تقيم معه علاقات دبلوماسية"، لافتاً إلى أن "رئيس ’أرض الصومال‘ قبل دعوة نتنياهو وسيقوم بزيارة رسمية لإسرائيل".
وذكرت قناة "آي 24" الإسرائيلية أن ساعر أوضح أن إسرائيل و"أرض الصومال" وقعتا اتفاق اعتراف متبادل في الـ26 من ديسمبر (كانون الأول) الماضي، مما أدى إلى إقامة علاقات دبلوماسية كاملة. وبموجب الاتفاق، سيعين البلدان سفراء ويفتتحان سفارات في المستقبل القريب.
وكشفت هيئة البث العبرية عن أن رئيس "أرض الصومال" سيزور إسرائيل في يناير (كانون الثاني) الجاري، مشيرة إلى أن "عرو" يعتزم خلال زيارته لإسرائيل "الانضمام رسمياً إلى الاتفاقات الإبراهيمية". وأضافت أنه "سيوقع سلسلة اتفاقات ثنائية إضافية في مختلف المجالات، بخاصة في مجالات الزراعة والتعدين والنفط والأمن والبنية التحتية والسياحة وغيرها"، لافتة إلى أنه سبق لرئيس "أرض الصومال" أن زار إسرائيل "سراً".
We deeply appreciate H.E. @gidonsaar for this historic visit, the first by a foreign minister to Somaliland in 34 years. His commitment to strengthening ties between Somaliland and Israel marks the beginning of a promising partnership grounded in mutual respect, shared values,… https://t.co/gy3sXfTeJ0
— Abdirahman Dahir Adam (@min_abdirahman) January 6, 2026
إدانة "التوغل" الإسرائيلي
من جهتها دانت الحكومة الصومالية بأشد العبارات ما سمته بـ"التوغل غير المصرح به من وزير الخارجية الإسرائيلي في الأراضي الصومالية"، وذلك في إشارة إلى زيارته الحالية لعاصمة إقليم "أرض الصومال" هرجيسا. وقالت الخارجية الصومالية في بيان أمس الثلاثاء إن "هرجيسا هي جزء لا يتجزأ من الأراضي السيادية لجمهورية الصومال الفيدرالية"، داعية المجتمع الدولي إلى إدانة هذا السلوك الذي يتناقض مع اتفاقات فيينا للمعاهدات الدبلوماسية ويخترق السيادة الصومالية.
خطوة تعزز الموقف الصومالي
بدوره يرى المحلل السياسي الصومالي هاشم عبدي أن "الدولة الصومالية حصلت على تضامن دولي واسع يمكنها من اتخاذ إجراءات إدارية وميدانية تعزز من تأكيد سيادتها الكاملة على الأراضي الصومالية كافة المعترف بها دولياً"، مشيراً إلى أن "الاعتراف الإسرائيلي بالإقليم الانفصالي، ضاعف من حجم وفاعلية الدبلوماسية الصومالية والعربية والأفريقية، وقبول حجتها على المستوى الدولي، بخاصة وأن الاعتراف صادر من دولة تعاني عزلة دولية كبيرة إثر حرب غزة الأخيرة. كما أن الاعتراف الأحادي عزز المخاوف الدولية لدى القوى العظمى من إمكان تأثيره في الاضطرابات التي يشهدها الممر المائي الأهم للتجارة الدولية، كما عزز احتمالات تأثيره في الأمن والسلم الإقليمي في منطقة القرن الأفريقي وحوض البحر الأحمر".
ويقول عبدي إن "مقديشو حصلت على موافقة منظمات دولية عدة ودول فاعلة في المنطقة والعالم للمضي قدماً في تأكيد سيادتها، ومن ثم من المتوقع أن تمضي في اتجاه إلغاء العقود كافة مع الشركات التجارية ذات العلاقة بهرجيسا، التي ظلت مقديشو تغض الطرف عنها لجهة تعزيز النمو الاقتصادي في جزء من أراضيها السيادية"، مشيراً إلى أن "الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بدأ جولاته الدبلوماسية إلى دول الإقليم وتركيا، وستشمل الجولة الدول الفاعلة في منطقة الخليج العربي بخاصة السعودية، إضافة إلى زيارات مرتقبة لدول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة".
وينوه المتحدث ذاته بأن "ثمة تفهم إثيوبي للموقف الصومالي، بخاصة وأن أديس أبابا ظلت تعد المرشح الثاني للاعتراف"، مشيراً إلى أن "زيارة حسن شيخ محمود إلى أديس أبابا حققت أهدافها وأدت إلى تراجع إثيوبيا في الأقل في الوقت الحالي عن الاعتراف بصوماليلاند، بخاصة في ظل التوترات الراهنة بين أديس أبابا وأسمرة من جهة، وأديس أبابا والخرطوم من جهة أخرى".
من جانب آخر يرى عبدي أن "هرجيسا وتل أبيب تسابقان الوقت للحد من الإنجازات الدبلوماسية التي تحققها مقديشو على المستوى الدولي، إذ تأتي زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي إلى ’أرض الصومال‘، كجزء من قطع الطريق على الحكومة الصومالية، لفرض سياسات الأمر الواقع"، مشيراً إلى أن "المعلومات الأولية لجدول الزيارة يتضمن جولة ميدانية تشمل مواقع محددة يقدر نطاقها بنحو 50 كيلومتراً، في إطار خطط يتداول أنها مرتبطة بإنشاء منشأة عسكرية، وفق ما أوردته مصادر مطلعة، مما يمثل خرقاً واضحاً للقانون الدولي، ولمعاهدة فيينا للعلاقات الدبلوماسية، فضلاً عن خرقها لميثاقي الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
منشأة عسكرية إسرائيلية
ويعتبر عبدي أن "إقامة منشأة عسكرية إسرائيلية في خليج عدن يمثل تهديداً مباشراً ليس للصومال فحسب، بل لدول المنطقة ككل، بما في ذلك الدول العربية المطلة على البحر الأحمر، بخاصة وأن خليج عدن يمثل مدخلاً رئيساً نحو مضيق باب المندب، البوابة الجنوبية للبحر الأحمر وقناة السويس". ويرى أن "الدول المتشاطئة على البحر الأحمر تكثف جهودها المشتركة لإحباط توجه ’أرض الصومال‘ وإسرائيل، وضمان حماية الأمن والسلم من مضاعفاته".
ويعتقد عبدي أن تولي الصومال رئاسة مجلس الأمن الدولي، للمرة الأولى منذ 50 عاماً، من شأنه أن يعزز من فعالية الدبلوماسية الصومالية الساعية إلى الحفاظ على سيادتها الترابية على الأراضي الصومالية كافة، كما يعكس قدرة مقديشو على جعل المطلب الصومالي محل تداول دائم في مجلس الأمن الدولي بدعم المجموعتين العربية والأفريقية.
قبول المضطر
بدوره يرى المحلل المتحدر من "أرض الصومال" محمود هاشم، أن الإقليم الذي أعلن انفصاله عن الصومال في عام 1990، "ظل لمدة تفوق ثلاثة عقود ونيف من الزمن في انتظار الاعتراف باستقلاله من الدول العربية والإسلامية، وعزز من علاقاته التجارية والاقتصادية مع عدد من دول الخليج، أملاً في تكليل تلك العلاقات بإعلان الاعتراف، إلا أن تلك الجهود لم تفض إلى الاعتراف، مما اضطر هرجيسا إلى اللجوء لأي طرف يحقق المصالح العليا لشعب ’أرض الصومال‘، ومن ثم فإن ترحيب ’أرض الصومال‘ بالاعتراف الإسرائيلي يعد بمثابة ’قبول المضطر‘"، مضيفاً أن "الاعتراف الإسرائيلي والعلاقات المرتقبة بين العاصمتين لن تستهدف مصالح الدول العربية أو دول المنطقة عموماً"، مشيراً أن "السياسة الخارجية لهرجيسا لا تستهدف أحداً بقدر ما تسعى إلى تعزيز العلاقات مع دول العالم كافة، بما يحفظ الاستقرار الإقليمي".
ويوضح هاشم أن "رغبة ’أرض الصومال‘ بالانضمام إلى الاتفاقات الإبراهيمية، يبرهن أنها معنية بالالتزام بشروط وتعهدات تلك الاتفاقات التي وقعت عليها دول عربية من بينها الإمارات والمغرب، ومن ثم فإن العلاقات الثنائية مع تل أبيب لن تشكل خطراً على الدول العربية أو الأفريقية"، مشيراً إلى أنه "في حال اعتراف الدول العربية باستقلال ’أرض الصومال‘ فإن هرجيسا ترغب في الانضمام إلى جامعة الدول العربية، بغرض تعميق علاقاتها مع الدول العربية وتأكيد التزامها بالأمن القومي العربي".
لا قواعد عسكرية
وفي تعليقه على إمكان إقامة قواعد عسكرية إسرائيلية على السواحل الصومالية، يرد هاشم أن "الاتفاقات المعلنة لم تتطرق إلى التعاون العسكري أو إقامة أية قواعد، إذ تقتصر على مجالات الزراعة والتعدين والنفط والأمن والبنية التحتية والسياحة"، زاعماً أن الادعاءات المتعلقة بإقامة قواعد عسكرية إسرائيلية في ’أرض الصومال‘ صادرة بالأساس عن أجهزة الدعاية التابعة لحكومة مقديشو، وليس ثمة ما يسندها في الواقع".
ويوضح أن الاتفاقات الموقعة أمس الثلاثاء في هرجيسا بين إسرائيل و’أرض الصومال‘، أثناء زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي، هي اتفاقات ثنائية معلنة وما من شيء سري فيها، ومن ثم فإن الحديث عن استهداف الأمن القومي العربي أو الأفريقي، لا يخرج عن كونه محاولة للتشويش على المسار الهادئ الذي اتخذته هرجيسا لنيل الاعتراف الدولي".