ملخص
أسوأ سيناريوهات الربع الثاني من القرن الـ21 هي تلك التي تتحدث عن انقلابات "لا إرادية" في المنظومة الكونية الإنسانية. أي تلك المنظومة التي أنشأتها المجتمعات البشرية منذ طفولتها، ودأبت على تطويرها جيلاً بعد جيل، حتى كادت تنفلت من بين أياديها.
الموعد: 2027
هذا ما تقوله التقارير الغربية. بعضها يستخدم الموعد على سبيل البروباغند. بعضها الآخر يروج له من باب التهويل. وبين هذا وذاك تدس التسريبات الإخبارية والاستخباراتية أنفها، لكي ترسم أجندات يصعب فهمها، أو لا ينبغي فهمها.
وحده الرئيس الأميركي دونالد ترمب، قال جازماً: "أبلغني الرئيس الصيني شي جينبينغ أنه لن يغزو تايوان خلال عهدي" (تصريحات لـ’فوكس نيوز‘ الجمعة 15 أغسطس (آب) 2025).
2027 هو العام الذي تبدأ خلاله الاستعدادات المحمومة للانتخابات الرئاسية الأميركية. سيكون عاماً مفصلياً بين عهد ترمب وعهد من يليه.
العنوان، إذاً، هو الصين مع مطالع الربع الثاني من القرن الـ21.
لقد كانت بلاد التنين مشاركاً فعلياً أو اسمياً في عناوين الربع الأول. تصدرت وتتصدر إحدى أخطر الأزمات الدولية ذات الجذر الإقليمي (بحر الصين الجنوبي). حضرت في أزمات عصفت بمناطق جغرافية حول العالم من أميركا اللاتينية إلى أفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط. كمنت بشكل أصيل أو موارب في اعتلالات الاقتصاد العالمي وحروب التجارة. في هذا القطاع الحيوي كانت السبب أحياناً والهدف دائماً. أثبتت نفوذها خارج مجالها الحيوي. عملت وسيطا ناجحاً بين أطراف فاعلين (السعودية وإيران). نافست باقتدار في الصناعة والعلوم والذكاء الاصطناعي. برزت ثم هيمنت في صناعة وتجارة أشباه الموصلات والسيارات الكهربائية. كشفت عن إمكاناتها العسكرية في استعراض مذهل، جمعت خلاله ممثلين عن نصف سكان الكرة الأرضية.
كل ذلك لا يكفي، أو لا يحسم، لأن تايوان ستكون المختبر الفعلي لموقع ووقع التنين على الخريطة الدولية. والموعد الموعود هو عام 2027.
علم المستقبل… مستقبل العلم
لكي نقرأ "وقائع" الربع الثاني من القرن الـ21 لا يكفي المدخل الصيني وحده. هناك مداخل أخرى ليس بينها تمثل حدة بصر زرقاء اليمامة الجاهلية التي أنذرت قومها بغزوة حسان بن تبع الحميري قبل وصولها. ولا يجوز في هذا المقام استعارة مصباح ديوجين الباحث عن الحقيقة في وضح النهار.
يسود اعتقاد أن استشراف المستقبل السياسي، هو مهنة من لا مهنة له ـ غالباً ـ من جمهرة المحللين. لكنه في واقع الأمر هو علم قائم بذاته. مجموعة من القوانين تدرس الظواهر القائمة، تحللها بالقياس والمقارنة مع سابقاتها وتستنتج، وهو علم حديث نسبياً. يمكن تحديد أول مؤشر قديم له مع توقع العالم الفلكي الألماني ألبرت فيليفا (1193 ـ 1280) بأن الإنسان سيصل إلى القمر بعد سبعة أو ثمانية قرون. لكن القاعدة المنهجية لهذا العلم لم تظهر فعلياً إلا مع رؤية عالم الاقتصاد الإنجليزي توماس مالتوس (1766 ـ 1843) التشاؤمية للمعضلات الناتجة من الثورة الصناعية والتمايز الطبقي. غير أن انتظام علم المستقبليات في مؤسسات بحثية لم يبدأ إلا في أعقاب الحرب العالمية الثانية، عندما أنشأ العالم الفرنسي بيرتراند دو جوفنيل بالتعاون مع مؤسسة فورد الأميركية، مشروع المستقبلات الممكنة، وفحواه هو التدخل الواعي في "إنتاج" مستقبل مفيد. منذ تلك اللحظة ستتسع المساهمات في بلورة علم المستقبليات ومأسسته ودراسته وتدريسه.
سيناريوهات غير إنسانية
أسوأ سيناريوهات الربع الثاني من القرن الـ21 هي تلك التي تتحدث عن انقلابات "لا إرادية" في المنظومة الكونية الإنسانية. أي تلك المنظومة التي أنشأتها المجتمعات البشرية منذ طفولتها، ودأبت على تطويرها جيلاً بعد جيل، حتى كادت تنفلت من بين أياديها.
سيناريوهات مظلمة ترى إلى الكتلة البشرية في الكون كظاهرة مارقة.
سألت أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي عما يتوقعه من تحديات لمستقبل البشرية والمنظومة الكونية السياسية في ربع القرن المقبل. دلني على العناوين التي تتصدر شريط الأخبار اليومي: الشرق الأوسط بأزماته وصراعاته العميقة، روسيا وأوكرانيا وحربهما المتمادية والممتدة، الصين الصاعدة وطموحاتها الصاعقة، وقبل هذه وتلك سباق الذكاء الاصطناعي اللاهث.
التطبيق الذكي يشي بنفسه كتحد قائم ومتفاقم. نستطيع بمتابعة بسيطة لاختبارات الفرد اليومية أن نعاين مكامن الذكاء الاصطناعي ونكشف مفاعيلها هنا وهناك وهنالك. في العلم والتعليم والعمل. في الطب والصحة العامة ووصايا التغذية السليمة. في الاتصالات والمواصلات. في الرياضة والترفيه. في الصناعة والزراعة والتجارة. وأيضاً في السياسة وصراعاتها وحروبها وأسلحتها.
ما بعد الإنسان
تعيش البشرية، شعوباً ودولاً، حتى اللحظة، تجاربها الأولى مع قوة تفكير وتخطيط وتدبير خارجة من/ وعن الوعي الإنساني. هي قوة ما زالت في حالتها الجنينية على رغم تقدمها المذهل. لكنها قوة متطورة، يبدو أن الإنسان يتولى قيادتها حتى الآن، لكن اللحظة التي ستصبح فيها هي قائدة تطورها الذاتي تقترب. تلك اللحظة ستكون كافية أمام الجنس البشري لأن يكتب وصيته الأخيرة. ستطوى راية الإنسان مؤذنة بمرحلة جديدة نعرف منها الاسم فقط ونجهل الملامح: مرحلة ما بعد الإنسان، بحسب تسمية الفيلسوف البريطاني المقيم في شنغهاي الصينية نيك لاند. يقول لاند إن على البشر أن يتقبلوا فكرة فنائهم، وإن جمودهم عند المستوى البشري الأول للتطور هو "مأساة كونية".
ظهرت فكرة ما بعد الإنسانية في ثمانينيات القرن الماضي كسؤال فلسفي مدوخ، لكنها سرعان ما استقرت عند الدارسين ببدء العثور على إجابات عن الأسئلة المدوخة. وكان منبع تلك الإجابات هو التقدم التكنولوجي المتسارع وظهور أجيال متلاحقة من الحواسيب، وتلك القفزة الهائلة التي حدثت بالاكتشاف والتراكم من حيز الخيال العلمي إلى فضاء الواقع الافتراضي.
يبدو العقل البشري أمام مفترق طرق: أن يبحث عن سبل تعيد سيطرته، وتحمي من ثم الجنس الذي ينتمي إليه، أو أن يقبل المسار الجديد المؤدي إلى نهايات مؤلمة على النحو الذي يبشر به فيلسوف التشاؤم الألماني فيليب ماينلايندر. في كتابه "فلسفة الخلاص" يقول ماينلايندر إن "الحياة ليست مجرد معاناة، بل هي خطأ كوني يجب تصحيحه"، كان الفيلسوف العدمي يجيب عن سؤالين طرحهما بنفسه: "لماذا يوجد شيء؟ ولماذا لم يكن العدم هو الحال الأصلية؟".
الديكتاتورية والعنصرية بلبوس "علمي"
لم يعد زحف الذكاء الاصطناعي مجرد معادلات رياضية، أو معضلات فلسفية. هو "أتشيلويس" الكائن المفترس، لكنه في عصر العلم لم يعد أسطورياً. هذه المرة علينا أن نتقبل وجوده بالتخلي عن الإفراط في تأكيد "الذات الإنسانية" على حد تعبير الفيلسوف تيد شاتزكي، ومن ثم إعطاء الأولوية للممارسات الفعلية، المخططة والمحسوبة. أي بصياغة أخرى أن يتحول الفرد إلى "روبوت" فاعل في منظومة من الروبوتات (غير البشرية)، أفضل منه، وأكثر تقدماً، ولديها قدرة على مواجهة المشكلات وتوفير حلول لها، ومن ثم فإنها تستحوذ على القيادة بلا مساءلة. نوع جديد من ديكتاتورية العلم وتصنيفاته العنصرية.
الديكتاتورية والعنصرية هما ظاهرتان بشريتان ما قبل علميتين (إن جاز التعبير). منذ أن ظهر الإنسان على وجه الكرة الأرضية تبدت تلك النزعة نحو السيطرة والتمييز. نزعة تغذت مع "التطور الحضاري" من خلال بلورة صيغ جمعية للعيش والتعايش انتهت إلى نشوء الكيانات السياسية بأنظمتها وقوانينها. لكنها نزعة، بسبب فجاجتها كانت تصادمية، مما ولد في مواجهتها حركات اعتراض جذرية، أفرزها الفكر الإنساني أولاً وترجمها الفعل البشري تالياً بمقاومات سلمية تارة أو عنفية طوراً.
الآن وهنا ستختلف سياقات نزعة السيطرة والتمييز، إذ تستمد "مشروعيتها" من العلم الحديث. خلال العقود والقرون الماضية كان احتكار العلم هو أحد أوجه التوسع الاستعماري. لكن المعضلة الأخطر حالياً هو ذلك الاقتران (الزواج) غير المشروع بين السياسة ومصالحها من جهة والعلم وكشوفاته من جهة ثانية، وعلى وجه التحديد الذكاء الاصطناعي.
تزج السلطة السياسية، في بلاد الاستحواذ والهيمنة، بمعطيات العلم في ساحات التنافس والقتال. تحترب قدرات الذكاء الاصطناعي في ميادين التجارة واستخلاص المعادن الثمينة والنادرة، وتوجيه دفة الرأي العام بنفخ الروح في العصبيات ما قبل وطنية أو إنسانية، وتقويض الكيانات السياسية القائمة واختلاق بدائل هجينة، والعبث بالجغرافيا السياسية، وخلخلة النظام البيئي العالمي واستفزاز تغيرات المناخ بخطط جائرة، واختراق الفضاء بمنحى عسكري لجعله منصة مراقبة وهيمنة.
عالم "سائل" يتشكل
في ظل هذا الاحتدام، أين تقع عناوين نشرات الأخبار الحالية: الشرق الأوسط، حرب أوكرانيا، بحر الصين الجنوبي، حيث تبدو الولايات المتحدة الأميركية في كل هذه المواقع هي القاسم المشترك الوحيد؟
هذا السؤال تجيب عنه مجلة "إيكونوميست" الأميركية، في سلستها "عالم يتشكل 2026"، The World Ahead.
باختصار تقول المجلة إن العالم في حال سيولة، تسببت فيها مرحلة الفوضى التي طبعت منتصف العقد.
عن الولايات المتحدة تقول إنها تعيش في لحظة تناقض لافت: اقتصاد قوي، وأسواق حيوية، ونمو يتحدى التوقعات، وفي المقابل نظام سياسي يبدو وكأنه يدخل اختباراً شديد القسوة بعدما فكك الرئيس دونالد ترمب ركائز التعددية الدولية، وأضعف الأجهزة الحكومية في الداخل الأميركي، وأدخلها في صراع مفتوح مع البيت الأبيض حول حدود السلطة التنفيذية.
هذه التشابكات تقود إدارة ترمب إلى مبادرات دولية مثيرة أو مستهجنة، سواء مع الصين، أو في سياق الحرب الروسية - الأوكرانية، أو باتجاه أوروبا، أو بالانتظام الكلي أو الجزئي في صراعات وتسويات الشرق الأوسط، أو بالتصعيد في وجه أميركا اللاتينية.
في المقابل، وبحسب "إيكونوميست"، تدخل الصين 2026 بنجاح اقتصادي راسخ، لكنها تسير على خيط رفيع بين الثقة بالنفس والغطرسة، واستعراض القوة، وستكون اختباراتها المقبلة صعبة للغاية خصوصاً في موضوع تايوان، مع اتساع هامش الخطأ المهلك. أما روسيا التي دخلت حرباً لا تمتلك سبيلاً للخروج منها، فتجد أن رئيسها فلاديمير بوتين لا يمتلك "نظرية نصر" لكنه يراهن على الزمن والتعويم السياسي.
تختصر المجلة الأميركية المشهد في التالي: الولايات المتحدة قوية لكنها مضطربة، والصين واثقة لكنها مهددة بالخطأ، وروسيا عنيدة لكنها متآكلة، وفي الخلفية تبدو أوروبا كمتفرج قلق.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الجميع يقاتل الجميع
إنه مدخل شرس نحو الربع الثاني من القرن الـ21، يقاتل فيه الجميعُ الجميعَ بما امتلكت أيمانهم: الاقتصاد والتجارة والعلم والأسلحة الفتاكة والتهديد النووي وإثارة الاضطرابات وتقويض منظومات القيم وتمكين القوي وإضعاف الضعيف. وتبدو ساحات مثل الشرق الأوسط وأفريقيا وأميركا اللاتينية وأجزاء من آسيا مجرد مختبرات هائلة، تطبق فيها تجارب تكاد تكون إبادية. وكأن نظرية المؤامرة التي تحدثت ذات مرة عن أن الكرة الأرضية لا تحتاج إلى أكثر من 500 مليون نسمة من بين ملياراتها الثمانية لكي يستعمروها ويعمروها تقترب من التحقق.
هل هذه رؤية تشاؤمية لما ينتظره العالم وسكانه خلال ربع القرن المقبل؟
عندما يحمل أشخاص مثل ترمب وبوتين وشي جينبينغ ونتنياهو وخامنئي وكيم جونغ أون، ومعهم "روبوتات" أنتجتها علوم العصر بلا مشاعر ولا رحمة… عندما يحمل كل هؤلاء المطارق في أيديهم ويفترضون أن رؤوس الناس هي المسامير، فلا تبقى أي مساحة للتفاؤل، إلا… إذا استطاع الإنسان أن يسترد وعيه وإرادته.